الثلاثاء 7 رمضان 1439 - 22 مايو 2018

بديع الزمان سعيد النورسي والاقتصاد

الأحد 11 جمادى الأولى 1439 - 28 يناير 2018 273 كاتب الترجمة : إعداد: عبد الكريم الخلف
بديع الزمان سعيد النورسي والاقتصاد

من هو بديع الزمان؟

هو بديع الزمان سعيد النورسي ابن الملا ميرزا، والنورسي نسبة إلى قرية (نُورس) الواقعة في جنوب شرقي تركيا، ولد في عام 1294هـ/1877م، وعاصر السلطان عبد الحميد الثاني.

نشأ بديع الزمان في أسرة ورعة صالحة، فقد كانت والدته السيدة نورية امرأة صالحة، وكانت لا ترضع أولادها إلا على وضوء.

تلقى بديع الزمان تعليمه في صغره في الكتاتيب المنتشرة حول قريته (نورس)، وكان نادرة عصره في الحفظ والذكاء، حيث حفظ ما يقرب من سبعين كتاباً في أمهات العلوم.

طلب العلم الشرعي على يد شيوخ عصره، فدرس التفسير والحديث وعلم الكلام والفقه والمنطق والنحو، لكنه لم يلتزم عند شيخ معين؛ لأنه لم يجد بغيته عند الشيوخ الذين لقيهم. 

وفي سنة 1314هـ/1897م ذهب إلى وان، وأكب فيها على دراسة العلوم الكونية من فلك ورياضيات وفيزياء وجيولوجيا وفلسفة، وتعمق فيها إلى درجة التأليف، فسمي (بديع الزمان).

وفي سنة 1329هـ/1911م رحل إلى الشام، والتقى فيها بالعلماء، وخطب في الجامع الأموي خطبته الشهيرة (الخطبة الشامية) وهي مطبوعة في رسالة صغيرة، دعا في المسلمين إلى الوحدة ونبذ التفرقة.

شارك بديع الزمان في الحرب العالمية الأولى كقائد لفرقة من المتطوعين، لكنه أصيب ووقع في أسر الروس لمدة سنتين وأربعة أشهر، ثم استطاع الهرب فعاد إلى بلاده واستقبل استقبالاً حافلاً، وعُين عضواً في دار الحكمة الإسلامية، ونشر في تلك الفترة أغلب مؤلفاته باللغة العربية ومنها: (تفسير إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز) الذي ألفه في خضم المعارك وهو على صهوة جواده، وكتاب (المثنوي العربي النوري). 

وبعد سقوط الخلافة في عام 1924م مُنِع تدريس الدين في تركيا، وألغيت الحروف العربية، والأذان، ومنع من القيام بأي نشاط ديني، في تلك الفترة المظلمة قام الأستاذ بديع الزمان بخدمة القرآن والإيمان بنشره رسائل صغيرة كان يستكتبها بخط اليد، ولاقت قبولاً في المجتمع، فخافت السلطة في ذلك الزمان من انتشار دعوة النور فقامت بسجن الأستاذ بديع الزمان ونفيه أكثر من مرة تحت ذرائع واهية مرة باسم تأسيس طريقة صوفية، ومرة باسم الدعوة إلى تأسيس حزب سياسي، وهكذا استمر الأستاذ النورسي على تأليف رسائل النور حتى سنة 1950م، وهو ينتقل من سجن إلى آخر ومن محكمة إلى أخرى طوال ربع قرن من الزمان، ولم يتوقف خلاله عن التأليف حتى أصبحت مجموعه رسائله (130) رسالة، جمعت تحت عنوان (كليات رسائل النور) ولم تطبع إلا بعد سنة 1954م، ومن أشهرها (الكلمات-المكتوبات-اللمعات-الشعاعات). وترجمت هذه الرسائل إلى العديد من اللغات منها: الألمانية، والفرنسية، والروسية، والإسبانية، والفارسية، والصينية، والبوسنية، وغيرها. 

كان بديع الزمان من العلماء العزاب الذين آثروا العلم على الزواج، وصحيح أنه لم يرزق بالولد، لكن الله سبحانه رزقه بأولاد معنويين كثر هم (طلاب رسائل النور) المنتشرين في أصقاع الأرض، وفي رمضان سنة 1379هـ/1960م لبى الأستاذ النورسي نداء ربه، حيث وافته المنية في مدينة (أورفه) التركية ودفن فيها بالقرب من جامع إبراهيم الخليل عليه السلام، لكن السلطات الحاكمة نبشت القبر ونقلت جثمانه إلى مكان مجهول، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته. 

بديع الزمان والاقتصاد: 

يقول الأستاذ سعيد النورسي رحمه الله: 

يسأل أهل الدنيا ويقولون لي بماذا تعيش؟ وكيف تُدار معيشتك دون عمل؟

الجواب: إنني أعيش بالاقتصاد والبركة، ولا أقبل من غير رزّاقي منة من أحد، وقررت أن لا أقبلها طوال حياتي. نعم إن الذي يعيش بمائة بارة، بل بأربعين بارة، يأبى أن يدخل تحت منة الآخرين. وإنني ما كنت أرغب أن أوضح هذه المسألة مطلقاً خشية الإشعار بالغرور والأنانية، وأكره أن أبوح بها فهي ثقيلة عليَّ، ولكن لأن أهل الدنيا تدور الأوهام والشبهات في نفوسهم فأقول: 

إن دستور حياتي كلها هو عدم قبول شيء من الأخرين، ثم إن رفضي للمرتب الحكومي إلا ما عينته الدولة لي لسنتين عندما كنت عضواً في دار الحكمة الإسلامية كل ذلك يبين دستور حياتي، ولقد حاول أصدقاء كثيرون أن أقبل هداياهم في غضون هذه السنوات الخمس التي مرت بالنفي إلا أنني رفضت. 

فإن قيل: فكيف تعيش إذن؟ أقول: أعيش بالبركة والإكرام الإلهي، وسأورد نماذج من ذلك عملاً بالآية الكريمة: {وأما بنعمة ربك فحدّث} [الضحى: 11]. 

النموذج الأول: 

لقد كفاني في هذه الشهور الستة الماضية ستة وثلاثون رغيفاً من الخبز، ولا زال الخبز باقياً ولا أعرف متى ينفد، (وقد دام الخبز سنة كاملة).

النموذج الثاني: 

في هذا الشهر المبارك (شهر رمضان) لم يأتيني طعام إلا من بيتين اثنين وقد أمرضاني كلاهما ففهمت من هذا أنه ممنوع علي طعام الآخرين، ولقد كفتني أوقية واحدة من الرز وثلاثة أرغفة من الخبز بقية شهر رمضان، والصديق الصادق عبد الله جاويش يشهد بهذا. 

النموذج الثالث: 

لقد كفتنا أنا وضيوفي الكرام أوقية واحدة من الزبد رغم تناوله يومياً مع الخبز طوال ثلاثة أشهر في الجبل، و كان عندي ضيف مبارك وهو سليمان، وقد أوشك خبزنا على النفاد وكنا في يوم الأربعاء فقلت له: اذهب إلى القرية وآت بالخبز إذ ليس حوالينا أحد حتى مسافة ساعتين لنبتاع منه، فقال: إني أرغب أن أبيت معك ليلة الجمعة المباركة على قمة الجبل لأتضرع معك إلى الله. فقلت: توكلنا على الله، إذن ابق معي. ثم بدأنا السير معاً حتى صعدنا قمة الجبل، وكان لدينا قليل من الماء مع شيء من الشاي والسكر، قلت: يا أخي اعمل لنا قليلاً من الشاي، وبدأ بالعمل. وجلست أنا تحت شجرة قطران أتأمل في مشاهدة واد عميق، وأفكر بأسف وأسى فإنه ليس لدينا إلا كسرة من خبز ربما يكفينا هذا المساء فقط، ولكن كيف باليومين التاليين، فماذا أقول لهذا الرجل الطيب، وبينما أنا غارق بالتفكير إذا برأسي كأنه يدار إلى الشجرة فالتفت وإذا بي أرى رغيفاً كبيراً فوق شجرة القطران، فقلت: أبشر يا سليمان فلقد أنعم الله علينا بالرزق، علماً لم يصعد لهذا الجبل منذ ثلاثين يوماً أحد من الناس!.

النموذج الرابع: 

إن هذه السترة (الجاكيت) قد اشتريتها مستعملة قبل سبع سنوات، وكفت أربع ليرات ونصف لمصاريف خمس سنوات مضت من الملابس والحذاء والجوارب، فلقد كفتني بالبركة والاقتصاد والرحمة الإلهية. وهناك أمثلة كثيرة شبيهة بهذا منها: 

أصر أحد طلابي إصراراً شديداً على أن أقبل هديته التي تزن أوقيتين ونصف من العسل، خرقاً لدستور حياتي، ومهما حاولت في بيان ضرورة التمسك بقاعدتي لم يقنع، فاضطررت إلى قبولها مرغماً على نية أن يشترك ثلاثة إخوة معي في الغرفة ويأكلوا منها باقتصاد طوال أربعين يوماً من شهري شعبان ورمضان المبارك، ليكسب صاحبه المهدي ثواباً ولا يبقوا دون حلاوة، ولذا أوصيتهم بقبول الهدية لهم، علماً أنه كانت عندي أوقية من العسل. 

وبرغم أن أصدقائي الثلاثة كانوا على استقامة حقاً، وممن يقدرون الاقتصاد حق قدره، فإنهم على كل حال نسوه نتيجة قيامهم بإكرام بعضهم بعضاً ومراعاتهم شعور الآخرين، فأنفذوا ما عندهم من العسل في ثلاث ليال فقط، فقلت مبتسماً لقد كانت نيتي أن أجعلكم تتذوقون طعم العسل ثلاثين يوماً ولكنكم أنفذتموه في ثلاثة أيام فقط. في حين أنني كنت أصرف ما أملكه من العسل بالاقتصاد فتناولته طوال شهري شعبان ورمضان، فضلاً عن أنه ولله الحمد أصبح سبباً لثواب عظيم حيث أعطيت كل واحد من أولئك الإخوة ملعقة واحدة منه وقت الإفطار.

المصادر:

المكتوبات، سعيد النورسي.

اللمعات، سعيد النورسي. 

سيرة ذاتية، د. إحسان قاسم الصالحي. 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات