الحجاب فرض عين على المسلمة

أتاني نبأ المتكئ على أريكة هوى الحداثة وهوس التجديد، يزعم أنه تؤرقه هموم الإنسانية، ويقلقه (الرهق في الحجاب الذي تواجهه الملايين من نساء المسلمين)، فقام متفكهاً بالهوى ومتحلياً بسيئ الرغبة ليلقي على أسماعنا أن الحجاب ( ليس ركناً في الدين، والأمر به أمر استحباب، ولا يعتبر تركه من الكبائر)، وينقل عن الفقهاء أنهم  (اتفقوا أنه- أي الحجاب- ليس من أركان الإسلام والخمسة ولا هو من أركان الإيمان الستة)، وذكر أيضاً أنه ( اتفق الفقهاء الذين قاموا بإحصاء الكبائر أن ترك الحجاب ليس منها)

وللجمال عنده نور فائق الشعاع، يعمي البصر ويضل الفؤاد، حيث يرى أن (الحجاب من آداب الإسلام الجميلة تختاره المرأة حيث تشاء)، كما وسبق أن أتحفنا بأن (الأحاديث الجميلة لا تحتاج إلى إسناد).

بالكلمات التي أثبتُّها بين قوسين يقدِّم هذا المدعي حكم الحجاب لفتيات الإسلام، يوهم القارئ أنه من دين الله يمتح، ومن نبع الشرع يغرف، مع أن كلامه لا يستند إلى منهج يضبطه، بل هو مرسل بلا زمام ولاخطام.

إن المنهج العلمي هو الحاكم في تقييم الأفكار، وسهل على كل من يعرف كيف يفتح فاه وينطق بحروف يركب منها كلمات أن يتكلم بما شاء وكيف شاء، لكن لا يقبل من كلامه إلا ما وافق المنهج العلمي.

والحال أنه ضحى بالمنهج العلمي على مذبح الهوى ونُصُب الأنسنة والرحمة -كما يزعم -

وقبل الرد العلمي على كلامه، أبين فيما يلي حكم الحجاب بناء على الكتاب والسنة.

فقد اتفق فقهاء الأمة قاطبة على أن الحجاب للمرأة بمعنى تغطية الرأس والجسد بلباس ساتر فرض عين وواجب على كل امرأة مسلمة مكلفة، ووقع الخلاف في الوجه والكفين فقط هل تجب تغطيتهما أو لا؟

واتفاقهم هذا مبني على منهج النظر في النصوص كافة، لا الاجتزاء منها، ومعتمد على منهج فهم دلالات الألفاظ وفق معهود العرب في كلامها زمن الوحي، إذ هم من خاطبهم الوحي ابتداء.

وكان دليلهم هو الأمر والطلب في آيتين كريمتين:

أـ قوله تبارك وتعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ...} النور : 31، فالفعل المضارع المقترن بلام الأمر دال على الأمر، والإتيان بالفعل، والمراد بالخمار ما يغطي الرأس، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَقْبَلُ اللهُ صَلاَةَ حَائِضٍ إِلاَّ بِخِمَارٍ» رواه الخمسة إلا النسائي.

 وأما المراد بالجيب فهو أعلى فتحة الصدر،  ويكون المعنى المستفاد من الآية : الأمر بإدارة الخمار حول الحنك لتغطية الجيب، وعدم الاكتفاء بتغطية الرأس فقط.

 ب ـ قوله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} الأحزاب: 59.   

والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم أن يبلغ الأمر للنساء، هو أمر من الله تبارك وتعالى، والجلباب أي اللباس الساتر للجسد، فيتكون من مجموع الآيتين: الأمر بتغطية الرأس والجسد كاملاً.

وأما دليل أن الأمر بضرب الخمار وإدناء الجلباب للوجوب فهو ما تعرفه العرب من معهود كلامها أن الأمر المطلق يفيد الوجوب إلا أن توجد القرائن الصارفة التي تنزل بالأمر عن الوجوب إلى غيره.

وقد وردت قرائن دالة على أن الأمر بالحجاب للوجوب، من هذه القرائن :

1-  ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : لما نزلت هذه الآية { وليضربن بخمرهن على جيوبهن } أخذن أُزُرَهن (نوع من الثياب) فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها، رواه البخاري

2- ما رواه أبو داود عن عائشة رضي الله عنها قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله  وليضربن بخمرهن على جيوبهن  شققن أكثف مروطهن (نوع من الثياب) فاختمرن بها .

فالحديثان فيهما قرينة على أن الصحابيات - وهن من أهل اللسان وقت نزول الوحي- فهمن الوجوب ولذلك بادرن إلى الامتثال، ولو كان الأمر للاستحباب لما كانت المسارعة إلى التنفيذ، ولكانت استجابت بعضهن دون البعض.

