الحلقة الثانية من الحوار مع المفكر الاسلامي الدكتور محمد فاروق النهان -

منار الإسلام:

القوميون العرب بدؤوا بطرح خطابهم منذ نهاية القرن (19) وانتهى القرن العشرون، أي إنهم أخذوا من الزمان قرناً كاملاً يجربون آلية فكرهم، فما حصيلة فكرهم هذا بموازنة الفكر الإسلامي المعاصر المستنير؟

د. النبهان:

الفكر القومي في تراجع كبير، وكانت له إيجابية واحدة هي أنه استطاع أن يوقظ الفكر الإسلامي، وأن يجعله في حالة تحدٍّ وصحوة، ولا نبرئ فكرنا الإسلامي من أخطاء وسلبيات قد وقع فيها، وكذلك الصحوة الإسلامية، ولكنها صحوة تعبّر عن ذاتية والتزام ولا بد أن تصبح ذات يوم رشيدة، وإن كانت ما تزال في طور الدفاع عن الذات.

منار الإسلام:

هل أفهم أن عربنا العلمانيين كانوا يسيرون في خطا العولمة، وإنْ لم تكن العولمة قد ظهرت كمصطلح اقتصادي وسياسي وفكري؟ وما موقفكم منها؟

د. النبهان:

العولمة والهوية.. العولمة ستؤكد التزام الأمم بهويتها وليس العكس، لأن الأمم عندما تشعر بخطر يهددها تتمسك بثوابتها دفاعاً عن ذاتيتها، فالعولمة اليوم في بُعدها الاقتصادي لا خطر فيها، وفي بعدها الفكري والثقافي هناك خطر لأنها تريد إلغاء الآخر، والآخر له قدرة أن يدافع عن ذاتيته ولو بأساليبه التقليدية، وأبسط وسائل هذا أن يغلق الأبواب على نفسه، وأن يحصّن نفسه بثوابته، ولهذا ما نراه اليوم من مظاهر التطرف الذي نرفضه لأنه دليل خلل، ولكن هو في حقيقته كالإنسان الذي يريد أن يحمي نفسه بطريقة خاطئة.

منار الإسلام:

إذن الخطاب القومي وبعد قرن كامل يبدأ بالذبول، والخطاب الإسلامي ينشط السؤال: كيف يمكن للخطاب الإسلامي اليوم أن يحتل مكانته المناسبة في الإعلام الإقليمي والدولي، لأن الفكر الإسلامي مازال يُخلي الساحة لغيره، أو ربما لا يستدعى عمداً لشغل هذه الساحة، فما رأيكم؟

د. النبهان:

أقول لا يزال الإعلام الإسلامي ضعيفاً، ومازال الفكر الإسلامي في طرحه اليومي في مرحلة البداية، مازال بسيطاً، ولا نشعر أن الفكر الإسلامي يقدم نفسه بطريقة سليمة.

منار الإسلام:

المقدّم الآن هو نثارات من الفقه والفتاوى.

د. النبهان:

ليس هذا إطلاقاً.. يجب أن نفكر بين الفقه والفكر وقضايا، إذ الأخير تجربة ورؤية إنسانية.. الفكر يتوالد، ويبتدئ بالتساؤل، وكل إنسان يعبّر عن تجربته وذاتيته، فهناك يتلاقى الفكر، وعندما ألغي ذاتي وأبحث عن فكر موروث ومنقول فهذا ليس فكري، مازلنا نخشى من الفكر، ومازلنا نخشى من المعاصر.

منار الإسلام:

أنتقل الآن إلى مفصل آخر: (منبر الجمعة)- حتى الآن هو غير محمّل هذا الخطاب الإسلامي، رغم أنه واجهة أساسية من واجهات الفكر الإسلامي، والإعلام الإسلامي، وهو أيضاً معلم من معالم الخطاب الإسلامي، يمثل النهوض والجمود معاً، فكيف يمكن تطويره، وتجديد الحياة فيه؟

د. النبهان:

أكبر منبر على مستوى الخطاب الإسلامي، وأهم منبر، هو منبر الجمعة، إذْ هو الذي يكوّن الرأي العام.
للأسف منبر الجمعة اليوم لا يؤدي هذا الدور، بل يؤدي دوراً وعظياً مكرراً بسيطاً.. هو قد يفيد بعض السلوك، وقد يغذي بعض القيم الروحية، ولكن في مجال الفكر مازال دوره محدوداً، ولا يضيف شيئاً، وربما العامة لا ينتظرون من منبر الجمعة هذا الدور.

