الاثنين 12 ربيع الأول 1440 - 19 نوفمبر 2018

الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لمحات من علمه وأدبه

الثلاثاء 25 ذو القعدة 1439 - 7 أغسطس 2018 1856 كاتب الترجمة : الشيخ حسن قاطرجي
الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لمحات من علمه وأدبه

العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة قل نظيره في علمه وأدبه(1)

بادىءَ ذي بَدْء أعتذر من الله ـ جلّ جلالُه ـ عن الحديث أو الكتابة عن سيدي الشيخ رحمه الله، وما أصدق كلمة الإمام الحُجّة البحر أحد القُرّاء السبعة أبي عَمْرو بنِ العلاء البَصْري ـ مع أنه من التابعين ـ: "ما نحن فيمن كان قَبْلنا إلا كبَقْلٍ في أصول نَخْل طِوال" والتي سمعتُها من الشيخ رحمه الله أكثر من مرة في سياق المقارنة بين العلماء في العصور المتأخرة وبين علماء السلف الصالح. وأنا أحقّ بها وأجدر في مقامي من سيدي الشيخ تغمّده الله برضوانه وأنزل عليه شآبيب رحمته.

أولاً: أكتب بعضَ ما أعرفه عن شيخنا رحمه الله وفي النفس حَسْرةٌ جامحة على جسامة الخسارة التي ألمّت بالعِلم وبالعالم الإسلامي وليس ذلك من باب التوقّف في قبول قضاء الله تعالى، معاذَ الله، ولكنه أولاً للشعور الطبيعي عند فَقْد الأعزّاء وثانياً: لأن خسارته ليست خسارة شخصية ولكنها خسارة عامة سرعانَ ما يحتاج الخاطرَ بحلولها ظلالُ نبوءات الرسول صلى الله عليه وسلّم: "... حتى إذا لم يبقَ عالمٌ اتخذ الناسُ رؤساءَ جُهّالاً فسُئلوا فأفتَوْا بغير علم فضلّوا وأضلّوا"، و"بين يدي الساعة سنون خَدّاعة ... يتكلّم فيها الرُّوْيَبِضة: التافه يتكلَّم في أمر العامّة".

إنني أستطيع أن أقول من خلال صلتي المباشرة بالشيخ والتلمذة عليه ومرافقتي له وصحبتي لشخصه الكريم طيلة ثلاث سنوات أثناء دراستي في كلية أصول الدين ـ قسم السُّنة وعلومها، بالرياض، فضلاً عن صلة المراسلة والتعلّق بكتبه منذ ما يزيد عن (15) سنة، أستطيع أن أقول: لئن كان الشيخ رحمه الله يشاركه غيره من أهل العلم والدعاة في بعض الخصال بل ربما تميَّز عنه بعضهم ببعض الجوانب العلمية أو الدعوية أو القيادية أو السياسية إلا أن سيدي الشيخ في تقديري قلّ نظيره في تعلُّقه بالعلم واحتراقه في تحصيله والحرص على إتقان تحقيقه وفي حرصه على الأوقات بل اللحظات لئلا تضيع في غير العلم، كما أنه رحمه الله قلّ نظيره في أدبه حتى إن المعاشر له ليتعلم من أدبه تماماً كما يتعلّم من علمه. وفي هذين الجانبين سأحصر كلامي عنه رحمةُ الله عليه مع الحاجة الملحّة إلى ترجمة شاملة لحياته، واستعراض عام لمراحل سيرته، ودراسة تقويمية معمّقة للجوانب الأخرى من نشاطه في المجالات الدعوية والاجتماعية والسياسية، مما يتطلّب تضافر جهود عدد من عارفيه وإخوانه وأقاربه وتلامذته. وسيظل هذا الجهد أمانةً ثقيلة في أعناقهم لا يُعفيهم منها إلا أداؤها.

شواهد تفوّقه في العلم:

كثرة شيوخه:

ومما يشهد لقوّة تعلّقه بالعلم وتفوّقه في تحصيله كثرةُ شيوخه الذين تلقى عنهم فقد بلغوا (180) شيخ على ما أحصاه الأخ الشيد محمد الرشيد النَّجْدي ـ أحد خواصّ تلاميذ الشيخ ـ في كتابه "إمداد الفَتّاح بأسانيد ومرويّات الشيخ عبد الفتاح"، علماً أنهم يتوزعون على مساحة جغرافية مترامية الأطراف من بلاد الشام إلى مصر إلى الحجاز واليمن والهند وباكستان والمغرب، وهذا نادر جداً في عصرنا.

كثرة الكتب التي خدمها:

كما أنه يشهد لذلك كثرة الكتب التي خلّفها ـ ما بين تحقيق وتأليف ـ فقد بلغت حوالَيْ 70 كتاباً من العلم المصفّى المحقَّق الموثّق وليست مجرد كتب إنشاء، وحتى في رسائله الصغيرة مثل "السنّة النبوية وبيان مدلولها الشرعي" أو "منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلّم ما يقع وما لا يقع" أو في مقدماته لكتب غيره مثل مقدمته الحافلة لكتاب "التعليق الممجَّد" أو مقدمته لكتاب "شرح القواعد الفقهية" لا يأتي إلا بالممتع النافع مع التحقيق والتدقيق والإتقان. ولا يخفى على المتتبع لكتبه أنه خصّ عدداً غير قليل منها في موضوعات العلم وتراجم العلماء مما يترجم أصدق ترجمة أحساسيسَه نحو العلم وشدة تعلّقه به وحُرقته على تحصيله، وهي: 1 ـ "صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل"، 2 ـ و"العلماء العُزّاب الذين آثروا العلم على الزواج"، 3 ـ و"قيمة الزمن عند العلماء" والذي ذكر في مقدمته أنه حصيلة (20) سنة من المطالعة والتجميع والانتخاب وأصله كلمة لمدة عشر دقائق ضمن محاضرة مشتركة دعت إليها كلية الشريعة بالرياض!!، 4 ـ و"منهج السلف في السؤال عن العلم"، 5 ـ و"الرسول المعلِّم صلى الله عليه وسلّم وأساليبه في التعليم"، 6 ـ و"تراجم ستّةٍ من فقهاء العالم الإسلامي في القرن الرابع عشر الهجري".

