العرش والهدهد تأملات في معارج البيان (3)

"وَتَفَقَّدَ ٱلطَّیۡرَ فَقَالَ مَا لِیَ لَاۤ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَاۤئبِینَ"[سورة النمل 20]

" فَقَالَ مَا لِیَ لَاۤ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ "

والاستفهام البليغ هنا لم يكن عن عدم الرؤية ذاتها، بقدر ما كان منصبا على انتفاء السبب المانع للرؤية؛ فإذا انتفى السبب انتفى الوجود؛ لذلك كان هذا آكد وأبلغ في هذا المقام العجيب!

فكأنه يقول: لاسبب عندي يمنع من رؤية الهدهد من ساتر ونحوه لو كان موجودا!

وفي إثارة السؤال إشراك لمن حضر مقامه المهاب في النظر والإجابة، وكأنهم شهود حال، وهذا آكد للمقال والحال..

ثم جاءت "أم " المنقطعة في هذا المقال لتقرر ما ترجح لديه من غيابه. بقوله:" أم كان من الغائبين"

أي: بل كان من الغائبين.

ولا يفهم من نظم البيان لهذه العبارة أن أفرادا أخرى من الطير ثبت غيابها؛ فهذا مدفوع ؛ لأن هذا من عادات القرآن الأسلوبية في مثل هذا المقام، أنه لايذكر صاحب الوصف مفردا، وإنما يذكره مندرجا ومشمولا بغيره في الوصف،

من ذلك ما ورد في شأن امرأة العزيز" ( إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔینَ) [سورة يوسف 29]

و في شأن مريم ( وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَـٰنِتِینَ) [سورة التحريم 12]

وفي موضع مخاطبة الهدهد نفسه " ( أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ) [سورة النمل 27]

فغياب طائر صغير كهذا في مملكة نبي كريم، وملك عظيم، دونما استئذان منه أو إعلام؛ يدرجه في مجموع الموصوفين بالغياب المتمكن منهم والمعيب.