آية كريمة وقراءة جديدة من فقه اسم الله الحق

قال تعالى: "وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ" [يونس: 82] , قال القرطبي – رحمه الله – في تفسيره: قَوْلُهُ تَعَالَى: "وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ" أَيْ يُبَيِّنُهُ وَيُوَضِّحُهُ. "بِكَلِماتِهِ" أَيْ بِكَلَامِهِ وَحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ. وَقِيلَ: بِعِدَاتِهِ بِالنَّصْرِ. ما قاله القرطبي في تفسيره في معنى الآية هو ما قاله معظم المفسرين المشهورين لكنني أقول – مستعيناً بالله – أن الآية تحمل معان أكثر من ذلك فالله يحق الحق ومن تجليات هذا الإحقاق:

أولاً: أن الله أعطى للحق قوة ذاتية تمكنه من البقاء فهو موجود و ثابت و له بريق مهما علا الباطل عليه ليطمسه فسوف يثور الحق و يدمغ الباطل بإصابة قاتلة في دماغه قال الله: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ" [الأنبياء: 18].

ثانياً: و كما أن الحق يملك قوة ذاتية تمكنه من البقاء لكنه لا يملك القوة التي تمكنه من يسود الأرض و يقود الحياة فالحق يفتقر إلى رجال يعرفون طبيعته ليحملوه و ينصروه و يضحوا من أجله فإذا فعلوا عاد إليه بريقه و ظهرت قوته و نعم الناس به فهناك فرق بين القوة التي تمكنه من البقاء و القوة التي تمكنه من قيادة الحياة. انظر إلى قوله تعالى حكاية عن سيدنا لوط - عليه السلام – و هو حزين يتمنى أن يمتلك القوة التي يستطيع بها أن يحمي الحق الذي يعتقده: "قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)" هود.

ثالثاً: إن الله جعل من طبيعة الحق افتقاره إلى رجال يحملونه لأنه نعمة لا يستحقها كل أحد فإنه إذا دخل إلى القلوب و تمكن من العقول منح القلب صلابة في الشدائد و رشداً في المواقف و أهدى العقل نظراً ثاقباً و تفكيراً راقياً و سمواً على الشهوات و بناء على هذا الفهم نستطيع أن نفسر حرص المصلحين من أصحاب الدعوات على اصطفاء الرجال الجديرين بحمل الحق القديرين على نشره الأقوياء على مواجهة الباطل و نستطيع أن نفسر كذلك لماذا كانت موجات البلاء تتابع على أصحاب النبي – صلى الله عليه و سلم –؟! و لماذا كان يثبت الكبار و ينتكس الصغار؟!

رابعاً: أن الله جعل في الحق جاذبية تغري كل إنسان معتدل الفكر نقي القلب صادق الإحساس رائق الذوق لأن يتمسك به و كما قيل الحق أبلج و الباطل لجلج و للحق نور و نار من أعرض عن نوره اكتوى بناره و من لم يقبل الحق ابتلي بقبول الباطل.

خامساً: لا يهزم الحق في معركة من معاركه الدائمة مع الباطل إلا إذا انهزم في نفوس حامليه و هنا يجب على أهل الحق أن يعلموا أن المكاره التي تحف الحق و التضحيات التي يستلزمها إظهاره هي الثمن الذي يجب تقديمه ليظهر الحق و يعلو و من يخطب الحسناء لم يغلها المهر فانتبهوا يا أهل الحق إياكم الضعف فأهل الباطل لا ينامون و كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – يستعيذ قائلاً: "اللهم أشكو إليك جلد الفاجر وعجز الثقة". القرآن يصف لنا حال المشركين في دفاعهم من باطلهم وصفاً عجيباً فقال تعالى: "وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ" [ص: 6].

سادساً: أن الله يضرب الحق بالباطل ليخلص الحق مما يشوبه من نفاق المنافقين و طمع الطامعين فيزداد قوة فدولة الحق لا تقوم على أكتاف المنافقين أو الطامعين أو الجاهلين.

سابعاً: جعل للمجتهد في طلب الحق أجراً و إن أخطأ. روى البخاري في صحيحه من حديث عَمْرِو بْنِ العَاصِ – رضي الله عنه – أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ"

ثامناً: جعل الباطل زهوقاً و كما قيل: "وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه" , وقال تعالى: " وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81)" الإسراء. و قال تعالى: "بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)"الأنبياء.