منار الإسلام:

ولكن رواد منبر الجمعة ليسوا من العامة فقط.. فأنت الأكاديمي والمفكر لا تخطب الجمعة، ولكنك تستمع وتنصت، وتبحث عن الجديد في الخطبة أو لدى الخطيب فمعاناتك أمام منبر الجمعة وخطباء الجمعة، كيف تقرؤها لديك؟

د. النبهان:

لا أتوقع من خطيب الجمعة أن يأتي بشيء جديد في مجال الفكر.
منار الإسلام: لماذا؟

د. النبهان:

هكذا نتوقع من خطيب الجمعة، وقد أتوقع من منبر جامعي أن يسمعني شيئاً لأننا مازلنا حتى اليوم لم نُعطِ لهذا المنبر الدور الذي يستحقه في عملية التأصيل والتجديد.

منار الإسلام:

هل السبب هو قصور في إسناد هذه المهمة لغير فارسها؟ أم المطلوب دائماً تجميد هذه المنابر.

د. النبهان:

أعتقد أن الرجل المناسب للقيام بهذه المهمة حتى الآن غير مقتنع أن منبر الجمعة يمكن أن يمكّنه من أداء هذا الدور، ولا شكّ أن هناك وصاية على منابر الجمعة.

منار الإسلام:

ألست ترى معي إن الوصاية المفروضة على منبر الجمعة غالباً هي لمنع تسييسه، وخروجه عن رسالته التثقيفية والوعظية والدينية بشكل عام؟

د. النبهان:

أنا أقول إن كان خوفاً من التسييس فلا بأس من ذلك ولا نخشى من هذا، ومن حق السياسيين أن يخشوا من تسييس المنابر، ولكن ما أخشى منه أن يكون هناك خوف من التنوير، وهو الشيء الخطير جداً.
إن الفكر النامي في ظل التنوير لا يخيف، وإنما الذي يخفنا هو ذلك الفكر النابت في الظلام والتجهيل، ولذلك أقول التطرف وليد ذلك التجهيل، وفي ظل التنوير لا يكون التطرف ولا العنف.
منار الإسلام: إذن الدكتور النبهان يفصل بين تسييس المنابر، وترك الحرية الفكرية لها؟

د. النبهان:

أجل أنا مع الحرية الفكرية الملتزمة، وأثق بحكمة المفكر، ولست مع الفكر الذي يريد أن يهدم كل شيء، ولا مع ذاك الذي يريد زعزعة الاستقرار، وينشر الفوضى والتمرد.
منار الإسلام: إذن المفكر ليس محارباً!

د. النبهان:

أجل.. المفكر شخص يحمل مشعلاً ويضيء الطريق، ليهتدي الناس به، حتى في حالات الفوضى، المفكر هو من يوقف الفوضى، وفي حالات التطرف، الفكر هو الذي يواجه التطرف، وليس العكس، فالتطرف وليد الجهل ووليد الارتجال ووليد الانغلاق.

منار الإسلام:

وأنت المفكر والكاتب والأكاديمي، لو أسندت إليك خطبة الجمعة، فما تفعل؟ ما هو الفكر الذي تقدمه: أهو الفكر المنهجي القيادي، أم الفكر الاجتماعي المبنى على دراسة المجتمع الذي تخطب فيه؟

د. النبهان:

أولاً: سنحدد ما مهمة المنبر، ومَن المستمعون؟
منبر الجمعة يجب أن يكون لحظاً من خصوصية محددة، إذ سيسمعه المثقف والعامي وكل الشرائح الاجتماعية، فلو وجهنا الخطاب لفئة خاصة لظلمنا بقية الفئات والشرائح، ولذا لا بد من التبسيط في العطاء، خاصةً وإنّ أغلب الحضور من ذوي الثقافة المحدودة.

