الدعوة إلى تحديد النسل

إنَّ الدعاية الشائعة اليوم إلى تحديد النسل خشية أن تضيق الأرض ومنابعها الغذائية بأهلها إذا استمرَّ تكاثر النسل وارتفاع نسبته المؤدية إلى تضاعف عدد السكان على سطح الأرض هي دعاية موجَّهة ومنظَّمة من العالم الغربي في أوربة وأمريكا إلى العالم الشرقي في آسيا وأفريقية، وقد بدأت بدايتها بعد أن استقرَّت أقدام الأوروبيين في استعمار القارتين آسيا وأفريقية لمَّا احتاجت النهضة الصناعية في أوروبة في أوائل القرن الماضي إلى منابع المواد الخامية المغذية للصناعة، وإلى أسواق لمنتوجاتها في عصر الآلة الحديثة الكثيرة الإنتاج بالنسبة إلى الآلة اليدوية القديمة.

وقد وجد الأوروبيون في القارتين المذكورتين (آسيا وأفريقية) مطلوبهم من منابع المواد الخامية، ومن الأسواق الاستهلاكية في بلاد متخلفة غير ذات صناعة حديثة.

وسبب توجيه هذه الحملة في تحديد النسل إلى سكان هاتين القارتين: أن الاستعماريين لحظوا تزايدَ عدد السكان فيهما فخافوا أن يكون هذا الازدياد مؤدِّيًا إلى امتصاص معظم المواد الخامية محليًّا في حاجات أهلها فلا يبقى للمستعمرين ما يكفي لتغذية صناعاتهم الحديثة، فأظهروا الشفقة الكاذبة على سكان الأرض من مجاعة عامَّة حين لا تكفي منابع التغذية في الأرض لسدِّ حاجة سكانها.

وقد كان لليهود ضلع وجهود في هذه الدعاية إلى تحديد النسل، لأنَّ من عقيدة اليهود في تلمودهم المفترى وجوب إبادة جميع الشعوب سوى اليهود كما هو معلوم من نصوص التلمود الجهنميَّة التي نشر في العصر الحاضر كثير منها بعناية الحركة الصهيونيَّة وفظائعها لفضح أهدافها اليهوديَّة، وكشف جرائمها على الإنسانيَّة وعقائدها الاجراميَّة.

ذلك لأن زيادة تناسل شعوب القارتين المذكورتين هو عقبة في وجه الفريقين: الاستعمار الأوروبي، والصهيونية المجرمة.

ولهم أيضاً مأرب آخر هو فسح المجال لإفساد الأخلاق بنشر جريمة الزنى في العالم دون خشية الحمْل.

فالاستجابة لهذه الدعاية الخبيثة لتكون تدبيراً عامًّا إلزاميًّا تقوم به الدولة بوسائل منظَّمة طبيَّة، تحدَّ النَّسل في حدود معينة وعدد من الأولاد، وتمنع تجاوزه هي كاستجابة صاحب المال لنصائح اللص وتوجيهاته.

والإسلام الحنيف قد شرع الزواج وحضَّ عليه، ورغَّب في كثرة نسل المسلمين؛ لأن قلة العدد نوع من الضعف في معترك تزاحم الأمم على السيادة والنفوذ، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" ([1]).

فلا يجوز في الإسلام اتخاذ تدابير عامَّة وقائيَّة ضد الحمْل والنَّسل بصورة توجِّه إليها الجماعة في البلاد الإسلاميَّة لتحديد النَّسل ومنع ازدياد عدد السكان والشعوب فيها، لأن هذا ينافي دعوة الرسول عليه الصلاة والسلام إلى تكاثر المسلمين، هذا التكاثر الذي هو شوكة في عيون أعدائهم من الاستعماريين والصهاينة، فالإسلامُ يدعو المسلمين إلى القوَّة كي يكونوا أقوياء تجاه خصومهم، ولا شك أنَّ أول مرتكزات القوة: كثرة العدد، وثانيها: حسن الإعداد والتنظيم، فالوفرة البشريَّة هي المستند الأساسي للقوة الإعداديَّة، فقبول تحديد النسل مهما ألبس من أسماء تعويمية كتنظيم النسل وتنظيم الأسرة، ونحو ذلك هو قبول لهدم المرتكز الأول الأساسي لقوة الأمَّة الإسلاميَّة، ولنذكر أن المارد الصيني اليوم يرهب خصومه بضخامته بعد أن تفتَّحت عيناه أكثر مما يرهبهم باستعداده الذي يوجد من يتفوق عليه فيه.

