أقام مُلْكَهُم فَكافؤوه بقتله

أقام أبو مسلم الخراساني حكومة أبي العباس السفاح والمنصور العباسي، لكنهما هما اللذان قتلاه! هذا الموجز وإليكم التفصيل:

حمل محمد بن علي فكرةً مَفادُهَا: إزالة ملك بني أمية؛ لما يقترفون من أفعالٍ سقيمة، وأعمالٍ مشينة، فاختار الكوفة وخراسان منطلقًا للدعوة العباسية الجديدة، ثم تُوفي، وأوصى مِنْ بعدِهِ لابنه إبراهيم، ثم ظهرت شخصية أبو مسلم الخراساني في سنة [128هـ]، فقرَّر إبراهيم أن يرسله إلى خراسان؛ حيث الدعوة في نموٍ وصَلابة، إلى أن تسلَّم رسالةً تأمره بإعلان الدولة الجديدة، فصلى بالناس إمامًا في عيد الفطر، ثم أعلن عنها مُستغلًا انشغال والي البلاد ببعض الخلافات الداخلية.

وعقب الإعلان دارت حرب ضروس بين أبي مسلم وجنده، وقوات نصر بن سيار، فَتَغَلَّبَ أبو مسلم حتى دانت خراسانُ كلُّهَا له، وبقيت الانتصارات حتى أقيمت الدولة العباسية، وفي هذه الأثناء مات إبراهيم وخَلِفَهُ أخوه عبد الله بن محمد، ثم مات، وتولى الخلافة أبو جعفر المنصور، فَعَدَّ وجود أحد مؤسسي الدولة عائقًا أمامه، وهو أبو مسلم الخراساني، فقرر التخلص منه بِقَتلٍ أو إبعاد، وكان شديد الحنق عليه، فكتب إليه: إني قد وليتك مصر والشام، وإنهما خير لك من خراسان، فضلًا عن قربك من أمير المؤمنين، فإن أحببت لقاءه أتيتك من قريب، إلا أن أبا مسلم أبى إنفاذ الأمر، وقال: يوليني الشام ومصر، وخراسان لي!

فاستعمل المنصور الدهاء، مرسلًا له من يكلمه بحُبٍ وَلِين، فإن أبى قال له: إن المنصور بريءٌ منك ما شققتَ العصا، وإنك لو ذهبت على وجهك ليدركنك بنفسه، وليقاتلنك دون غيره، ولو خضت البحر الخضم لخاضه خلفك، حتى يدركك فيقتلك، أو يموت قبل ذلك!

وسبحان الله! فهذه الكلمات جعلت الجبار أبا مسلم يخنع ويقرر مقابلة الخليفة، فتمادى المنصور في المكر، وأعطاه الأمان، وعند دخوله المدائن استقبله بأجل مراسم التوقير والامتنان، فلما دخل فرحًا راح يقتله غدرًا، وهو يكلمه آمنًا على يد أحد حراسه! [الموسوعة الميسرة في التاريخ الإسلامي بتقديم راغب السرجاني (1/244)].

رسالة الحادثة:

من التمس من الظُلَّام قوةً لم يزدد بهم إلا خُنوعًا وضعفًا، فإنْ آنسَ منهم محمدة لم يحظَ إلا بِمَزِيدِ مَذَمَّة، بل لو ارتجى نصرة وعزة وملكًا، لم يعط إلا خذلانًا وذلةً وموتًا، فجوزي بنقيض قصده، {وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ، فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ، فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا} [فاطر: 43]!

المال القاتل:

إليك خبرَ مخترع السيارة الحديثة!

إنه " فورد" رجل الاقتصاد الأمريكي، وصاحب الثروة المالية الأولى!

دخل يومًا في قاعة ادِّخاره الحديدية، ثم أقفلها على نفسه غافلًا عن مفتاحها بالخارج، فراح يصرخ ويستغيث ولكن دون جدوى، فجلس كئيبًا يواجه الموت بين دولاراته، ومستنداته، وصكوكه! [علي بن نايف الشحود / الحضارة الإسلامية بين أصالة الماضي وآمال المستقبل (3/42)].

أما أهله فإنهم في غفلةٍ عنه، فقد ظنوه في سفرٍ طارئ كَعَادَتِه، فلم يكترثوا بِغِيَابِه، أما الرجل فمرت عليه أيام معدودات دون أن يطعم طعامًا، أو يستقي شرابًا، ثم أخذ يتأمل أمواله وماذا عساها أن تنفعه، فلما شعر بقرب الموت جرح نفسه، وكتب بدمه على جدار قاعة ادخاره، وبين أمواله:

أغنى رجل في الأرض، يموت من الجوع!

رسالة الخبر:

من اعتمد على ماله، جعله الله سببًا في سوء حاله، وتَشَتُّتِ بَالِه، وهلكته وَوَبَالِه؛ ليشق اليقين شِغَافَ قلوبنا أن جناب الله آمن، وأن مقياس الأمن الغذائي لدى البشر، هو الهلكة بعينها في ميزان رب البشر!