منار الإسلام:

خصوصية منبر الجمعة لا تمنع من تخصصه، بمعنى أن المجتمع الموزع على العديد من المساجد لا بد أن تحدث فيه عملية فرز وانتقاء، فالمثقف سيرتاد المنبر الذي يحرك له عقليته وثقافته، والعامي سيرتاد المنبر الآخر الذي يناسبه، والنخبة لها منبرها، وهكذا سيتوزع أغلبية الناس وينحازون، ولذلك لا بد أن يكون للمفكر الأكاديمي الخطيب جمهوره، وللخطباء الآخرين جمهورهم. فهل في هذه الحالة يتقارب منبر الجامعة مع منبر الجمعة أو يتشابهان؟

د. النبهان:

طبيعة منبر الجمعة تختلف عن منبر الجامعة، ومن ينجح في منبر الجمعة لا يعني أنه ينجح في المنبر الجامعي، والعكس صحيح، بل أقول هناك تعارض تام، منهاجان مختلفان، فمنبر الجمعة له مكوناته، والمنبر الجامعي له خصائصه. مثلاً: المنبر الجامعي لا يحتمل الانفعال مطلقاً، ومنبر الجمعة لا بد له من العمق ومنبر الجمعة لا بد له من التبسيط، المنبر الجامعي يقف مع الحدث لتحليله، ومنبر الجمعة لا يطرح إلا القضايا التي لا تحتاج إلى التحليل المعمق.

منار الإسلام:

لكن المسلمين اليوم يشكون من ضآلة المادة المطروحة من على المنبر الجمعة!

د. النبهان:

هذا صحيح.. هناك جوانب لا بد فيها من العمق أكثر وبالتدريج، ويجب أن يتصدى منبر الجمعة لمثل هذا، ولذا يجب أن نكوّن خطيب الجمعة تكويناً فكرياً وعلمياً ملائماً.
منبر الجمعة أخطر من المنبر الفكري وأكثر التصاقاً بالناس، وهو يمارس قيادة حقيقية للجماهير، وتكوين الرأي العام، بل أخطر حتى من الصحافة الحية، لأن الخطيب كل الناس يتابعونه، وهو يصل إليهم مباشرةً، فمنبر الجمعة هو الذي يكوّن الرأي العام، ولا بد فيه من قدرات خاصة للتوصيل، وأن يحدث الأثر المطلوب، ومنبر الجمعة الناجح هو الذي يصل إلى الناس ويحدث التحوُّل في حياتهم، لا أقول تكريس الواقع بل تكريس الثوابت المقبولة، ومحاربة الجوانب السلبية.
منبر الجمعة هو منبر التقويم السلوكي الاجتماعي، والمنبر الجامعي ليس له كذلك، إنه لا يرتبط بالجماهير، إنه يطرح القضايا الفكرية الحيادية، ويقدم المادة العلمية ولا يهمه أن يقتنع الناس بها أو لم يقتنعوا.. المفكر قد يكون منعزلاً في بعض الأحيان، قد لا يرغب في مخاطبة الجماهير، وأقول هنا ليس كل مفكر كذلك، وخطيب الجمعة لا يشترط أن يكون مفكراً، بل الشرط أن يكون مثقفاً لأنه أداة نقل الفكر للجماهير، وقدرته أن يأخذ الفكر النظيف القادر على التقويم ويوصله إلى المواطن العادي ويقنعه به، إنه أداة الإقناع، بينما المفكر هو منتج الفكر ومعطيه وقد لا تكون له القدرة على التوصيل كالخطيب.

منار الإسلام:

أخيراً.. هناك من يفرط بالتفاؤل بأن القرن القادم هو قرن الإسلام والعالم الإسلامي، فهل أنتم مع هذه الرؤية؟

د. النبهان:

إنني لا أقول بذلك، ولا أستطيع القول بأنَّ الإسلام سيحكم، ولكنه في العالم الإسلامي سيبقى متماسكاً، المطلوب أن يسهم في قيادة البشرية على الأقل؟ لا أجد بوادر مشجعة على المدى القصير، سيكون الإسلام في موقع المقاومة والمدافعة أمام قوى المغالبة العالمية، وعلينا أن نصمد في وجه التحديات، وهذا انتصار وتفاؤل، وإن استطعنا أن نصمد فسننتصر، ولكن لن نحقق مشاركة في صنع الحضارة المعاصرة، نحن بعيدون جداً عن المقدمة فكرياً وتكنولوجياً بوسائلنا الحالية، ولكن لن تتمكن الحضارة المعاصرة من إلغاء الهوية الإسلامية.

منار الإسلام:

أخيراً.. أشكرك دكتور على هذه النظرة الواقعية الصريحة، إنك لا تجنح إلى التفاؤل الجامح، ولكنك تتأمل وتحلل وتحرص على فتح الأنفاق المسدودة والآفاق الغائمة..

د. النبهان:

أنا أشكركم، وأشكر مجلة "منار الإسلام" الرصينة الهادفة، وأرجو حقاً أن تبقى منابر للفكر الإسلامي والرؤى الإسلامية الصحيحة.
والله الموفّق..