وأمَّا خوف الدعاة إلى تحديد النَّسل لسكان الأرض من أن يزداد عدد سكانها إلى درجة لا تكفهم معها قدرة الأرض على إنتاج الأغذية، فهذا الخوف هو في الحقيقة خوف على نقصان رفاهية أولئك الاستعماريين أكثر من خوفهم على حياة شعوب الأمم الأخرى.

ولو أنَّ النفقات والجهود التي يبذلونها في إنتاج وسائل التدمير للعالم وجَّهوا بعضها لاستنباط الأغذية والحاجات في ظل السلام لكفى ما في الأرض أهلها أبداً

فقد قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19].

كل هذا بالنسبة إلى قبول الدعوة إلى تحديد النسل في الأمَّة بصورة جماعيَّة تدعمها تدابير حكوميَّة وخطَّه منظمة، فهذا أمر مرفوض من الوجهة الإسلاميَّة.

ولكن هذا لا ينافي جواز اتخاذ تدابير لمنع الحمْل في نطاق فردي بحسب ظروف الشخص العائليَّة الخاصَّة من الوجهة الصحيَّة أو الماليَّة أو سواها، كما لو كانت الزوجة مريضة يؤذيها الحمل، أو لترك فاصل كاف بين الحمل السابق واللاحق لعدم وجود المعين على تربية الأطفال، أو لظروف العمل أو السفر ونحو ذلك مما يُترك تقديره للأسرة نفسها بحسب ظروفها.

فهذه التدابير الفرديَّة الخاصَّة عند الحاجة لا مانع فيها من تدابير منع الحمل بصورة موقوتة استثنائيَّة لا تؤدِّي إلى التعقيم، بل تتصرف فيها الأسرة سلوكاً ورجوعاً بحسب ظروفها، والشرط أن تكون تدابير منع الحمل في الحالات والاوقات لا إجهاضاً وإسقاطاً للحمْل في إحدى مراحله، فإنَّ للإجهاض أحكاماً وتقديرات أخرى وشرائط أضيق لا تسوغه إلا في مراحله الأولى لغاية استنقاذية، وفي حكمه في المذاهب الفقهية تفصيل ليس هذا مجاله.

هذا وبالنسبة إلى موضوع تحديد النَّسل أو تنظيمه أرشد إلى كتاب الأستاذ العلامة المحقق أمير الجماعة الإسلامية في باكستان، الشيخ أبي الأعلى المودودي، فإن كتابه الذي عنوانه: "حركة تحديد النسل" قد بحث في هذا الموضوع من جميع جوانبه الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والخلقيَّة وغيرها ممَّا يمكن أن تخطر على بال الباحث أو القارئ، وأوفاه حقَّه من التعليل والتمحيص الإحصائي والاستقصائي بأسلوب علمي مجرَّد بعيد عن التعصب لفكرة مسبقة سلباً أو إيجاباً، فكان فيه مثال العالم المحقق المنصف المبصر، ولم يترك بعده زيادة لمستزيد. فمن أراد فهم هذا الموضوع إلى الأعماق ومعرفة حكم الشريعة الإسلاميَّة فيه من مختلف الأحوال والنواحي فعليه بهذا الكتاب القيم، كتاب الأستاذ المودودي، حفظه الله تعالى وأدام نفعه.

خبير الموسوعة الفقهية

مصطفى أحمد الزرقا

صححها وأعدها للنشر: مجد مكي

[1]) لا يوجد بهذا اللفظ، إنما روى بلفظ: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم" رواه أبو داود (2050)، والنسائي (3227)، كلاهما في النكاح، وأبو عوانة (4018)، وابن حبان في النكاح (4056)، وقال الأرناؤوط: إسناده قوي. عن معقل بن يسار.