استشراف المستقبل - المنهجية العلمية في النظر المستقبلي
استشراف المستقبل
بقلم: حفيظ الرحمن الأعظمي
 
لا يخفى على الدارس الواعي للشريعة أنها أثبتت المصالح للمكلفين في الحاضر والمستقبل، كما يقول الشاطبي: «إن وضع الشرائع إنما هو لمصالح العباد في العاجل والآجل معاً».
وكون مصالح الآجِل من أهم مقاصد الشريعة، يُعطي للمسلم انطباعاً ذهنياً راسخاً بضرورة النظر المستقبلي وتجاوز المعاش الدنيوي إلى ما بعد حياة الإنسان من المعاد الأخروي، فنصوص العمل للآخرة تؤكد ضرورة الوعي بالعمل لمستقبل الإنسان دون خضوعه للحياة المعاصرة والحاضر المؤقت، وهذا التوجّه الشرعي يعتبر أقوى وثيقة تاريخية تبني الوعي المستقبلي في سلوك الأفراد، بل وتشدّهم نحو عمارة الدنيا بالعمل للآخرة.
ومَن تأمّل سنن الحياة فإنه يدرك قوانينها الثابتة التي لا تنخرم عند تكامل موجباتها السببية، لذا وجب على المسلم أن يدافع القدر بالقدر من خلال فَهم تلك النواميس الثابتة والعمل وفق مقتضاها الشرعي؛ فشيوع الظلم مثلاً مؤذِن بخراب المجتمعات ونزوعها للثورات. ومن أجل تفادي وقوع هذا القانون الإنساني وجب على أهل الحلّ والعقد المحافظة على موازين الحق والعدل من باب دفع الأقدار بالأقدار، وهي لا شكّ استلهام عملي لتفادي توقعات المستقبل. وسِيَر الأنبياء وشرائعهم نماذج حيّة مليئة بالشواهد الاستشرافية للمستقبل الذي كانوا يتصوّرون وقوعه: فهذا نوح عليه السلام أمضى ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعو قومه، وحين رأى بحكمته ونفاذ بصيرته أن لا فائدة ترجى منهم، دعا على قومه قائلاً: {إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فَاجِراً كَفَّاراً}. فكانت الرؤية المستقبلية واضحة عند نوح عليه السلام، لذا كان القرار بالدعاء عليهم حكيماً لعدم توقع الإيمان منهم ولعِظم الضَّرَر من وجودهم؛ واستجاب الله عز وجل لدعائه. والمثَل المشابِه والمعاكس هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم لملك الجبال الذي أراد أن يُطبق الأخشبَيْن على أهل الطائف: «بل أرجو أن يخرج من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يُشرك به شيئاً نظراً لتوقُّع الإيمان من ذراريهم في قادم الأيام.
وهذا يوسف عليه السلام عندما فسّر رؤيا العزيز بقدوم كارثة اقتصادية في البلاد وحصول المجاعة، قام بالتخطيط المستقبلي للخروج من هذه الأزمة بخطة محكمة لمدة خمسة عشر عاماً تنجو فيها البلاد من كارثة المجاعة. وقد قَصّ القرآن الكريم وقائعها في سورة يوسف.
والشواهد من حياة المصطفى [ أكثر من أن تحصى، سواء في خياراته لمن يحمل هموم الدعوة السرية في بداياتها، أو من خلال إرساله بعض أصحابه إلى الحبشة باعتباره خياراً استراتيجياً يحفظ الدعوة من الاجتثاث في مكة ويوفر مناخاً جديداً لنشر الإسلام، أو في تركه غزو المشركين في ديارهم حتى استقرّت له الدولة بعد غزوة الأحزاب واستقرّت مصادر التمويل بعد فتح خيبر كونها أساسات مهمة في بناء الدولة وإعداد الجيوش.
ولعلّ من أهم الأسس الأصولية المؤكِّدة لرعاية الشريعة للمستقبل، أنها ألزمت المفتي، وهو الموقِّع عن رب العالمين والقائم بأخطر وظيفة في المجتمع الديني، أن يكون على دِراية واسعة بمآلات الفتوى وذرائعها المُفْضية إليها، وهذه القاعدة دلّت عليها النصوص الكثيرة بالاستقراء التام؛ كما في قوله تعالى: )وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ( [البقرة: 188]، وقوله تعالى: )وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ( [الأنعام: 108].
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم حين أشير عليه بقتل مَن ظهر نفاقه قوله: «أخاف أن يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»، وقوله: «لولا أنّ قومك حديثو عهد بكفر لأسّست البيت على قواعد إبراهيم»، وغيرها من النصوص المتواترة في اعتبار الذرائع والمآلات واستشراف مستقبل وقوعها.
إن تخمينات المستقبل ليس عهدُها قريباً بل بعيداً بُعد بداية الإنسان على وجه الأرض، ولكنها كانت تخرُّصات وخداعات يمارسها الكُهّان والسَّحَرة ليأكلوا أموالَ الناس بالباطل ويدفعوا عن الناس قلقهم الفطريّ من المستقبل، ولكن تأصيل اعتبار المستقبل من خلال منهجية علمية تحليلية تحاول الضبط والتحديد والوصول إلى الدقة العلمية، هو التحدي الحقيقي أمام العمل لمستقبل أفضل للبشرية، ولهذا حرّمت الشريعة الإسلامية تصديق العرّافين والكهّان؛ لما فيه من ادِّعاء الغيب والتخرّص من خلال كذب الجن والشياطين. وأظنّ أن آراء علماء أصول الفقه -الذين تحدّثوا عن قاعدة سدّ الذرائع وفتحها- تتمحور حول تلك المنهجية العلمية في تحويل النظر المستقبلي إلى أدوات علمية قادرة على القياس والتحليل. ويؤكد عالِم المستقبليات الأستاذ مهدي المجرة على أهمية المنهج العلمي في دراسة المستقبل، فيقول: (لا يكمن دور الاستشراف في إصدار التنبؤات اعتباطياً؛ بل يتجلى هدفه في تحديد الاتجاهات، وتخيُّل مستقبلٍ مرغوبٍ فيه، واقتراح استراتيجيات تحويله إلى مستقبل ممكن. وهكذا فإن الأمر يتعلق بتسليط الأضواء على الاختيارات قصد مساعدة صانعي القرارات للتوجه نحو الأهداف بعيدة المدى، مع إطْلاعهم على التدابير الواجب اتخاذُها في الحين، قصد الوصول إليها).
فعلماء أصول الفقه قدَّموا رؤية مستقبلية وَفق ضوابطهم الأصولية، وأظنّ أن لهم قدَم السَّبْق في صناعة علوم المستقبل– مع حاجة هذا الإطلاق إلى دقة علمية وجهد استقرائي- وليس ما ذكره المؤرخون الأوربيون كما يشاع الحديث عندهم من أن أحد رجال الدين في بريطانيا في القرن الثامن عشر ويدعى (صامويل مادن) في كتابه: «ذكريات القرن العشرين» هو البداية الحقيقية لظهور (علم المستقبل)، مع العلم أن ما ذكره كان مجرد توقُّعات وليس تحليلات منهجية لهذه التوقعات المستقبلية. ومثله كتاب أصدره الأُسقُفْ الفيلسوف (جوزيف جلانفيل)، وهو أحد مؤسّسي الجمعية الملكية البريطانية، حول توقُّعاته لمجتمعات القرون القادمة. ولكن يجب أن نعترف ونُقرّ أن محددات هذا العلم ونشأته الحقيقية والفضل في نشره وتعليمه كانت في الغرب المعاصر؛ فأول مَن استعمل مصطلح (Miloontologie) (أحداث المستقبل) هو عالِم الاجتماع (جليفان) سنة 1907، وأول مَن استعمل كلمة (علم المستقبل) هو الأمريكي ذو الأصل الألماني (أوسيب فليختايم) تحت اسم (futurologie)، كما أن أول مَن استخدم كلمة (استشراف) (Prospective) هو العالِم المستقبلي (جاستون)، وهذا الجهد الكبير في خدمة هذا العلم استُثمر في كثير من صور الحياة المعاصرة والعلوم الإنسانية والطبيعية. فنجد في فرنسا أن العالِم (غاستون برجيه) أنشأ في سنة 1951 مركزاً دولياً للاستشراف نشر في بداياته الأولى ما عُرف بـ (كُرّاسات الاستشراف). كما تُعَد السويد في هذا المجال البلد الأكثر اهتماماً بهذه الدراسات؛ حيث أسست لذلك كتابة للدولة للدراسات المستقبلية كان من مهامها بحث البدائل المستقبلية للمجتمع السويدي وإجراء دراسات حول تعميق الحالة الديمقراطية فيها.
وعموماً فكلُّ الدول المتقدمة لها مراكز للدراسات المستقبلية، وأصبح بالتالي علماً له خصائصه ومتخصِّصوه؛ يكفي أن نعرف أن (جمعية مستقبل العالم) الأمريكية بلغ عدد أعضائها أكثر من ثلاثين ألف عضو منهم ما يزيد على الألف عضو من العلماء الذين يعتبرون أنفسهم متخصصين فعلاً في هذا المجال الجديد، ويمارسون العمل فيه حسب قواعد ومناهج معينة تضفي عليه كثيراً من الموضوعية، في حين أن تلك المراكز المستقبلية لا تتعدَّى العشرين في جميع الدول العربية مع ضَعفها وقلّة إنتاجها، كما أن تدريس هذا العلم ونشر ثقافته في الجامعات العربية مازال محدودًا وهامشياً؛ ولا غرابة في ذلك، فحضورها الواقعي والتفاعلي مع القضايا الراهنة مغيَّب عن الشهود، فكيف نطلب منها القفز نحو المستقبل البعيد؟