إخراج القيمة ليس رأيا شاذا ولا محادة لصاحب الشريعة

- الخلاف في إخراج القيمة في صدقة الفطر خلاف قديم، وليس كما يدعى بعض الخطباء - وأغلبهم للأسف عوامُّ نبتلى بهم كل جمعة - من أنه رأي انفرد به أبو حنيفة، فقراءة في كتب المصنفات التي تذكر آثار الصحابة والتابعين مثل (مصنف ابن أبي شيبة) وغيره تجعلنا ندرك أن الخلاف موجود منذ عهد الصحابة والتابعين.

- في (مصنف ابن أبي شيبة): حدثنا وكيع عن قرَّة قال: جاءنا كتاب عمر بن عبد العزيز في صدقة الفطر: نصف صاع عن كل إنسان، أو قيمته نصف درهم.

حدثنا وكيع عن سفيان عن هشام عن الحسن [يعني البصري] قال: لا بأس أن تعطى الدراهم في صدقة الفطر.

حدثنا أبو أسامة عن زهير قال: سمعت أبا إسحاق [السبيعي] يقول: أدركتهم وهم يعطون في صدقة رمضان الدراهم بقيمة الطعام.

- بل قال ابن تيمية: "أما إخراج القيمة في الزكاة والكفارة ونحو ذلك، فالمعروف من مذهب مالك والشافعي أنه لا يجوز، وعند أبي حنيفة يجوز، وأحمد رحمه الله قد منع القيمة في مواضع، وجوزها في مواضع، فمن أصحابه من أقر النص، ومنهم من جعلها على روايتين. والأظهر في هذا: أن إخراج القيمة لغير حاجة ولا مصلحة راجحة ممنوع منه..." إلى أن قال رحمه الله: "أما إخراج القيمة للحاجة، أو المصلحة، أو العدل فلا بأس به".

- يستشهد بعض هؤلاء الخطباء على منع القيمة بقوله ابن عباس: "طعمة للمساكين" على أنها ينبغي أن تكون طعامًا، وقد بحثت في كتب الشافعية وهم يمنعون إخراج القيمة، فلم أجدهم استشهدوا به، والاستشهاد به دليل على ضعف في العربية: فالطعام والطعمة والأكل تقصد به العرب الرزق، وهذا نقل قصير من (أساس البلاغة) لجار الله الزمخشري يَبينُ معه كيف كانت العرب تستخدم هذه اللفظة: "فلان طيب الطعمة وخبيث الطِّعمة بالكسر وهي الجهة التي منها يرتزق بوزن الحرفة. وجعلت هذه الضيعة طعمة لك بالضم. وفلان تجبى له الطعمة والطعم وهي الخراج. وأطعمتك هذه الأرض. وعن معاوية: أنه أطعم عمراً خراج مصر. وإنه لموسع له في الطعم: في الرزق. وهو مطعم: مرزوق. قال علقمة:

ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه … أنّى نوجه والمجروم محروم

وقال ذو الرمة:

ومطعم الصيد هبال لبغيته … ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب

وفي يده مطعمة: قوس تطعم صائدها".

بل أقول في بعض الآثار لمن يزعم أنه مشتغل بالأثر: أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم- ‌أطعم ‌الجدة السدس إذا لم يكن أم. يعني ورث الجدة السدس.

وفي القرآن : لا تأكلوا الربا، وفي أموال اليتامى: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ - أتأكلوها إسرافًا وبدارًا أن يكبروا . وفي الرشوة: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون.

- وأعجب شيء قرأته مؤخرًا منشو تقول صاحبته: هي صدقة الفطر لذا تخرَج طعامًا! وقائل هذا لم يفهم معنى الفطر أصلًا، الفطر معناه عدم الصيام، وصدقة الفطر أي الصدقة المرتبطة بالفطر من صيام رمضان، وبالمناسبة العرب لا تعرف وجبة طعام اسمها الفطور أو الإفطار، وإنما الفطور عندهم أن تطعم صباحًا ولا تصوم، كما يقول الإنجليز (breakfast) وترجمتها الحرفية (كسر الصيام)، وكما يقول العوام (بيغير ريقه) وعند الشوام (ترويقة). فالعرب عندها أكلتنان وشربتان: الغداء من الشروق إلى الظهر، والعشاء من الظهر حتى العشاء، والصبوح وهو ما يشرب صباحا، والغبوق وهو ما يشرب مساء.

-أخيرا الأمر خلافي والخلاف فيه مستساغ، والخلاف ليس في صدقة الفطر وحدها، وإنما في أموال الزكاة عمومًا، يعني مثلًا في زكاة الأنعام من وجبت عليه شاة هل يجب أن يخرج شاة أم يجوز له أن يخرج قيمتها.

- المختلف فيه لا إنكار فيه، فلا يجوز لخطيب جاهل أن يخطب خطبة تجاوز الساعة في الحط على أبي حنيفة وعلى من قال بالقيمة، ويجعل إخراج القيمة خروجا عن السنة ومحادة لصاحب الشريعة!