 وهذا سنن الصحابة ودأبهم في الأوامر كلها، إذ لما نزل الأمر باجتناب الخمر سارعوا إلى إراقة الخمر في سكك المدينة، فمبادرتهم إلى الفعل بعد الأمر علامة على فهمهم الوجوب، ولو كان الأمر ليس للوجوب لما سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان الحكم، إذ البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة، فتحصَّل أن المبادرة وعدم التواني في التنفيذ مع سكوت النبي صلى الله عليه وسلم  أمارة الوجوب ، وهذا ما حصل بعد نزول الأمر بالخمار والجلباب.

وهو تمسك بالأصل، وعلى مدعي غير الأصل من الاستحباب إحضار الدليل.

3- قول النبي صلى الله عليه وسلم: «يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا»، وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. رواه أبو داود.

وهذا الحديث يفيد أن الواجب ستر ما عدا الوجه والكفين، وقد وقع الخلاف في الوجه والكفين بناء على أدلة أخرى، وهو خلاف ذائع شائع.

والحديث مع كونه قد تكلم في سنده إلا أنه صالح للاحتجاج في مجال الفقهيات .

4- جاءت أميمة بنت رقيقة إلى رسول الله ﷺ تبايعه على الإسلام، فقال النبي : «أُبايعك على أن لا تُشركي بالله ، ولا تسرقي ، ولا تزني ، ولا تقتلي وَلَدَكِ ، ولا تأتي ببهتان تفترينه بين يديك ورجليك ، ولا تَنُوحي ولا تتبرجي تبرج الجاهلية الأولى».

وجه الدلالة من الحديث: أنه من المعروف أن المرأة في الجاهلية تغطي شعرها إلا أنها تظهر جيدها ونحرها وأقراطها، وهو موضع الجيب منها، فأمرت المرأة المسلمة أن تكون في حجابها على النقيض من وضع الجاهلية، فيكون الأمر بتغطية الجيب مع الرأس، وإدناء الجلباب هو الحالة المخالفة لتبرج الجاهلية الأولى.

هذا الموقف من الحجاب الذي أتت به النصوص، وقد ادعى المتكئ على أريكته خلافه مما دعا إلى نقد قوله وبيان قيمته في ضوء النصوص.

أولاً :  ادعى أن الأمر بالحجاب للاستحباب، وضرب مثلاً بأن قول الله تبارك وتعالى فيها {فاكتبوه} في حق الدين حمُل على الاستحباب، كما أن قوله تبارك وتعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } حُمل على الإباحة، وأنه أمر بقتل الوزغ والحية، مع أن من يترك قتلها ليس آثماً. وأن القرآن كذلك أمر بهجر النساء وضربهن {واضربوهن}، ومن يترك ضرب النساء ليس آثماً

ووصل من خلال ما ذكره من أمثله إلى أن الأمر بالحجاب على الاستحباب.

وهذا من الكذب في دين الله، ومخادعة عوام الناس مما لا علم عنده بمنهج فهم دلالات الأمر.

فكل دارس للغة العربية يعلم أن الأمر يخرج عن طلب الفعل الجازم وجوباً إلى غيره لوجود قرائن صارفة، فقد يرد الأمر ويراد منه الدعاء إذا كان الأمر تضرعا من الأدنى إلى الأعلى، قال تعالى: {ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا}، وقد يراد منه الالتماس: إذا كان الأمر من ندّ إلى ندّ، كما قال الشاعر: قِفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل ...أو النصح والإرشاد، أو التمني، أو التعجيز، أو التهديد، أو الإباحة ... إلى آخر ما ذكره علماء البلاغة وفهم اللسان العربي.

فقوله تعالى : { إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه } قد  صرف الأمر فيها إلى الإرشاد لقرائن منها ما ورد بعد آية الدين نفسها، قال ربنا تبارك وتعالى : { فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} البقرة: من الآية283، حيث اقترن الأمر بالكتابة بجواز عدم كتابتها عند الأمن، فدل على أنه أمر إرشاد، علماً أن الطبري ذهب إلى وجوب كتابة الدين عملاً بقاعدة الأمر للوجوب، ومن القرائن أن النبي صلى الله عليه وسلم استدان وداين ولم يكتب، وكان هو حال الناس خلفاً عن سلف.

وأما قول ربنا تبارك وتعالى : { وإذا حللتم فاصطادوا } فهو أمر بالصيد بعد النهي عنه، وهي القرينة التي صرفت الأمر بالصيد عن الوجوب.

فقد أمر ربنا بالصيد بعد نهي المحرم عنه، فيدل هذا على الإباحة، أو على عودة الأمر إلى حاله التي كان عليها قبل النهي، والصيد قبل النهي عنه كان مباحاً، فانصرف الأمر بالصيد إلى الإباحة دون الوجوب .

وأما الأمر بقتل الوزغ والحية، والأمر بهجر النساء وضربهن، فهو من قبيل الإرشاد، لا الوجوب ولا الاستحباب.

