الإحرام... وبداية النسك
الشيخ عبد الله نجيب سالم
 
الإحرام عبادة
 
شبه بعض العلماء الإحرام في الحج بالتكبير في أول الصلاة، إذ فيه وبه تبدأ العبادة، كذلك الإحرام فيه تصوير الإخلاص والتعظيم وضبط عزيمة الحج  بفعل ظاهر، إضافة إلى جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة وأنواع التجمل، كما أن فيه تحقيق معاناة التعب والتشعث والتغير لله.
فالإحرام إذن ينبه شعور الحاج وانتباهه، ويكون حارساً له عن الغفلة والذهول عن نسكه، ويذكره بأنه مقبل على أمر عظيم، وأنه قاصد للحضرة الملوكية والسدة الربانية، وأنه بالإحرام قد تجرد من كل المظاهر الجوفاء والشعارات الزائفة والأبهة المصطنعة.
المواقيت... زماني ومكاني
وللإحرام بالحج علاقة وطيدة بالمواقيت بنوعيها الزماني والمكاني، فلا يجب إحرام إلا فيها.
والأصل في المواقيت المكانية أن الإنسان لما كان لا يدخل في الحج أو العمرة إلا محرماً بلباس خاص كان في تكليفه بالإحرام من بلده حرج ظاهر ومشقة واضحة، إذ من الحجاج  من يأتي من بعيد، على مسيرة شهر أو شهرين - بحسب وسائل النقل القديمة - فلهذا خفف الله سبحانه عنا ذلك بتخصيص أماكن معلومة حول مكة، يحرم منها الحجاج ولا يؤخرون الإحرام بعدها.
وهذه المواضع مشهورة ظاهرة لا تخفى على أحد، وعليها مرور أهل الآفاق من كل حدب وصوب... وقد كان لأهل المدينة أبعد المواقيت، وذلك لأنها مهبط الوحي ومأرز الإيمان ودار الهجرة، وأول قرية آمنت بالله ورسوله، فأهلها أحق بأن يبالغوا في إعلاء كلمة الله، وأن يخصوا بمزيد من طاعته...
وميقات الإحرام الزماني للحج يبدأ من أول شهر شوال إلى طلوع فجر يوم النحر، وهو اليوم العاشر من ذي الحجة من العام نفسه، فلو أحرم المسلم بالحج  قبل هذا الوقت أو بعده فإن حجه غير صحيح، ولكن يصبح عمرة، لأن السنة كلها صالحة للإحرام بالعمرة.. فليس لها ميقات زماني محدد. قال الله تعالى: (الحج أشهر معلومات)(1)
وأما الميقات المكاني الخاص للإحرام، والذي لا يجاوزه الحاج دون ارتداء لباس الإحرام، فإنه يختلف باختلاف الجهات والأقاليم، فأهل مصر والشام والمغرب كله ميقاتهم الجحفة (رابغ)، وميقات أهل المدينة ذو الحليفة (أبيار علي)، وميقات أهل العراق (ذات عرق) وهو في الشمال الشرقي من مكة، وميقات أهل الكويت ونجد (قرن المنازل) وهو قريب من المكان المسمى الآن (السيل)، وميقات أهل اليمن والهند (يَلَمْلَم) وهو جبل جنوبي مكة.
هذه المواقيت حددها النبي  (1) لأهل البلاد المذكورة، ولمن مر عليها من غيرهم ممن يريد الحج والعمرة، ويحرم على المسلم أن يجاوز هذه المواقيت بدون إحرام سواء مر بها براً أو جواً... وإذن فعلى الذين تمر طائراتهم في طريقهم إلى جدة بأحد المواقيت أن يحرموا إما في المطار قبل الإقلاع، أو داخل الطائرة قبل الوصول إلى الميقات.
وننبه هنا إلى أن تحديد هذه المواقيت المكانية لأهل تلك البلدان، كان بحسب مرور طرقهم البرية إلى مكة قديماً بها، وإلا فلو مر شامي مثلاً بميقات أهل نجد، أو مصري بميقات أهل العراق، قاصداً مكة، وجب عليه أن يحرم من الميقات الذي مر عليه، لأنه أصبح من أهله حكماً.