حرصه على اقتناء الكتب ومعرفته الواسعة بمخطوطها ومطبوعها:

ويلمس كلُّ من يعاشر الشيخ أن له حرقةً نادرة قلما نجدها عند كثير من العلماء فضلاً عن طلبة العلم على اقتناء الكتب مما جعله أحد المراجع الهامة في العالم الإسلامي في معرفة الكتب مخطوطِها ومطبوعها، ولقد رافقته في بعض الزيارات إلى بعض المعارض وعاينتُ بنفسي نَهَمَه على اقتناء الكتب حتى ولو كانت عنده إذا اختلفت طبعاتها.

والجدير ذكره أنه يحرص على اقتناء الكتب في مختلف فروع الثقافة الإسلامية والعامة، ومن يقرأ في مقدمة كتابه "صفحات من صبر العلماء" كلامَه عن عجائب المخلوقات والكتب المؤلفة في ذلك والأخبار التي التقطها من مصادر شتى يدهش لهذا التنوّع والغزارة والتتبُّع عنده رحمه الله ونفع بعلمه. كما أن له قصة من أطراف القصص وأغربها وأدلّها على ولعه بكتب العلم مع كتاب "فتح باب العناية" سَجَّلها في مقدمة تحقيقه للجزء الأول منه كما سَجَّلها الدكتور السباعي رحمه الله في الجزء الثاني من كتابه "القلائد من فرائد الفوائد" جديرٌ بكل طالب علم أن يقرأ خبرها لعلها تكون مِهْمازاً له.

مكتبته الضخمة:

وبهذه الحرقة وهذه النَّهْمة تكوّنت للشيخ مكتبة ضخمة قلّ أن يملك مثلَها أفرادٌ، وقد ذكر أحد أعرف تلاميذه به فضيلة شيخنا الأستاذ محمد عوّامة ـ فيما كتبه عن الجانب العلمي في حياة الشيخ رحمه الله وأرسله إليّ مشكوراً ـ أن إذاعة الرياض أجرت معه رحمه الله قبل نحو عشرين سنة مقابلة، سئل فيها عن مكتبته فصرّح بعد إلحاحٍ أنها تضمّ عشرين ألف مجلد!!. هذا في ذلك الوقت فكم يُقَدِّر حجمُها الآن؟!

حرصه على تحقيق مسائل العلم وإتقان البحث:

ومما يتصل بحب الشيخ للعلم وتفوُّقه في تحصيله حرصُه على تحقيق مسائله وإتقان البحث فيها والتدقيق في تجليتها وضبطها مما يُهمله كثير من العلماء في عصرنا ـ للأسف الشديد ـ ثم لا تقف ظاهرة الإهمال هذه عند حدّ التهاون في ضبط الكلمة وتحقيق معناها، بل تتعدّاها إلى التهاون في الفتاوى وتحقيق الحكم الشرعي فيقع الناس في الخبط وتكثر الفوضى في العلم. أما سيدي الشيخ رحمه الله فيكتب صفحات طويلة مثلاً ـ وهي عندي بخط يده الجميل المنسَّق المرتَّب ـ في الفرق بين الوَهْم والوَهَم، وكذلك كتب صفحات طويلة في كتابه "الإسناد من الدين" من ص 51 إلى ص 74 من أجل تتبُّع التحريف الذي وقع في كلمة واحدة فقط من عبارة للإمام عبد الله بن المبارك في فضل الإسناد، ونجد هذا النَّفَس في الاستقصاء والتتبُّع فيما كتبه ابتداءً في تعليقةٍ ثم أخرجه في رسالة حول مسألة خلق القرآن وأثرها في صفوف الرواة والمحدثين وكتب الجرح والتعديل.

تحسُّسه لأمانة العلم:

ولقد شهدت هذه الحادثة الدالّة على علوّ همّته وتحسّسه لأمانة العلم، وهي أنه رحمه الله أثناء حضورنا عليه قراءة كتاب "شرح ألفية العراقي" غاب مرتين متتاليتين بسبب السفر ثم حضر في المرة الثالثة فأخبرنا رحمه الله ـ وهو من هو في علم المصطلح!! ـ أنّه حضّر الدرس قبل مجيئه إلينا للمرة الثالثة!! وما كان للشيخ رحمه الله تعالى ـ في ظني ـ لِيَتَأتّى له ذلك كلُّه لولا توفيقُ الله الذي هو مفتاح الخير كلِّه ثم حرصُه البالغ على استثمار الوقت، وهو ما يفسِّر نبوغَه وتفوُّقَه وكثرةَ إنتاجه، مع الأخذ بالاعتبار مشاغل الشيخ الدعوية ومسؤولياته التنظيمية في العمل الإسلامي مما لا نجده عند السّواد الأعظم من المشتغلين بالعلم حيث يعتزلون العمل الدعوي ويتخفِّفون من حمل هموم المسلمين للأسف الشديد، بل لقد كان رحمه الله صارماً في استثمار وقته صرامة وصيّة الشاعر:

كن صارماً كالوقت فالمقتُ في (عسى) وإياك (علاّ) فهي أخطر علّة

استفادته من وقته:

وحياته رحمه الله ترجمة صادقة لما كتبه في كتابه النافع الماتع: "قيمة الزمن عنده العلماء" الذي يجدر بكل عالم وطالب علم أن ينكبّ على قراءته والتمعُّن فيه مرة بعد مرة، كما يجدر بكل مسلم اقتناؤه وقراءتُه ليتعرّف على سرّ عظمة الحضارة الإسلامية وليفهم لُغْز تفوّق علماء السلف وفضلهم على الخلف.

