التربية على الحرّيّة الفكريّة، واحترام اختيار الفرد ما دام ذلك في الحدود الشرعيّة المعتبرة

أساليب تربوية ومفاهيم دعوية من حياة الشيخ أحمد عز الدين البيانوني رحمه الله تعالى

إنّ كثيراً من المناهج التربويّة أو الدعويّة، الموروثة منها أو المعاصرة، تمارس نوعاً من مصادرة الرأي، وإلغاء الحريّة الفكريّة بصورة جليّة أو خفيّة، وتجعل ذلك قربة إلى الله وديناً، وتقدّم عليه الحجج والبراهين، فيكون من آثار تلك المناهج: القوقعة والانغلاق، والتعصّب وضيق النظر، وسطحيّة الفكر وسوء الفهم، أو قد تقود الفرد إذا كتب عليه الانفتاح على الحياة، والتعرّف الواسع على الآخرين: أن يرتدّ على عقبيه، فينفلت من جميع الضوابط، ويخرج عن كلّ القيود.. وكلّنا يعلم من نماذج ذلك ما لا يحتاج معه إلى مزيد بيان..

وإنّ الصورة المرتسمة في أذهان أكثر الناس عن كثير من الملتزمين هي صورة الشدّة والإكراه، وفرض الرأي وتحطيم الإرادة، وعدم احترام الرأي الآخر، حتّى إنّ تلك الصورة تتبادر إلى أذهان الناس كلّما رُؤي أحد من الملتزمين، أو ذكر لهم.. ولاشكّ أن يد الكيد والتشويه، والمبالغة والتزيّد، قد فعلت فعلها في رسم هذه الصورة السيّئة، ولكنّها لم تأت من فراغ، ولم تكن بحذافيرها نسج الخيال المغرض.. وإنّما عليها أدلّة، ويسندها شيء من الواقع الذي يعرفه أكثر الناس ويعايشونه، وسبب ذلك فيما أرى نقص المعرفة الصحيحة بدين الله تعالى، مع الحماسة الشديدة لبلوغ الأهداف الأثيرة بأقرب وقت، دون النظر للعواقب، والتقدير الصحيح للتدرّج في الأمور، وإتيانها من أبوابها..

إنّه باختصار ضعف النضج التربويّ والدعويّ، الذي نعاني منه على أصعدة عديدة، يدفع الإنسان في مثل هذه الأحوال أن يكون غيوراً على دين الله ـ ولو دون أن يدّعي ذلك بلسانه ـ أكثر ممّا أمر الله أو أوجب.. إنّه يكون كما يقول المثل: " ملكيّاً أكثر من الملك "..

ومع ما في هذا المنهج من الخطورة البالغة على قيم الدين وحقائقه، وتشويهٍ لجمال أحكامه وسموّ مبادئه، فإنّه يؤدّي بصاحبه إلى عكس ما يتوخّى ويريد، وتكون ثمرة أعماله أشبه بما يريده عدوّه ويسعى إليه.. وقديماً قال الحكماء في أمثال هؤلاء: " عدوّ عاقل خير من صديق جاهل " و " يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدوّ بعدوّه "..

وقلّ من الناس الذين يعرفون الشيخ يعرفون عنه هذه المأثرة التربويّة والدعويّة، فقد كان الذين يسمعون عن منهجه في الأخذ بالعزائم، والحرص على الكمالات والفضائل، وما يدعو إليه من الورع والتقوى.. يحسبون أنّ من لوازم هذا المنهج ألاّ يعترف صاحبه برأيٍ آخر، وألاّ يقيم وزناً أو اعتباراً لغير رأيه، ومن ثمّ فلابدّ له في منهجه التربويّ أن يفرض رأيه، ولا يسمح للناشئ من أبنائه أو إخوانه بشيء من الحريّة الفكريّة، التي يتبعها من المواقف ما يناسبها.. ولكنّ الشيخ الذي كان مربّياً قديراً، قبل أن يكون داعيةً مؤثّراً كان يعلم في بدهيّات تفكيره ومنهجه أنّ الحرّيّة الفكريّة للناشئ بضوابطها وحدودها هي السبيل لما يرجى له من تفتّح المواهب، وتحمّل المسئوليّة، وظهور الإبداع..

فالحريّة الفكريّة ساحة رحبة معطاءة، ذات آفاق بعيدة المدى، لا تتعارض مع التزام الفتى بحدود المنهج وضوابطه، فممّ الخوف إذن.؟ ما دام المربّي يقوم بمسئوليّته من الرعاية دون غفلة أو تفريط..

كما أنّ مصادرة الحرّيّة الفكريّة أو شلّها وتعطيلها هو في الحقيقة تحطيم لشخصيّة الناشئ، وإضعاف لها، فينشأ ضعيف الثقة بنفسه، شديد التواكل على والديه أو من حوله، ولو كان أدنى منه سنّاً، أو أقلّ معرفة بالحياة وخبرة..

وتأسيساً على هذا المبدأ في أسلوب الشيخ ومواقفه، فقد اختار بعض أبنائه الالتزام بدعوات كان يرى عليها بعض الملاحظات، كما يرى على القائمين عليها ملاحظات أكثر وأكبر، فما كان منه إلاّ أن وضّح لولده وجهة نظره، وحذّره من الخروج عن المنهج الذي ربّاه عليه، ثمّ ترك له حرّيّة الاختيار، واحترم اختياره، مع شدّة التزامه بمنهجه واعتزازه به..

وكان يرى من بعض أبنائه سلوكاً يغاير ما ارتضاه لنفسه، واقتنع به، ويعلم أنّهم يخالفونه الرأي في بعض المسائل الجزئيّة، فيقرّهم عليه، ويسكت عنه، مع شدّته المعهودة عنه في المخالفات على أهله وأولاده..

وكان من أسلوبه في ذلك أيضاً: أن يطلب رأي إخوانه، فيما يجدّ من الأمور التي يسأل عنها، وهم في الحقيقة تلامذته، وفي سنّ أولاده، تدريباً لهم على تحمّل المسئوليّة، والاجتهاد في إعمال فكرهم، وإبداء رأيهم، فربّما كان في رأي الصغير ما لا ينتبه إليه الكبير، وربّما خُصّ الصغير بمزيد فهم، أو دقّة نظر غاب عن الكبير، أو غفل عنه، وذلك الفضل من الله يؤتيه من يشاء، ألم يقل الله تعالى عن داود وسليمان عليهما السلام: { فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ، وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً.. (79) } الأنبياء.