آداب الإحرام
وفي الميقات الزماني والميقات المكاني يتم الإحرام بلبس ثوبين غير مخيطين: ثوب يأتزر به الحاج لنصفه الأسفل، وثوب يرتديه فوق نصفه الأعلى، وذلك بعد أن يخلع ثيابه المعتادة.
والواجب من هذين الثوبين إنما هو الثوب الذي يستر عورة الحاج منهما والثاني مستحب.
وقد ذكر العلماء الأفاضل خمسة آداب للإحرام هي:
الأول: أن يغتسل، وينوي به غسل الإحرام، ويتمم غسله بالتنظيف، ويسرح لحيته ورأسه، ويقلم أظفاره، ويقص شاربه، وذلك قبل الإحرام استعداداً له.
الثاني: أن يكون ثوب إحرامه أبيضاً، فالأبيض من أحب الثياب إلى الله عز وجل، وأن يتطيب في ثيابه وبدنه، ولا بأس بطيب يبقى جرمه (شكله) أو أثره (رائحته) أو لونه بعد الإحرام، فقد رؤي بعض المسك على مفرق رسول الله  بعد الإحرام.(1)
الثالث: أن يصبر بعد لبس الإحرام حتى تنبعث به راحلته إن كان راكباً، أو تتحرك به سيارته، فعند ذلك ينوي الإحرام بالعمرة أو الحج قراناً أو إفراداً أو تمتعاً، وسيأتي بيان القران والإفراد والتمتع.
ويكفي مجرد النية بالقلب لانعقاد الإحرام، ولكن السنة أن يتلفظ نطقاً باللسان بالنية، وأن يقرن بالنية لفظ التلبية فيقول:
- لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.
وإذا زاد فقال: لبيك وسعديك، و الخير كله في يديك، والرغباء إليك، لبيك بحجة أو بعمرة متمتعاً بها إلى الحج، لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد... إن زاد ذلك أو مثله فهو حسن،  و لا بأس به!..
الرابع: إذا انعقد إحرامه بالتلبية المذكورة فيستحب له أن يدعو مثل قوله:
- اللهم إني أريد الحج  فيسره لي،  وأعنيّ على أداء فرضه وتقبله مني، اللهم اجعلني من الذين استجابوا لك، وآمنوا بوعدك، واتبعوا أمرك، واجعلني من وفدك الذين رضيت عنهم وارتضيت، وقبلت منهم، اللهم قد أحرم لك لحمي وشعري ودمي وعصبي ومخي وعظامي، وامتنعت عما حرمت علي بإحرامي ابتغاء وجهك والدار الآخرة.
الخامس: أن يجدد التلبية في دوام الإحرام، خصوصاً عند لقاء الركبان واجتماع الناس، وكل صعود وهبوط، وركوب ونزول، رافعاً صوته من غير حرج، لقوله عليه الصلاة والسلام:
"جاءني جبريل فقال: مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنها من  شعائر الحج"(1).
 
محرمات الإحرام
هذا ويحرم ـ تعظيماً لشأن الحج، وتعبداً لله، واتباعاً  لسنة نبيه   - على المحرم ما دام في إحرامه ستة أشياء:
الأول: لبس القميص (الدشداشة) والسراويل (البنطلون) والخف (الحذاء)  والعمامة والطاقية والمَقْنَعة (الغترة) والبدلات الداخلية، ولا بأس بلبس الحزام الذي توضع فيه النقود، وكذا الخاتم والساعة، واستعمال الدبوس لشد الإزار.
ولا بأس أيضاً بالاستظلال بشجر أو بيت أو مظلة دون أن يغطي رأسه مباشرة.
