أخلاقيات الفتح الإسلامي - قراءة في الوثيقة العمرية

هو سؤال ربما بدا غير مألوف في معالجة ما عُرف في التاريخ الإسلامي بـ«الوثيقة العمرية» أو «العهدة العمرية».. سؤال يتعين إثارته في ظل عالم يموج بصراعات لا يعرف السلام الحقيقي لها طريقاً، ويبدو أنه لن يعرف في المنظور القريب.. سؤال يثير متوالية من علامات الاستفهام الأخرى، حول هذا النص الرائع في تسامحه، والمتسامي في روحه الوثابة إلى أعلى درجات السلام.

ثم هو من جهة أخرى يثير المتوالية ذاتها حول المكان الذي كانت فيه تلك الوثيقة، ورمزيته التي تلاقت مع تصاريف أقدار الله عز وجل.

والسؤال هنا: ما السر خلف اختصاص تلك المدينة بحركة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وما يمثله من رمزية إسلامية كبرى، واستدعائه وتأكيده بنود تلك الوثيقة، وإشهاده عليها كبار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؟

ألم يفتح عمر مدناً كبرى غيرها؟ ألم ترفع رايات الإسلام في عهده على معاقل كثيرة وكبيرة، وربما أكثر إستراتيجية من تلك المدينة؟

ربما يبدو السؤال محاولة لبيان منزلة المدينة المقدسة، ومحوريتها في الصراع، وهو ما قال ويقول به كثيرون، لكن الأمر هنا أكبر كثيراً مع مراعاته لهذا البعد في طرح السؤال.

ففوق محورية تلك المدينة المقدسة، تبرز فكرة مفادها أن البعد الإنساني ربما يبدو أكثر وضوحاً في أوقات الاختلافات الشديدة، عقدية أو أيديولوجية أو مذهبية أو عرقية أو غيرها، وهنا يتجلى الغرض من طرح هذا السؤال.

إن محورية الصراع في القرآن الكريم التي ظهرت بوضوح في مفتتح سورة «الإسراء»، وعدد فيها الحق جل وعلا مرات هذا الصراع، وشروطه؛ {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا} (الإسراء: 5)، {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ} (الإسراء: 7)، تؤكد أنه صراع ستتلاشى فيه كل آفاق تلك الأخلاق التي يريدها هذا الدين، ستتلاشى معاني الإنسانية تحت وطأة الغل العقائدي الصهيوني، ستتلاشى معاني الرحمة والعدل وستعلو كل معاني الحقد والكراهية والبغضاء والأثرة.

ولهذا كان لا بد من تأسيس منهجية ترتكن على واقع، يسمو فوق التسامي ذاته، ويرسم الطريق ويحدد الآليات، واقع لا تضيع فيه الفوارق، لكنه يؤطرها بإطار إنساني، واقع يكون فيه المنهج النظري الذي أسس له القرآن، وأسس له النبي صلى الله عليه وسلم معيشاً مرئياً محسوساً، تتناقله الأجيال، وأقصى ما يستطيعه الطاعنون فيه، هو التشكيك في وجوده من الأصل، إذ إن كل الطرق حول دلالته الواقعية تعلو على أي محاولة للتشكيك.

تلك هي النقطة، وهذه هي اللطيفة التي ينبغي أن تكون حاضرة في نقاش هذا الحدث التاريخي الفريد.

نص يكاد من فرط تساميه أن يكون معجزاً في تطبيقه، بالإضافة إلى ما اكتنفه من تبعات وقتية أثناء كتابته تعتبر تطبيقاً عملياً رصيناً تذوب العقول خجلاً من دلالاته العبقرية التي قادها الملهم ابن الخطاب، وهنا نقصد تحديداً ما روي -بعيداً عن التشكيكات- من عرض البطريرك على أمير المؤمنين عمر حينما حضرته الصلاة أن يصلي حيث هو، وعدم رضائه بذلك، وتعليله بأن يقطع كل طريق على من يأتي بعده من اعتبار هذا المكان قد صار ملكاً للمسلمين؛ لأن عمر صلى فيه.

وفوق تلك الدلائل على أن حدث الوثيقة العمرية حدث استثنائي في التاريخ الإسلامي، تبرز أحداث التاريخ ذاتها، لتؤكد نجاح الوثيقة في جعل مجتمع «إيلياء» (القدس) مجتمعاً استثنائياً، مجتمعاً، كما يقول أستاذنا المستشار طارق البشري، «له خبرته التاريخية في القدرة على التعايش رغم الاختلاف العقائدي».

