إنسانية محمد صلى الله عليه وسلم (رؤية مسيحية)

    إنسانية محمد صلى الله عليه وسلم (رؤية مسيحية)

د. أحمد عيسى

في وقت ازداد في الغرب نشر الكتب والمقالات عن الإسلام والمسلمين بافتقار لجودة ومصداقية المعلومات أحيانا والتحامل والإساءة أحياناً أخرى، وفي وقت ارتفعت فيه حدة الهجوم على جلال الإسلام وحرمة نبيه صلى الله عليه وسلم بحرق المصاحف بغضاً وتصوير النبي استهزاء؛ يخرج كتاب وسط أطلال الكراهية يدفع جهل الجاحدين، بنور من العلم والإنصاف، إنه كتاب: إنسانية محمد.. رؤية مسيحية.

والغريب أن هذا الكتاب؛ كتبه أكاديمي نصراني أمريكي كاثوليكي، وهو «د. كريج كونسيدين» أستاذ علم الاجتماع بجامعة رايس الأمريكية بتكساس. ويحاول الكاتب بعاطفة جياشة؛ تطوير العلاقات بين الأديان من خلال إيمانه الراسخ بإمكانية تكوين روابط أفضل بين المسلمين والغرب المسيحي، من خلال فهم أوثق لحياة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم؛ وإرثه ورؤيته التعددية للإنسانية (1).

أشار مقدم الكتاب إلى أنه في الوقت الذي لا يعرف 62 % من الأمريكيين أي مسلم ولا يوجد سوى هؤلاء القادة الذين ينشرون مخاوف كاذبة عن الإسلام؛ وبالطبع يقبل الأمريكيون هذه الشعارات على أنها الحقيقة، وقد وفر هذا الخوف التربة الخصبة لنمو الكراهية؛ فيأتي عمل المؤلف كالترياق الذي تدعو الحاجة إليه من خلال فحصه الدقيق للتاريخ الحقيقي لنبي الإسلام.

الإنصاف وبناء الجسور:

يحاول الكتاب بناء جسور أقوى من الاحترام والتفاهم بين المسيحيين والمسلمين للارتقاء بإنسانيتنا المشتركة: وللدفاع عن شرف النبي محمد صلى الله عليه وسلم، والكاتب يرفض المزاعم المستمرة بأنه يكتم إيمانه، ولكنه يعترف أن أصدقاءه المسلمين صنعوا منه إنساناً أفضل؛ فهو يعترف بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ويقول: إن الإنجيل نفسه يعترف بذلك مثلاً: جاء في إنجيل يوحنا (14: 15-17): «إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي؛ وأنا أطلب من الأب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد. روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله؛ لأنه لا يراه ولا يعرفه؛ وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم».

ويقول: إنه ليس المسيحي الوحيد الذي يحب النبي صلى الله عليه وسلم ويعترف به؛ فذكر ما قال «مايكل هارت». صاحب كتاب «الخالدون مائة أعظمهم محمد»: «قد يفاجئني اختياري لمحمد لقيادة قائمة الأشخاص الأكثر نفوذاً في العالم بعض القراء وقد يستجوبه الآخرون، لكنه كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي كان ناجحاً للغاية على المستويين الديني والدنيوي» (2).

وذكر أيضاً ما قالته «آني بيسانت»، وهي مصلحة وكاتبة وتربوية بريطانية وناشطة في مجال حقوق المرأة (توفيت عام 1933م): «من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم؛ ويعرف كيف عُلِّ وكيف عاش، أن يشعر بأي شيء سوى التقديس لهذا النبي العظيم، أحد أعظم رسل اللّه. (3)

ونقل قول «غاندي» عام 1924م: الذي نشره بالإنجليزية في جريدته الأسبوعية «الهند الفتية»: «لم يكن السيف هو الذي فاز بمكان للإسلام؛ لقد كانت البساطة الشديدة وإنكار الذات المطلق للنبي، والوفاء الدقيق لعهوده، وتفانيه الشديد لأصدقائه وأتباعه. وجرأته وثقته المطلقة في الله ورسالته.

وفد نصارى نجران:

ووضح الكتاب بالتفصيل جانباً مهماً؛ ومهملاً في كثير من الأحيان من سنة النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو تمسكه بالتعددية الدينية التي ينبغي - وفقاً للمؤلف - أن تكون أكثر من مجرد تسامح ديني، ويستشهد بالعهد المبرم مع الرهبان المسيحيين في جبل سيناء؛ حيث تم منح حرية العبادة والحق في الحماية، وبدستور المدينة؛ وبحوار الأديان بين النبي صلى الله عليه وسلم ووفد نصارى نجران؛ وصلاتهم في مسجده.

وكان سبب نزول آية المباهلة وما قبلها من أول سورة «آل عمران» أن النصارى حين قدموا جعلوا يُحَاجُون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية. فأنزل الله الآيات ردّاً عليهم، قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: «وقدم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران، ستون راكب فيهم أربعة عشر رجلاً من أشرافهم يؤول إليهم أمرهم».

وفي ذلك يقول ابن كثير في تفسيره. عن ابن إسحاق: قال: قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة: فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية في جمال رجال بني الحارث بن كعب. قال: يقول

بعض من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ما رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوهم»؛ فصلوا إلى المشرق".

الدولة المدنية:

وكتب المؤلف فصلاً ركز فيه على «الدولة المدنية» للأمة التي أنشأها النبي محمد صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة» التي كانت ثورية وغير مسبوقة، في إنشاء مجتمع تجاوز الحدود العرفية والقبلية وحتى الدينية، هذه الدولة التي تضمنت مجتمعاً يهودياً عريقاً. ومن خلال دستور المدينة المنورة، الذي ضمن حقوقاً متساوية بين السكان. ساعد على تحقيق فكرة المجتمع الواحد المكون من أشخاص متنوعين يعيشون في ظل الدولة.

