العرش والهدهد: تأملات في معارج البيان (2)

{وَتَفَقَّدَ ٱلطَّیۡرَ فَقَالَ مَا لِیَ لَاۤ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَاۤئبِینَ}[سورة النمل: 20]

وفي ذكر الطير هنا بالإفراد، دون سائر المخلوقات التي جندها الله له، إشارة كاشفة عن تفقده للإنس فلم يجد غائبا، وتفقده الجن كذلك، ثم الطير، بدلالة السباق من السياق في ذكر حشر الجند له، في قوله تعالى: (وَحُشِرَ لِسُلَیۡمَـٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّیۡرِ فَهُمۡ یُوزَعُونَ)[سورة النمل 17]

على الترتيب المذكور، وهذا من الإيجاز البليغ الذي لانظير له في غير القرآن!

وإنما كان ذلك كذلك لأن البيان المحكم ضرب صفحا عن ذكر ذلك؛ لشد الانتباه إلى موضع العناية من تفقده الطير؛ لاكتشاف غياب الهدهد، ثم تتوالى حبات عقد النظم وتتماسك في سرد الأحداث الجسام، التي ترتبت على ذلك، بهذا السبك البياني العجيب!

" فَقَالَ مَا لِیَ لَاۤ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ "

وأوجز البيان المحكم البديع كلاما يفهم من السياق، ( فلم ير الهدهد فقال) والبلاغة الإيجاز، والقرآن يعرج بالأفهام ويوجز ما يفهمه الفكر من نظم الكلام، وذلك هو الارتقاء بالعقول والأفكار في تذوق فن القول، ومعجز البيان.

ذلك أنه اختصر من الكلام لحظة دهشة نبي الله سليمان فكان " مَا لِیَ لَاۤ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ"

وفي الفاء دلالة المسارعة ونباهة الملك وقوة العارضة واليقظة.

وفي دقة النظم " وَتَفَقَّدَ ٱلطَّیۡرَ" تقوية للفعل وتسليطه على جنس الطير؛ ليشملهم طيرا طيرا؛ ليجمع بين الدلالة المعجمية وقوة الصياغة الاشتقاقية، للدلالة على قوة التطلب والتفحص وإجالة النظر وتكراره بدقة..

ولما كان التفقد لماغاب وفُقِد؛ ناسب النظم ذكره دون التفحص والتطلب، في هذا المقام.