والشيخ في مجال استفادته من وقته في الانكباب على العلم نادرٌ عُجَاب، فما دخلت عليه مرة إلا كان موضوعَ الجلسة (العلم) قراءةً أو مناقشةً أو مذاكرة، وكثيراً ما كنت أدخل إلى غرفته والكتب التي يشتغل بها مفتوحة مفروشة مملوءة بها الغرفة.

ولقد حدثني الأخ المحامي الطبيب الدكتور فؤاد العريس أنه قبل سنوات وكان لا يزال يتخصص في الطب في باريس جاء الشيخ رحمه الله إليها للمعالجة في عيونه وكان معه أستاذه العلاّمة الفقيه الشيخ مصطفى الزرقاء، فكان الأخ يرافق الشيخ أحياناً إلى المركز الطبي وفي السيارة يُخرج الشيخ كتاباً ويسلّمه إياه ويطلب منه أن يقرأ له بسبب ضعف بصره، بل أعجب من ذلك أنه أثناء معاينته للجهاز الذي كان يبحث عنه لاقتنائه ـ وكان من مزاياه أنه تُدخَل فيه الورقة فيُكبِّر حروف كلماتها أضعافاً مضاعفة ـ كان رحمه الله ينتهز الفرصة كلما واتت فيُخرج الكتاب ويُدخله في الجهاز ويستفيد ولو من لحظات للقراءة فيه.

مزايا علمه:

المزية الأولى: سَعَته وتنوّعه ولقد جاء في ثنايا كلامي ما يدل عليها.

المزية الثانية: حرصُه على التحقيق والإتقان فيه ولقد ذكرت العديد من الأمثلة على ذلك.

لآ تفوّقه في علم مصطلح الحديث وتجديده، فلقد كان للشيخ رحمه الله اهتمامٌ خاص بهذا العلم ذلّل صعابه وخاض في عويص مسائله وحلّ معضلاته، وما تهيَّب من تحقيق أصعب المسائل فيه.

ولقد عشت حوالَيْ شهر مع آخر كتاب حققه الشيخ رحمه الله في هذا العلم ونشره العام الماضي وهو من أوسع كتب المصطلح وهو كتاب "ظفر الأماني" للإمام اللَّكْنَوِي وقبله كتاب العلاّمة طاهر الجزائري "توجيه النظر إلى أصول الأثر" حيث كلفني الشيخ بقراءتهما قبل دفعهما للطباعة فأتى الشيخ فيهما بكل ظريف طريف وضمّنهما تحقيقات ماتعة رائعة مُدهشة تشهد لرسوخه في هذا العلم وإتقانه له. ومما يدل على ذلك أيضاً أنه حقق (12) كتاباً من كتب هذا العلم و(12) رسالة، كما ألّف هو في بعض مباحثه كتاب "لمحات من تاريخ السُّنّة وعلوم الحديث" بالإضافة إلى أربع رسائل متنوّعة في علوم الحديث.

المزية الرابعة: إنصافه واستفادته من الجميع، فهو غير متعصِّب إلا لما يراه صواباً، ويحرص على أن يدور مع الحق والدليل حسبما يرى، ولذلك أخذ من شيوخ متعدِّدي المشارب العلمية. ولكنه مع إنصافه لا يُحابي في دين الله ولكنْ بأدب جمّ وتواضع مع شيوخه وإخوانه وكالأسد الهصور مع أعداء الدين. فنجده يخالف شيخه العلاّمة مصطفى الزرقاء في بعض الفتاوى مع أنه شديد الاعتداد به والإعجاب بعقليته، ونجده يخالف شيخه العلاّمة محمد زاهد الكوثري في جفوته لابن تيمية وابن القيّم ويحقّق رسالتين للأول وكتاباً للثاني بإعجابٍ بهما وثناء وترحُّم عليهما مع أنه يخالفهما في عدد من المسائل في الأصول والفروع، ولا تخفى منزلة الكوثري رحمه الله عنده وأثره فيه، وحدثني مراراً عن < SPAN> بعض تساهلات العلامة الفقيه القرضاوي في فتاويه وأنه في أحد المؤتمرات ردّ عليه علناً في مسألة مصافحة المرأة حيث يُجيزها القرضاوي مع أنهما من مدرسة فكرية وحركية واحدة. كما نجد أنه في سياق إشادته بشيخه العلاّمة المحدّث أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه لكتاب "تصحيح الكتب وصنع الفهارس" يبيِّن في التعليقة أن شيخه مجانب للصواب في كتابه "نظام الطلاق في الإسلام".

وفي المقابل يكتب بلغة صارمة ضد مفسدي الدين وأعدائه فيتحدث ـ مثلاً ـ في كتابه "لمحات" عن المتملِّقين للحكام بالباطل في كل عصر ومِصْر، وأنهم مرض وخيم في جسم الأمة وبلاء عظيم في حياتها وقال فيهم: فاقدو الذمة، في دينهم رِقّةٌ وضَعْف، يحبون دنياهم ويؤثرونها على دينهم... ويقدمون لهم ـ بحسب ذمتهم ـ من النصوص الشرعية ما يؤيدهم فيما هم عليه من ظلم أو لهو أو بطالة أو فساد.