فكيف يقاس الأمر بالحجاب على هذه الأوامر، مع كون الأمر بالحجاب جاءت القرائن بوجوبه، إلا أن يكون صاحب القول قد أغلق عينيه عن حقيقة تلك الأمثلة ليدلس على القارئين، ويظهر أنه العالم الواعي لنصوص الشرع.

ثانياً:  قوله إن الحجاب اتفق الفقهاء على أنه  (ليس من أركان الإسلام والخمسة ولا هو من أركان الإيمان الستة) لذلك هو ليس بواجب.

فهذا من عجيب الاستدلال، ومن غبي الاحتجاج ، ولا أعرف كيف استجاز لنفسه أن يكتب هذا الدليل إلا أن يكون قد ضربه هوى نفسٍ أعماه.

إن تحريم الزنا والربا والسرقة والظلم والكذب والغش والتدليس، ووجوب الصدقة والبر وصلة الرحم والعدل والإنصاف ليست من أركان الإسلام الخمسة، ولا من أركان الإيمان الستة، لكنها أفعال واجبة الترك أو واجبة الفعل، ولا يقول مسلم بأنها مستحبة الترك أو الفعل.

ولا يقول مسلم إن اتفاق الفقهاء على عدم إدراجها في أركان الإسلام وأركان الإيمان يجعلها آداباً إن شاء المكلف فعلها وإن شاء تركها، بل هي واجبة وإن لم تكن أركاناً.

ثالثاً: يقول: ( اتفق الفقهاء الذين قاموا بإحصاء الكبائر أن ترك الحجاب ليس منها) فهذا يدل على أن الحجاب مستحب.

وهذا تلبيس على الناس يظهر في أمرين:

الأمر الأول: أنه يربط بين وجوب الفعل، وبين كون تركه كبيرة، فيرى أن علامة عدم وجوب الحجاب أن تركه ليس كبيرة.

وهذه مغالطة، إذ إن كثيراً من الواجبات تركها محرم ولا يسمى كبيرة، فالنفقة واجبة وتركها ليس كبيرة، والمهر واجب وعدم أدائه ليس كبيرة، ورد السلام واجب وتركه ليس كبيرة، وتسليم المبيع للمشتري واجب وتركه ليس كبيرة... والأمثلة كثيرة.

فالوجوب يقابله الحرمة، والترك قد يكون كبيرة وقد يكون صغيرة، وهذا ما أخفاه صاحب الاستدلال العلمي.

الأمر الثاني:  أنه يحتج بما ليس حجة، فلا دليل في أن المؤلفين في الكبائر لم يذكروا ترك الحجاب ضمنه على أن الحجاب مستحب، أو أدب جميل.

إن التقسيم إلى كبيرة وصغيرة لا أثر له في الحكم التكليفي للفعل، وإنما ينحصر أثره في مغفرة الذنوب، وطريقة علاجها بعد الوقوع فيها، فالصغيرة تكفرها الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان بشرط اجتناب الكبائر، وأما الكبائر فكفارتها التوبة.

هذه ثمرة تقسيم مخالفة أمر الله إلى كبائر وصغائر، وليس منها أن كون الفعل ليس كبيرة يستلزم أنه من المستحبات.

ثالثاً: يدعي أن ( أمر الوجوب والفرض يقترن عادة بالحدود والعقاب أو بالغضب الإلهي والوعيد بالعذاب، وهذا هو شأن الأمر بالوجوب في ترك القتل والخمر والسرقة، وليس في الأمر بالحجاب شيء من ذلك)

وهذا الكلام لاحظَّ له من الصواب.

إن فريضة الحج وهي ركن من أركان الإسلام، لم يرد على تركها عقوبة، ولم يفهم أحد من المسلمين أن الحج مستحب وغير واجب.

وقد ورد الوعيد على ترك الحجاب بمعنى ترك الستر المأمور، فقد قال صلى الله عليه وسلم : «صنفان من أهل النار لم أرهما، نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البُختِ المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها». رواه أحمد وغيره من حديث أبي هريرة.

أخيراً: العلم منهج، أما استحسان العقل لرأي دون عرضه على منهج صناعة ذلك الرأي فهو من اختلال العقل.

إن العقل السليم يلتزم بالمنهج، ويراعيه، ليضمن لنفسه عدم الوقوع في براثن الهوى، ومهاوي المغالطات، وحفر الذاتية، أما الاجتزاء من النصوص، وإخفاء حقيقة منهج فهم الأوامر والنواهي، فما أرى صاحبه إلا يصح فيه القول: رجل تعلم عند نبي وعمل عند شيطان؛ شيطان يلبس لبوس الإنسانية والشفقة والرحمة، ويجعله يذيل كلامه بعبارة (نرجو من الله السداد).

ولا حول ولا قوة إلا بالله