أرضٌ مقاتلة ومطرٌ مجاهد

أخرج البخاري ومسلم من حديث البراء رضي الله عنه أنه قال: لَمَّا أَقْبَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْمَدِينَةِ تَبِعَهُ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ، فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَسَاخَتْ بِهِ فَرَسُهُ [أي: نزلت فى الأرض وقبضتها الأرض] قَالَ: ادْعُ اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكَ، فَدَعَا لَهُ "[ صحيح البخاري، رقم الحديث: (3908)، (2/261).]

وأخرج الترمذي بسند صحيح من حديث عبد الله بن عمر م أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " خَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فِي حُلَّةٍ لَهُ يَخْتَالُ فِيهَا فَأَمَرَ اللَّهُ الْأَرْضَ فَأَخَذَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا أَوْ قَالَ يَتَلَجْلَجُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " سنن الترمذي، رقم الحديث: (2491)، ص (561)، وقال الألباني: صحيح.

رسالة الحديثين:

آَزَرَت الأرضُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم وصاحبه يوم الهجرة، وأعلنت الإخاء والنُّصْرَة، فلما أدركَهُمَا سراقةُ بن مالك؛ غاصت قدماه في الأرض، فأدرك أنه هالك، إذْ فُقِدَ النصير، وغابت عنه المَسَالك، فراح يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو ربه أن يُنَجِّيَه، على أن يَحفَظَهُ، ولا يخبر عنه أو يقاتله، فكان في أول نهاره مُحارِبًا له، وفي آخره حارسًا له، يُعَمِّي عَلَيه [ابن حجر / فتح الباري (7/242)]!

وفي الاتجاه المعاكس:

خَذَلت الأرضُ قارونَ فابتلَعَتْهُ؛ ذلك أنه اخْتَال فِي زينته، وتمادى في أَذِيَّتِهِ، وتَقَلَّدَ نِعَمَ اللهِ ثم نسبها لذاته، ثم بَغَى على موسى ومن معه، فأخذته الأرضُ إلى كعبيهِ ثم ركبتيه، إلى أن أخذت سُرَّتَهُ وعُنُقَهُ ثم كُلِّيَته، وقد قال قتادة: يُخْسَفُ به في الأرض كل يوم قَامة، يَتجَلْجَل فيها لا يَبلُغُ قَعرها إلى يوم القيامة [تفسير الطبري (19/629-632)، المناوي / فيض القدير (3/584)، وقيل هو رجل آخر غير قارون يقال له "الهيرن"].!

وفي آي التنزيل: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ } [القصص: 81]

رسالة الآية:

في لمحة خاطفة، وجملة قصيرة خاسفة، هوى قارون في بطن الأرض التي علا فيها، واستطال فوقها، جزاء وفاقًا؛ لتعلموا –إخوتاه- أن الأرض التي آزرت النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه يوم الهجرة، هي ذات الأرض التي خذلت قارون؛ ليبقى بالخسف عِظَة لكل القُرُون، ولكن أكثر الناس لا يفقهون ولا يعقلون! [سيد قطب / في ظلال القرآن (5/445)، تفسير الشعراوي (1/2522)].

المطر المجاهد:

نزل المشركون يوم بدرٍ بالعُدْوَةِ القصوى، أما الصحابة الكرام بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم فعلى مقربة من العدوة الدنيا، وقبيل المعركة أنزل الله مطرًا على الفريقين، فكانت أرض المشركين صلبة، فلما نزل عليها الماء ساءت، وتعسر عليهم التقدم إلا بشق الأنفس!

أما أرض المسلمين فَكَثُرَ فيها الرمل الذي يتعسر المسير معه، فلما نزل المطرُ وطأ الله به الأرض، وصَلَّبَ به الرمل، ومَهَّدَ به المَنزل، حتى وصلوا إلى العدوة الدنيا أدنى ماء بدر بسلام، فضلًا عما امتن الله به على إخواننا الصحابة الكرام ش، بقوله: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ} [الأنفال: 11] [المباركفوري / الرحيق المختوم ص (170)، سيرة ابن هشام (1/619)]

رسالة الخبر:

إن الله أمر السماء أن تُمطِرَ في غاية حاجة المسلمين إليه، واستغناء المشركين عنه، فالمطر واحد، ومادته واحدة، لكن الله بحكمته أبى إلا أن يجعله عامل نصرٍ لأوليائه، وعامل هزيمة لأعدائه؛ فالخير في حبات المطر كامن؛ لندرك دومًا أن جناب الله آمن!