وإحرام المرأة يكون بكشف وجهها فقط، ولا حرج عليها في شيء غيره، فلها أن تلبس ما تشاء من الثياب أو الأحذية أو غير ذلك، وكشف الوجه بالنسبة للمرأة المحرمة واجب ولو كانت منقبة أو ممن تستر وجهها في الأحوال العادية ... ولها إذا خافت من نظرات بعض الرجال إليها فتنة أن تسدل على وجهها مؤقتاً حتى يفوتوا ثم ترفع عن وجهها.
الثاني: يحرم على المحرم طيلة مدة الإحرام استعمال الطيب، سواء كان سائلاً أو جافاً، أما الصابون العادي فجائز، ومثله معجون الأسنان.. وأما الصابون المطيب وسائر أنواع الطيب، ما كان ذا ريح أو لون، للرجل أو المرأة، فحرام.
الثالث: يحرم على المُحرِم حلق الشعر وقصه، رجلاً  كان أو امرأة، وكذا يحرم قلم الأظافر، ولا بأس بالكحل للتداوي، ولا بالاغتسال، ولا ترجيل الشعر، ولا التبرع بالدم، ولا تبديل ملابس الإحرام إذا اتسخت، فكل ذلك جائز مباح.
الرابع: يحرم على المُحرم جماع زوجته... وهو من أكبر مفسدات الحج، ومن أسباب التشديد في العقوبة على فاعله...
أما الزنا في الحج فذلك لعمري أكبر الكبائر وأعظم الفجور، ولا يمكن تصوره من مؤمن، فضلاً عن حاج.
الخامس: يحرم على المُحْرِم مقدمات الجماع، كالقبلة والملامسة بشهوة والاستمناء، ويحرم عليه عقد النكاح لنفسه أو لغيره.
السادس: يحرم على المحرم أيضاً  قتل صيد البر، أما الحيوان المؤذي كالعقرب والحية والكلب العقور فلا بأس بقتله.
وهناك تفصيلات لمحرمات الإحرام تعرف عن طريق سؤال العلماء، أو الاطلاع عل كتب الفقه لمن هو أهل ذلك.
وإذا كانت هذه هي المحرمات جملة على المحرم، فإن ما سواها من أمور الحياة ـ طعاماً وشراباً، ونوماً وسهراً، وتجارة وتسوقاً، ومشاركة في المجالس واستخداماً لجميع وسائل المعيشة ـ جائز ولا  حرج فيه، ما لم يكن مشغلاً عن الله، صارفاً عن النسك، فيكره لذلك.
البداية... تلبية
هذا وعلى الحاج أن يعلم أن معنى التلبية والإحرام: إجابة نداء الله عز وجل، فليرج القبول والرضى من الله،  وليحذر أن يقال له: لا لبيك ولا سعديك... فكم من حاج ترد عليه تلبيته، ويعرض عنه ربه، ويضيع جهده سدى.
قال سفيان بن عيينة: حج علي بن الحسين رضي الله عنهما، فلما أحرم واستوت به راحلته اصفر لونه، وانتفض، ووقعت  عليه الرعدة، ولم يستطع أن يلبي، فقيل له:
- لم لا تلبي ؟؟ فقال:
- أخشى أن يقال لي: لا لبيك ولا سعديك.
ومثله روي عن أبي سليمان الداراني حينما أحرم التفت إلى أحمد بن أبي الحواري فقال له:
ـ ويحك يا أحمد بلغني أن من حج من غير حله، ثم لبى، قال الله عز وجل: لا لبيك ولا سعديك حتى ترد ما في يديك، فما نأمن أن يقال لنا ذلك.
ويقول أبو حامد الغزالي في إحياء علوم الدين:
ـ وليتذكر الملبي عند رفع الصوت بالتلبية في الميقات إجابته لنداء الله عز وجل إذ قال: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ)(1) ولْيتذكر نداء الخلق بنفخ الصور، وحشرهم من القبور، وازدحامهم في عرصات القيامة، مجيبين لنداء الله سبحانه،  ومنقسمين إلى مقربين وممقوتين، ومقبولين ومردودين...
اللهم لا تحرمنا عفوك وتفضل علينا بالقبول... لبيك اللهم لبيك... لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك... لا شريك لك