وفي ثنايا ترجمته الحافلة الواسعة لعبقريّ الزمان والمدافع عن الإسلام في وجه الكمالية العلمانية: سعيد النُّوْرْسي، وذلك في كتابه "العلماء العُزّاب" رمى رحمه الله سهامَه الحادّة صوب صدر الطّاغوت آتاتورك ـ كما وصفه ـ والكماليين والعلمانيين. فجزاه الله عن أدبه وإنصافه خيراً وعوّضه عن غَيْرته وكفاحه من ثواب المجاهدين ذُخرا

العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة قل نظيره في علمه وأدبه(2).

بعد الكلام عن علم شيخنا ـ رحمه الله وأثابه رضاه ـ في العدد السابق أتحدّث في هذا العدد عن أدبه الجمّ الذي يستذكر به جليسُه سِيَرَ وأخلاقَ الصالحين من السلف الكرام رضي الله تعالى عنهم.

وأنا لا أتحدث عن مستوىً من الأدب الذي لا بد أن يتوفّر في العلماء والدعاة، وإنما أتحدث عن مستوى متفوِّقٍ فريدٍ قلّ نظيره بين علماء عصرنا ـ فيما أعلم ولا أزكي على الله أحداً ـ إلى الحدّ الذي يأسر به الشيخ رحمة الله عليه جليسَه ويأخذ بمجامع إعجابه فيِنتقل إلى عالَمٍ آخرَ لا نعهده حتى في مجالس كثير من العلماء فضلاً عن مجالس مشايخ السوء الذين لا همّ لهم إلا النفاق والتزلُّف ولا حديث لهم إلا في المناصب والمكاسب.

وينطبق على سيدي الشيخ رحمه الله ما كتبه هو في إحدى تعليقاته الحافلة المغذِّية المحفِّزة على "رسالة المسترشدين" للإمام المحاسبي ـ ص 102 من الطبعة الثامنة ـ حيث يقول: "ورؤية الرجل الصالح القدوة إنما تذكِّر بالله، لما يُرى عليه من النور والإشراق، والأُنس والطمأنينة، والمحبة والسكينة، في سَمْته وهيئته وخَشْعته، في نُطْقه وصَمْته وإطراقه وحركته وسكونه وكل شؤونه، فلا ينظره ناظر إلا كان نَظَرُهُ إليه مُذكِّراً له بالله وكانت صورته مُوجِّهة له للإقبال على الله، أولئك الذين إذا رُؤُوا ذُكر الله".

وكلُّ مَنْ رأى الشيخ رحمه الله عليه يعرف أنه مَهيبُ الطلعة، ناهضُ القامة، منوَّر الوجه، كَسَاهُ الشَّيْب إشراقاً ووقاراً، وانعكس اشتغاله بذكر الله وإجلاله وتعظيمه على وجهه صفاءً واستبشاراً، ولا أبالغ إذا قلت: إنه رحمه الله تُذكِّر بالله رؤيتُه ويَنْهض بجليسه حالُه ومقالُه.

اعتناؤه التامّ بالأدب تعليماً وتطبيقاً:

ولقد تأتّى للشيخ رحمه الله ذلك من اعتنائه التامّ بالأدب حتى لكأنّ (الأدب) يتقاطر منه، وليس هذا الكلام من قبيل المبالغات والمجازفات فلست ـ بفضل الله تعالى ـ ممن يحبّ المبالغات في حقِّ الشيوخ ولا ممن يقدِّسونهم، بل أذكر ذلك وأرى أنّ هذه النظرة من قِبَل بعض طلاب العلم وتلاميذ الشيوخ انحراف عن سَنن التربية الإسلامية، ومؤشِّر للتخلُّف وللجمود والانهزامية، يستغلّها تجارُ المَشْيَخة أبشع استغلال في تعظيم ذواتهم أو الانحراف بتلاميذهم في الولاء للباطل وتمجيد الطواغيت.

واعتناؤه التامّ بالأدب يظهر فيما بثّه في كتبه العديدة من الإشادة بأدب السلف وسرد حكايات أدبهم، ومن يلحظ هذا الجانب من اهتمام الشيخ رحمه الله يشهد لبراعته ومهارته في انتقاء روائع أخبار أدب العلماء والصالحين.

فالشيخ رحمه الله كتب رسالةً ماتعة ممتعة بعنوان (من أدب الإسلام) ضمّنها جملة من الآداب، وقال في أوائلها: "وهذه الآداب المذكورة هنا من لُباب الشريعة ومقاصدها، فليس معنى تسميتها (آداباً) أنها على طَرَف الحياة والسلوك يُخَيَّر الإنسانُ في فعلها وتركها،أو الأَوْلى فعلُها. قال الإمام القَرَافي في كتابه "الفروق" وهو يتحدث عن موقع الأدب من العمل وبيان أنه مقدَّم في الرتبة عليه: واعلم أن قليل الأدب خير من كثير من العمل، ولذلك قال رُوَيْم ـ العالمُ الصالحُ ـ لابنه: يا بُنَيَ اجعلْ عملَك مِلْحاً وأدبكَ دقيقاً. أي استكثر من الأدب حتى تكونَ نسبته في الكثرة نسبةَ الدقيق إلى الملح في العجين".

فأين هذا مما عليه أهل الأهواء المنافقهون الذين ينسُبُون أنفسهم إلى العلم ويتظاهرون بالحرص على نشر العلم الضروري (!!) وهم محرومون من بهاء العبادة وبركة الالتزام بالسُّنّة وفقه (الولاء والبَرَاء) ولا أدب عندهم مع العلماء، بل دأبهم التطاول عليهم وتكفير أهل السابقة منهم في مَيْدان الجهاد وقول الحق وجرأة المناداة بتحكيم الشريعة الإسلامية؟!!