وقال بوجود علاقة مدهشة بين من يُسموّن بـ«الآباء المؤسسين للولايات المتحدة»؛ ورؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لدولته؛ فهناك أوجه تشابه في المثل العليا المشتركة لتأسيس مجتمع القصد منه حماية جميع أفراد المجتمع؛ واعتبارهم متساوين بغض النظر عن الدين والعرق.

أعظم نصير لحقوق المرأة:

وأفرد المؤلف فصلاً عن موقف النبي صلى الله عليه وسلم من حقوق المرأة؛ فقد تم التأكيد عليها في وقت كانت فيه المرأة بلا حقوق في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام؛ ثم جاء الإسلام بحقوق الملكية والميراث والزواج والطلاق على سبيل المثال، التي تم تأسيسها قبل قرون من وجودها في العالم الغربي، وكيف أن الإسلام في القرن السابع أعطى للمرأة عدداً من الميزات في وقت لم تتمتع تع النساء الأخريات في العالم بنفس الحقوق.

وذكر قول القاضي والمؤرخ الأمريكي «بيير كرابيتس» (توفي عام 1943م): «محمد قبل ثلاثة عشر قرنا طمأن أمهات وزوجات وبنات الإسلام بمكانة وكرامة لم تضمنها قوانين الغرب بشكل عام للمرأة.. الزوجة المسلمة فيما يتعلق بممتلكاتها هي حرة مثل الطائر. محمد هو أعظم نصير لحقوق المرأة: لم يسبق له مثيل في العالم».

وقالت كارن أرمسترونج: «إن القرآن الكريم أعطى المرأة حقوقها في الميراث والطلاق قروناً قبل أن تمنح المرأة الغربية مثل هذه المنزلة».

مناهضة العنصرية:

فيما يتعلق بمناهضة النبي للعنصرية؛ لفت المؤلف الانتباه بشكل خاص إلى الصحابي بلال بن رباح؛ المقرّب للنبي صلى الله عليه وسلم. رغم أنه كان عبدا حبشياً ثم أصبح أول من يؤذن للصلاة، كما ناقش خطبة الوداع التي تؤكد المساواة بين الأعراق» التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس إن ربكم واحد. ألا لا فضل لعربي على عجمي. ولا لعجمي على عربي؛ ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى، إن أكرمكم عند الله أتقاكم» (6).

وقد دعا إلى مثل ذلك بعد قرون: «مارتن لوثر كينج». في خطابه الشهير «لديٌّ حلم» ويذكر بفريضة الحج التي قام بها «مالكولم إكس» الذي فهم: بعد أن تفاعل وأدى الشعائر مع المسلمين من جميع الأجناس كيف جعل الإسلام التعايش بين الأعراق ممكناً. قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)} (الحجرات).

المعرفة واجب ديني:

كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يدعو للسعي وراء المعرفة كواجب ديني؛ وكان لذلك تأثير لا يمكن إنكاره على الحضارات في العالم، وغالباً ما يتم التقليل من أهمية المساهمات الإسلامية في العلوم والرياضيات، وكذلك الطب وعلم الفلك ومجالات العلوم الأخرى البديعة لمسلمي الأندلس التي خلقت أعظم حضارة شهدتها الأرض في حين كانت أوروبا تعيش العصور المظلمة، ونوّه بأهمية صقلية في العصر الذهبي الإسلامي وما بعده. والتفاعلات الإيجابية بين أتباع الديانتين.

جاء الكتاب في الوقت المناسب وبلغة يفهمها الغرب للمساعدة في تفاهم المسلمين والمسيحيين ويأمل أن يرى الطرفان بعضهما من منظور إنساني أكثر وأن يصل كتابه للمسيحيين الذين يحملون مفاهيم مشوهة أو مسبقة عن المسلمين وعقيدتهم؛ لذلك فالكتاب ضروري في هذه الأوقات العصيبة: إذا أردنا التخفيف من احتمالات الصدام الحضاري بين الإسلام والغرب.

وبعد، فأقول: إن إنسانية الرسول صلى الله عليه وسلم واضحة طوال حياته المباركة. برحمته ورأفته وعدله وحلمه وإحسانه. من حين بعثته. حتى انتصاره وفتح مكة؛ فهذه خديجة رضي الله عنها تعدد إنسانيته فتقول له كما في البخاري: «.. قالت خديجة: كلا، أبشر فوالله لا يخزيك الله أبداً إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكل؛ وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» (7).

أما إنسانيته يوم الفتح؛ حين أتاه أهل مكة؛ وتوقعوا الهلاك، إلا أنه بكماله الإنساني يسألهم؛ كما في كتب السيرة: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم؟» قالوا: خيراً. أخ كريم وابن أخ كريم، قال: «اذهبوا فأنتم الطلقاء» (8).

الهوامش

(1) The Humanity of Muhammad: A Christian View، Craig Considine، Blue Dome Press، USA، July 2020

(2) Michael Hart، The 100: Ranking ( of most influential persons in history، New York، Citadel Press، 1978، 910-.

(3) Annie Besant، The Life And ( Teachings Of Muhammad، Theosophical Publishing House، Adyar، India، 1931، p3.

(4) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير القرشي تحقيق سلامة. دار طيبة. ط2. 1999 ج2: ص50.

(5) Karen Armstrong، Islam: A short ( history، New York، Modern Library، 2000، p16.

(6) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان رقم (5137), وصححه الألباني في غاية المرام, حديث رقم (313).

(7) صحيح البخاري. رقم (6982).

(8) السيرة النبوية لابن هشام, تحقيق: السقا، مطبعة الحلبي. ط2, 1955: ج2. ص412.