فهذا «برنار الحكيم»، بعد إبرام الوثيقة أو العهدة العمرية بقرون، وبعد ظهور آثارها على مجتمع مختلف في العقيدة، يزور القدس في القرن التاسع عشر ويصف زيارته وما رآه بقوله: «إن المسلمين والمسيحيين النصارى في القدس على تفاهم، والأمن مستتب فيها، لدرجة أنني إذا سافرت من بلد إلى بلد ومات جملي أو حماري، وتركت أمتعتي مكانها، وذهبت لاكتراء دابة من البلدة المجاورة، ثم عدت، سأجد كل شيء على حاله لم تمسه يد».

إن آثار الوثيقة قد تعدت عصرها إلى تأسيس حالة من التعايش لم تقدر كل مواثيق الأمم المتحدة إلى الآن أن تحقق جزءاً منها، والسبب معروف، ففوق أن لعمر رضي الله عنه وصدقه بركات لا تنكر، فإن نصوص الوثيقة ذاتها وعناية الحكام المسلمين بتنفيذها والحفاظ عليها هي ما جعلت هذه الحالة تصير من مجرد معاهدة إلى كونها نظام حياة ألفه كل من في المدينة على اختلافاتهم العقائدية أو الفكرية أو العرقية.

إن الإلحاح البادي في أول الوثيقة على بيان تفاصيل تتعلق بالعبادة يؤكد عبقرية عمر رضي الله عنه التي تحدثنا عنها، وربما بالنظرة الفاحصة يعضد تلك الرواية التي ذكرناها عن عدم رغبته في الصلاة داخل الكنيسة، إنه رجل يدرك أن الشيطان، كما يقولون، يكمن في التفاصيل، ولذا أراد أن يقطع الطريق على كل من يريد اللعب في هذه المساحة الملغومة.

انظر الحديث عن التفاصيل في نص الوثيقة التي يمكن للبعض أن يظنها مكرورة «أعطاهم أماناً لأنفسهم، وأموالهم ولكنائسهم وصلبانهم»، كان من الممكن مع هذا التفصيل أن ينتقل، لكنه أراد تأكيداً آخر فقال: «وسقيمها وبريئها وسائر ملتها».

ثم يعاود تأكيداً من نوع آخر «أنه لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من خيرها»، فللرموز شأن عند أصحابها، وإنسانية الإسلام أسمى من فكرة الانتقاص من تلك الرموز حتى يقول: «ولا من صليبهم»، ثم يعاود التأكيد على الأموال مرة أخرى: «ولا من شيء من أموالهم»، وثالثة يؤكد بتفصيل أكثر على عدم الإكراه بأي صورة من الصور: «ولا يكرهون على دينهم، ولا يضام أحد منهم».

إذن هي حدث -كما قلنا- استثنائي في توقيته، ودلالاته، وتفاصيله، لأنه يعالج أصلاً من أصول هذا الدين، الذي يمكنه أن يجعل من قيمه العليا مظلة جامعة تنضوي تحتها كل الاختلافات.

وتبقى الإشارة إلى أن عمر رضي الله عنه الذي تجلت عبقريته في تلك الوثيقة، وفي معالجة تفاصيلها تربى على مائدة نبي كان يودّع قادة حربه قائلاً لهم: «اغزوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تغدروا، ولا تغيروا، ولا تقتلوا امرأة ولا شيخاً فانياً، ولا طفلاً، ولا تفرقوا بين أم وولدها، ولا تقطعوا شجراً، ولا تهدموا بيتاً.. وإنكم تأتون قوماً أهل كتاب فيهم العابد في صومعته فلا تروّعوه»، لم يقل: فلا تقتلوه، مجرد الترويع، حتى قال بعض الشراح: «إذا كان سير خيلك بجوار الكنيسة أو المعبد سيزعج من فيها فعلى قائد الجند أن يختار طريقاً آخر».

صلى الله على المربي الأعظم، والرسول الأكرم، ورضي الله عن العبقري الملهم، عمر الفاروق، وأعاد الله على المسلمين أمجاد قيمهم ويمن إنسانيتهم.