وكذلك له ـ رحمه الله ـ كنوز منثورة من حكايات الأدب الرفيع والخُلُق النبيل عن الصالحين والعلماء الربانيين تطفح بها تعليقاته على "رسالة المسترشدين" للإمام المربِّي الحارث المحاسبي، بالإضافة إلى اعتنائه بنشر قصيدة (عنوان الحِكَم) لأبي الفتح البُسْتي وهي من غُرَر القصائد في الآداب والأخلاق والنصائح الحكيمة الغالية. هذا كله من حيث الاعتناء بالتعليم، أما التطبيق فيظهر في شخصية الشيخ في مختلف جوانبها:

1 ـ أدبه مع الله تعالى:

في كثرة ذكره له سبحانه وتعالى، حتى إنني أتذكر الآن أثناء كتابتي هذه السطور تلك الأوقات المباركة التي كنتُ أقضيها معه أثناء اصطحابه رحمه الله تعالى في بعض الأحيان بسيّارتي من (الدُّخنة) إلى مكان الدرس في (العُلَيّا) في الرياض أثناء حضوري عليه قراءة: (ترجمة الإمام مسلم) من سِيَر أعلام النُّبَلاء للإمام الذهبي، ثم (مقدمة صحيح مسلم)، ثم (مقدمة ابن الصلاح)، ثم (شرح ألفية العراقي)، فكان ـ رحمه الله وأغدق عليه رضوانه ـ إذا لم نتباحث بالعلم يلهج لسانُه بالأذكار ولا يَفْتُر عن الثناء على الله وتعظيمه. وتعبيراً عن حرصه على الأدب عند ذكر الله تعالى كتب تعليقة طويلة على "رسالة المسترشدين" ـ ابتداءً من الصفحة 112 من الطبعة الثامنة ـ حول أدب ذكر الله والتحذير من بِدَع الذكر والتي منها بدعة أولئك الذين "يذكرون اسم الله سبحانه، في أوّلِ دَوَرانِ حلقاتهم بلفظٍ هادىء مفهوم ثم يُسرعون بالذكر والخَلْع والوثب حتى لا يُفْهَم عنهم ما يقولون! فما هي إلا أصوات تنخفض وترتفع، وأنفاس مبهورة تشتدّ وتندفع، وترتفع، وأنفاس مبهورة تشتدّ وتندفع، وهمهمة تتردَّد، وحركات تتجدّد، ويَعُدّون ذلك ذكراً لله! فإنا لله ـ من قلة الأدب مع الله ـ وإن إليه راجعون" كما قال بالحرف رحمه الله.

بالإضافة إلى بكائه إذا ذُكِّر بالله أو غَيْرة على حرمات الله أو إذا سمع كلماتِ مدح وثناء. والذي يعرف الشيخ رحمه الله تعالى لا يستغرب وصفى له بأنه (بكّاء سريع الدَّمعة)، وفي ذاكرتي العديد من الذكريات ولكن أقتصر هنا على قصتين:

الأولى: عندما حضرت شريط فيديو تكريمه الذي حصل في (اثنينية) السَّرِي السعودي عبد المقصود خوجة بتاريخ 14/11/1414 في جُدّة استمعت إلى قصيدة لشاعر المدينة المنوّرة ـ لحلبيّ الأصل ـ محمد ضياء الدين الصّابوني يُعدِّد فيها مزايا الشيخ ويُثني عليه وعلى مقامه العلمي الرفيع حتى شبّهه بالإمام أبي حنيفة فما كان من الشيخ رحمه الله إلا أن انفعل وغضب وأبدى بعد إلقاء القصيدة عدم رضاه عن هذا التشبيه وأنه دون ذلك بكثير واغرورقت عيناه بالدمع ـ لا مسَّتْهما النار إن شاء الله، اللهم آمين ـ.

والثانية: ما قرأته في الحوار الذي أجرته مجلة المجتمع معه قبل وفاته ـ طيّب الله ثراه وجعل الجنة متقلَّبَهُ ومَثْواه ـ، ثم نَشَرَتْه في 25 شوال/1417 هـ، العدد 1240، حيث نقل محاوِرُه كلامَه رحمه الله عن أحد الحُكّام الصالحين وهو الملك نور الدين الذي كان يُدني العلماء من مجلسه كلَّ يوم ويُقْرَأ الحديث فيه، ولمّا حُوصرت مدينة (دِمْياط) من قِبَل الفرنج وكان في مجلسه صديقُه العالم المحدّث عمر بن بدر المَوْصلي رحمه الله، فقرأ عليه الحديث المسلسل بالتبسُّم ـ أي كل من رواه من الرواة تبسَّم فصار مُسَلْسَلاً بالتبسُّم ـ وطلب هذا العالم من الملك أن يبتسم حتى يستمرّ تسلسلُ التبسُّم في الحديث قال له الملك: لا أتبسّم! فسأله: لماذا؟ قال: كيف أتبسّم و(دمياط) مُحاصَرَة من الفرنج؟!

هنا قال محاوِرُه الصحفي: تأثّر الشيخ عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله بموقف الرواية وسال دمعه!! فسبحان الله! ما أندر هؤلاء العلماء الصالحين الغياري على دين الله! وما أفدح خسارتهم! أما مَوْتى القلوب وعبيد المناصب الذين لا ينبض منهم عِرْق غَيْرةً على دين الله فما أحراهم بالاستيقاظ من غفلتهم وأما أنت يا سيدي الشيخ فطِبْ مُقاماً في مثواك المبارك قريرَ العين.

ومن شواهد أدبه مع الله: تحرِّيه الشديد في العبارات التي تُقال في جَنْب الله عزّ وعلا، حتى كتب مقالةً مشهورةً منشورةً في مجلّة الأمّة القطرية بعنوان (تعبيرات خاطئة في جنب الله) تتبّع فيها بعض الأخطاء الشائعة في كتابات بعض العلماء والكُتّاب مما لا يليق بالله تعالى، كما أنّ له فتوى مشهورة ـ ألحقها بكتاب رسالة المسترشدين ـ في عدم مشروعية قول الذاكر: "الحمد لله حمداً يُوافي نِعَمَه ويُكافىء مزيده" لأنه لم يثبت نقلاً ولا يصح معنىً إذ ليس أحد من الناس يكون حَمْدُه بالغاً نِعَم الله عليه ولا مكافئاً لمزيد فضله إليه.

وبالمناسبة ونصيحة للقراء والقارئات أنبِّه إلى أنه لا يجوز قول: العصمة لله، وإنما نقول: الكمال لله، أما العصمة فهي للأنبياء، ولا يجوز قول: عدد كمال لله، كما أفتى بذلك عدد من كبار محقّقي العلماء، وكذلك لا يجوز قول: أعشق الله أو رسول الله، علماً أن (العشق) لم يَرِد في القرآن ولا في كتب الحديث الستة ولا في مسند الإمام أحمد إلا في موضع واحد فيه في حقّ العابد الذي عشق امرأة.

2 ـ أدبه مع العلماء:

والشيخ مؤدَّب غاية الأدب مع العلماء، وعلى رأسهم سيِّدُ العلماء سيِّدُنا محمد صلى الله عليه وسلّم ثم أصحابه السادة العلماء ثم علماء السلف رضي الله عنهم، وما أروع ما كتبه وقرّره في رِفْعة مقام النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم وشَرَف منزلته وعدالة صحابته وتأثرهم بتربيته في تعليقه على "رسالة المسترشدين" ـ ص 18 و19 ـ وأسهب فيه في كتابه "لمحات من تاريخ السّنة وعلوم الحديث" ـ من ص 33 إلى ص 55 من طبعة دار البشائر الإسلامية الرابعة الجديدة ـ، فَلْيُقْرَأ فإنه من العلم النافع والتحقيق النادر.

ويقول رحمه الله في تعليله اكتساب الصحابة الكرام الصلاح والأدب والتقوى من جرّاء صحبة النَّبيّ صلى الله عليه وسلّم: "إذا رأى أحدُنا في هذه الأزمنة المتأخّرة عالماً صالحاً تقياً صارت رؤيتُه له ـ ولو لحظةً أو دقائقَ معدودةً ـ غِذاءً يتطعّمُهُ يتمطَّق بطعمه طول حياته، ويدفَعُه إلى الخير والطاعة كلما ذكره، فكيف برؤية سيّد الخلق والأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلّم فِداه أبي وأمّي. وإنما أطلتُ بعضَ الشيء في بيان فضل (الصُّحبة الشريفة) لأن هذا الموضوع ـ بتكدُّر العقول والقلوب بالأفكار الضالّة ـ صار ضامراً في أذهان بعض الناس اليوم فاقتضى مني الإطالة" انتهى كلامه رحمه الله. وكتابه الطّريف "الرسول المعلِّم صلى الله عليه وسلّم وأساليبه في التعليم" مرآة صافية لأدبه العالي الرفيع مع جناب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

ومن شواهد أدبه مع السلف الصالح وغَيْرته عليهم: أنه لمّا خشي أن يظن القارىء مما أورده من أخبار العلماء الفحول في سَعَة علمهم وكثرة مؤلَّفاتهم في كتابه "قيمة الزمن عند العلماء" أنهم أعلم من السلف، كتبَ أكثر من صفحتين ـ ابتداءً من ص 90 من الطبعة الخامسة ـ في بيان أفضلية السلف وأعلميتّهم.

أما أدبه مع شيوخه فعَجبٌ عُجاب، إذ لا يذكرهم إلا مع الترحُّم عليهم والدعاء لهم مطبِّقاً وصية الإمام الفقيه العابد العلاّمة أبي محمد رِزق الله التميمي الحنبلي المتوفَّى عام 488 هـ حيث يقول: (يَقْبُحُ بكم أن تستفيدوا منا ثم تذكرونا ولا تترحّموا علينا).

فمثلاً من دقائق أدبه مع شيوخه ما حدثني به الأخ الأثير، الداعية الطبيب، الدكتور فؤاد العريس من أن الشيخ رحمه الله عندما جاء إلى باريس طلباً للعلاج ـ كما في القصة التي نقلتُها عنه حفظه الله ـ كان بصحبة شيخه العلاّمة فقيه العصر مصطفى الزَّرقاء، وكانا ينزلان في أحد فناق باريس، فكان يزورهما الأخ في غرفتهما فيرى من أدب الشيخ رحمه الله ولُطفه مع شيخه وخدمته له ما يُدهش!! ومن ذلك أنه كان يسابق شيخه للإتيان بنعليه وصَفِّهما قرب سريره مع أنه كان في سنّ يقارب الخامسة والسبعين.

ولا يُسْرِعَنّ إلى ذهن القاىء أن الشيخ الزرقاء من أولئك مُمْتَهِني المشيخة الذين يستذلّون تلاميذهم في خدمتهم أو مدّ يدهم لتقبيلها ولو قبل قدوم أحدهم بُعْد أمتار أو مدّ رجلَيْهم لخلع الحذاء أو إلباس الجَوْرَبَيْن... ولا سيِّدي الشيخ من أولئك السُّذّج المخدَّرين... كل ما هنالك: أدب من التلميذ بمبادرةٍ منه للإكرام والوفاء بالجميل مع تحفُّظ العالِم وامتناعه وخَجَله. بل أقول: إن شيخنا ـ يَشْهَدُ اللهُ ـ كان إذا ما أقدم أحِدُنا بعد غياب طويل عنه ليقبّل يده ـ علماً أنه بالنسبة لنا كالجَدّ ـ جذبها ممتنعاً بشدّة.

ومن شواهد أدبه أيضاً: أنه كان يُقْبل بلهفة لتقبيل يد من يعرف فيهم العلم والفضل والصلاح كما رأيت بعينَيَّ في إحدى المرات ـ على ما أذكر ـ في مشهد من أروع مشاهد الأدب والتواضع إقبالَه بشَغَف عندما قابل في أحد ممرات كلية أصول الدين شيخنا العلامة الصالح المنوّر عضو جماعة كبار العلماء في مصر الشيخ محمد عبد الوهاب البُحَيْري ليقبّل يده، رحمة الله عليهما ونوّر مرقَدَيْهما.

ولشدة اهتمام الشيخ رحمه الله بضرورة الاعتناء بالأدب مع الشيوخ كتب صفحات طويلةً في تقدمته الثانية لرسالة المسترشدين، فيها غُرَر من الفوائد وروائعُ من الحكايات والفوائد، فلْتُقْرَأ فإنها من الغنائم. ولكن أذكر من هذه الروائع واحدةً مما انتقاه الشيخ رحمه الله تعالى وهي قصة الإمام الجليل إمام أهل السنة أحمد بنِ حنبل عندما كان متّكئاً من مرضٍ ولما ذُكر عنده إبراهيم بن طَهْمان ـ أحد العلماء الصُّلَحاء ـ استوى جالساً وقال: (لا ينبغي أن يُذكر الصالحون ونحن متّكئون).

3 ـ متفرّقات من أدبه المُدْهش:

وبما أن صفحات أدب الشيخ رحمه الله هي سِجِلُّ حياته كلِّها لا يتّسع المقام لسردها جميعها، فضلاً عن أنّ ما أعرفه نقطة من بحر ما يعرفه عنه عارفوه ممن أطالوا صحبته وعلى رأسهم تلميذه الأجلّ شيخنا العلاّمة محمد عوّامة الذي تمتّد صلتُه به واستفادته منه حوالَيْ أربعين سنة وأخي الغالي الأثير العالِم الداعية الشيخ مجد مكي، والأخ الشيخ محمد الرشيد، بالإضافة إلى سائر عارفيه وخاصة أهله، مما يستحقُّ أن يُجمع لإحياء خُلُق (الأدب) المفقود في حياة أكثر المسلمين اليوم. فما أكثر العقوقَ حتى مع الآباء والأمهات! وما أبشعَ الخياناتِ حتى مع الأصدقاء والأقرباء! وما أوسعَ انتشارَ الكذب حتى في صفوف المتصدِّرين للدعوة! وما أسهلَ على كثير من المتديِّنين وأصحاب العمائم التفريطَ حتى بأمانة الكلمة وأمانة الموعد وأمانة المال فضلاً عن أمانة نشر العلم وإقامة الدين والدعوة إلى الله! فإلى الله المشتكي وأعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر، ومن الخيانة بعد الاستقامة، ومن الخذلان بعد السداد.

وإذا كان ما لا يُدرك كله لا يُترك قُلُّه فإنني أختم الكلام عن أدبه الجمّ بهذه الأخبار المُدْهشات:

القصة الثالثة التي حَدّثنيها الأخ الطبيب فؤاد العريس، وهي أنه أثناء صحبته للشيخ رحمه الله في باريس طلب شيخنا معرفةَ مكان إقامة الدكتور العلاّمة محمد حميد الله الهندي الذي يَعرف عنه أنه مقيم في باريس وبعد لأي ومشقّة وطول سؤال اهتدَى الشيخ رحمه ومَنْ معه من الشباب إلى منزل هذا العالِم الهندي الذي يُؤثر العُزْلة ويُقيم مع كتبه للبحث العلمي في منزلٍ متواضع جداً على سطح مبنى قديم رقم 6 في شارع لوكسمور في باريس، فصعِدوا إليه فإذا به يعيش حياةً زُهدٍ وتَقَشُّف يشغل وقته في العلم والعبادة، ولوحظ أن الدكتور حميد الله سَمْعَه ضعيفٌ جداً ومن جهته الشيخ رحمه الله يعاني من ضعف بصره، فصارا يتخاطبان بصعوبة ويستعين الشيخ بالإشارات، وإذا بالأخ يُدرك أن الشيخ رحمه الله ما تكبّد هذه المشقات وألحّ على السؤال عن مكان إقامة هذا العالم الهندي إلا ليشكره على خدمةٍ أسداها إليه قبل أكثر من عشر سنوات تتعلّق بإحدى المخطوطات. ولما لم يكن الأخ الدكتور ضابطاً لتفاصيل الموضوع إذ مضى على الحادثة أكثر من ستّ سنوات وأنا عالق في ذهني أن الشيخ رحمه الله سَجّل هذه الخدمة في أحد كتبه رجعتُ إلى عددٍ منها أقلِّب صفحاتها حتى عثرتُ على الخبر في مقدمته لكتاب "الموقظة" للإمام الذهبي رحمه الله حيث يقول عن نسخة الكتاب الموجودة في المكتبة الوطنية بباريس ما يلي: (وكنتُ رجوتُ من الصديق المفضال العلاّمة الدكتور محمد حميد الله، المقيم في باريس حفظه الله تعالى ورعاه، أن يتكرّم فيصوِّرها لي، فوجد أمر التصوير يتأخّر قليلاً، فتفضّل بنسخها لي بقلمه وخطّه ثم قابلها بالأصل، وأثبتَ عليها ما على حواشي الأصل من تعليقات وبعث بها إليّ مشكوراً متكرّماً في 18 ذي الحجّة 1399، فله أجزل الشكر والثناء والتقدير على هذه المساعدة العلمية الكريمة). هذا ما كتبه في مقدمة الكتاب مؤرَّخاً في 23 من شوال 1404 هـ. ومشتملاً على الشكر، ومع ذلك وبعد حوالَيْ اثنَتَيْ عَشْرة سنة ينتهز فرصة وجوده في باريس ويُلح على مقابلة الدكتور حميد الله ولو تكبّد المشاق وعلى كِبَر سنّه وانشغاله بالعلاج، فقط ليُسدي له الشكر. الله أكبر ما أندر هذا الوفاء! وما أعزّ هذه الأخلاق! وما أقسى قلوب كثير منا بطغيان حب الدنيا والجاه وغلَبَة الحسد عليها حتى من أناس نعيش معهم سنوات طويلة ونظنّهم من المقرَّبين ومن أخصّ المحبِّين فإذا بالحقيقة تتكشف ويفتضح فيهم خُلُق التعامل بوجهين، وتكشف الأيام عن انطواء قلوبهم على داء الحسد المقيت فلا يراعون ليس فقط وُدّ لحظة ـ كما يَفترض الإمام الشافعي في أخلاق الأحرار ـ بل وُدّ سنوات ورفقة عمر في العلم أو في طريق الدعوة. فإلى الله المشتكى.

قصة أخرى تدلّ على تواضعه وهضم نفسه. فقد دعوتُه مرة إلى الطعام في منزلي في الرياض في السكن الجامعي للمتزوِّجين في (الدخنة) وهو الحيّ الذي كان يسكن هو فيه أيضاً، فدق الباب بمنتهى اللطف وسألَتْ أهلي: من؟ فإذا صوت الشيخ الرقيق: عبد الفتّاح. هكذا وحسب، من دون ألقاب ولا فخفخات. فأسرعتُ إلى الباب وفتحتُه فدُهشت أنه وحده لا خادم ولا مرافق وهو مَن هو في علمه ومكانته القيادية في العمل الإسلامي!!

ومقابل هذا الأدب الجمّ والتواضع الرائع كم يستاء أحدنا عندما يشاهد في أوساط طلاب العلم المتبدئين وبعض المعمَّمين الذين هم في العلم لا في العِير ولا في النَّفير كما يُقال: إسراعَهم في لُبْس زِيّ المشيخة الرسمي (الجُبّة والطربوش الأحمر تلفّه العِمامة) ثم إذا عرّفك أحدهم عن نفسه على الهاتف أو فيما يكتب إليك فلا بد من أن يذكر (الشيخ) فلان!! بل أحياناً (فضيلة الشيخ) فلان، وإنني لتتملَكني الدهشة من أدب الشيخ رحمه الله وتواضعه أنه طوال سنوات تعرُّفي عليه وفي كل رسائله إليّ ومكالماتِهِ الهاتفية لم أسمع منه ولم يكتب إليّ ولا مرة (الشيخ عبد الفتاح).

بل لما كتب إليه شيخه العلاّمة العالم الصالح أحد أئمة العصر مفتي مصر سابقاً ـ أيام كان يتولى منصب الإفتاء فيها الأئمة العلماء الصالحون!! ـ فضيلة الشيخ حَسَنَيْن مخلوف تقريظاً لخدمته رسالة المسترشدين وافتتحه بقوله: (إلى أخي وصديقي الأستاذ العلاّمة المحقق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة أدام الله توفيقه)، فإذا بسيدي الشيخ رحمه الله يعلّق أسفل الصفحة: (قال عبد الفتّاح: هذا من تواضع شيخنا وسُمُوِّ أخلاقه العالية الرفيعة فإني منه بمنزلة الوليد من الجَدّ المجيد...) فرَحَمات الله عليه ما أروع أدبَه!!

وبعد، فهذا غيض من فيضِ أدب الشيخ، ولا أدري إن كنتُ نجحتُ في التعريف بنزرٍ من أدبه الرفيع، وفي تمكين القراء والقارئات الذين لم يتشرفوا بصحبة الشيخ رحمه الله من تخيُّل طَيْفٍ من هذه الشخصية العظيمة في جانبها العلمي وجانبها الأدبي، وإن كان لا يزال عندي كلام كثير في جانب مهم من أدب الشيخ رحمه الله وهو ذوقه الرفيع وحسُّه الرقيق الرفيق في النظافة والضيافة، وفي الترتيب واختيار الألوان وتناسق الأشياء، وفي عنايته الفنية والجمالية بكتبه، وفي اهتمامه بالكتاب وأدبه معه مما لا أعرفه إلا عند شيخٍ آخر من شيوخي رحمهم الله: شيخ القُراء في لبنان العلاّمة حسن دمشقية، وفي مَلْبسه وأناقته من دون اختيال ولا بطر، وفي مخاطباته ورسائله، مما لا يَسَع العارف بذلك كلِّه إلا أن يعترف أنه فضل الله وتوفيقه، وآية من آيات عظمة دينه الذي يطبع الصادق المخلص فيه بهذا الطابَع النموذجي الفريد الذي يرفع الرأس ويُظهر عظمة الإسلام، ويكشف سرَّ دخول الناس في تاريخنا المجيد أفواجاً في دين الله.

فاللهم أعظِمْ لشيخنا ثوابَه، ولا تحرمنا أجره، ولا تفتنّا بعدَه، وأخلُفْنا مثلَه، إنك وليُّ ذلك والقادرُ عليه، اللهم آمين.

انظر في ركن العلماء في هذا الموقع:

نماذج من رسائل العلماء وأدبهم العلمي

فيه ست رسائل من الشيخ عبد الفتاح أبو غدة

لبعض شيوخه، جمعها ورتبها وقدَّم لها الأستاذ: مجد مكي.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات