السبت 16 رجب 1442 - 27 فبراير 2021

الأسر العلمية الحلبية

الاثنين 3 رجب 1442 - 15 فبراير 2021 160 كاتب الترجمة : محمد عدنان كاتبي
الأسر العلمية الحلبية

ببسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدي رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد

عنوان محاضرتنا سلاسل الذهب من الأسر العلمية التي تزينت بها حلب

وهذا عنوان كتاب بدأت بالإعداد له منذ أكثر من عشرين عاماً يومها كنت أترجم للشيخ مصظفى الزرقا ـ رحمه الله ـ في كتابي (علماء من حلب في القرن الرابع عشر) وحينها قرأت في مقدمة كتاب (فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا) الذي اعتنى به الشيخ مجد مكي ـ حفظه الله ـ، وقد أطلق شيخنا الأديب العلامة الفقيه الأستاذ علي الطنطاوي على هذه السلسلة العلمية: (سلسلة الذهب). ومن يومها جال في خاطري السؤال التالي يا ترى كم من السلاسل الذهبية العلمية زينت هذه المدينة العظيمة ونسيها التاريخ بل نسيها الحلبييون أنفسهم وما علي إن أنا بحثت عنها وحاولت توثيقها وجمعها بين دفتي كتاب لعله يكون لبنة في صرح تاريخ هذه المدينة المشرق وأرجو الله أن ييسر لي نشره لتعم فائدته

وهذه المحاضرة مهداة الى شيخ الأدباء وأديب الشيوخ الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله تعالى

أيها السادة:

عرفت مدينة حلب الشهباء منذ أقدم العصور بأنها مدينة العلم والعلماء، وموئلُ المحدثين والفقهاء، ومنزل المتأدبين واللغويين والرحالة والشعراء، ومحط رحال طلاب العلم من مختلف البلدان والأصقاع.

وذلك لأن أهلها أحبوا العلم، وجعلوه في المكانة الأسمى من قلوبهم، وانصرفوا إلى طلبه وتحصيله فكثر فيهم العلماء والفقهاء والمحدثون واللغويون والأدباء.

واشتهر منهم أناس لا يحصهم العدُّ، غصت بهم كتب التاريخ والتراجم، وكثرت في المدينة حلقاتهم، وتعددت أماكن مجالسهم، وكثرت خزائن كتبهم.

واشتهرت في مدينة حلب أسر علمية أدت دوراً مهماً في الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية، عند الحلبيين، كآل لعديم، وآل العجمي، وآل السفاح، وأل الأثير، وآل الشحنة، وآل النصيبي، وآل الحنبلي، وآل العرضي وآل الأنصاري، وآل الإسحاقي، وآل البتروني، وآل الكواكبي، وآل الكوراني وآل الكيالي، وآل المرعشي، وآل الكردي، وآل لمعري وغيرهم.

واتخذت بعض الأسر الحلبية لنفسها مدارس خاصة، يتوارث أبناؤها الوظائف فيها، ويتعاقبون على تسنم كراسي التدريس بها، فعرفت هذه المدارس بهم، واشتهرت بأسمائهم، كمدارس بني العديم، وبني العجمي، وبني الشحنة وغيرهم.

وفي عصرنا هذا نقف على الكثير من الأسر التي اشتهرت بالعلم وتوارثته أباً عن جد،

وقد أحصيت في كتابي (سلاسل الذهب من الأسر العلمية التي تزينت بها حلب) أكثر من سبعين أسرة علمية توارثت العلم كابراً عن كابر، ونبغ من أبنائها علماء طار ذكرهم في أرجاء الأرض، وتسنموا المناصب العالية في مجال التدريس ونشر العلم والقضاء والإفتاء والإدارة وحتى في الحكم وسياسة الدولة

وسأستعرض في حديثي اليوم بعض هذه الأسر القديمة والمعاصرة وأقف على أبرز أعلامها محاولاً الاختصار ما استطعت إليه سبيلاً فمن الأسرالعلمية الحلبية التي سبقت عصرنا نرى:

أسرة بني العديم

وكانت تعرف ببني جرادة وهي من أصول عراقية استقرت في حلب منذ القرن الثالث الهجري وتعد من أقدم الأسر العلمية التي حدثنا عنها المؤرخون، فقد انجبت عدداً من الأدباء والشعراء والفقهاء والزهاد والمحدثين والمدرسين والمؤرخين والقضاة، وقد برعت هذه الأسرة في مجال القضاء، و شغل العشرات من أبنائها مركز قاضي القضاة، وكذلك تميّزوا بصفتهم أساتذة في المدارس العلمية التي كانت قائمة في ذلك العصر

وقد أحصيت في الكتاب أكثر من خمسة وعشرين علماً من هذه الأسرة ما بين قاض ومفت ومدرس ومؤرخ ولعل من أشهرهم:

1. الصاحب كمال الدين ابن العديم القاضي والمحدث والفقيه والشاعر،والسفير والمؤرخ وهو صاحب كتاب (بغية الطلب في تاريخ حلب)، ولد في حلب وتوفي في القاهرة سنة 660هـ،

أسرة بني العجمي

وآل العجمي أسرة حلبية قديمة أشتهرت بالعلم وأكثر رجالهها من فقهاء الشافعية، وينسب إليهم بناء مدرستين من المدارس القديمة هما: المدرسة الزّجاجية والمدرسة الشرفية وقد نبه من هذه الأسرة أكثر من عشرين عالما أغلبهم من فقهاء الشافعية وممن اشتهر منهم:

أبو ذر أحمد بن إبراهيم بن خليل سبط ابن العجمي الفقيه المؤرخ صاحب كتاب (كنوز الذهب في تاريخ حلب) ويعرف أيضاً كوالده برهان الدين الحلبي. توفي سنة 884 هـ وإليه ينسب جامع أبي ذر في محلة الجبيلة

أسرة بني الشحنة

وهذه الأسر ما يزال أبناؤها معروفون في المدينة وتنسب هذه الاسرة الى شحنة حلب محمود بن الختلو جد ال الشحنة، (وتعني كلمة الشحنة من يضبط الأمن في البلد أو قائد شرطة) واشتهرت هذه الأسر بالعلم والفقه والقضاء، فقد تولى القضاء في حلب أكثر من خمسة عشر قاضياً منهم، وأغلبهم على مذهب أبي حنيفة، ومن أشهر رجال هذه الأسرة:

قاضي القضاة محب الدين محمد ابو الوليد بن الشحنة العلامة الفقيه المفتي المحدث الأديب الشاعر تولى قضاء حلب سنة 778 للهجرة

أنتقل الآن إلى عصرنا الحاضر وما اشتهر به من الأسر العلمية التي توارث أبناؤها العلم ونشروه من خلال كتبهم ومؤلفاتهم أو دروسهم في الجوامع أو الجامعات

وسأذكر باختصار بعض هذه الأسر مرتبة حسب الترتيب الأبجدي ثم أقف بشيء من التفصيل على بعض الأسر حسب ما يسعفنا الوقت، وارجو من الله التوفيق والسداد

فمن الأسر الحلبية التي اشتهرت بتوارث العلم في عصرنا

1. آل أبو غدة.ومنهم الشيخ عبد الفتاح وابنه الشيخ سلمان وأولاد عمه الشيخ عبد الستار والشيح حسن

2. آل أبو صالح والدهم الشيخ محمد ناجي وأولاده الشيخ محمد بدر الدين والدكتور عبد القدوس الشيخ والدكتور أحمد محب الدين

3. آل أبو النصر جدهم الشيخ محمد أبو النصر وابنه الشيخ عبد الباسط وابنه الشيخ عبد الخالق

4. آل لإدلبي وجدهم الشيخ محمد سعيد وابنه الشيخ أحمد وابنه الشيخ صلاح والشيخ بشير.. والدكتور محمد سعيد بن محمد أمين

5. آل البادنجكي وفضل منهم خلق كثير نذكر منهم الشيخ محي الدين شيخ المدرسة الطرنطائية والشيخ عبد اللطيف والدكتور الشيخ محمد سعيد

6. ال البيانوني جدهم.الشيخ عيسى،وابنه شيخنا الشيخ أحمد عز الدين، وأولاده الشيخ محمد أبو الفتح والأستاذ علي صدر الدين والشيخ محمد غياث أبو النصر والشيخ محمد موفق أبو اليسر وبعض أولادهم

7. آل الجذبة وجدهم الشيخ إبراهيم بن صالح وابنه الشيخ محمد عطاء الله ثم ابنه شيخنا الشيخ محمد زين العابدين وبعض أولاد ه

8. أل الحداد والدهم الشيخ محمد بشير وأولاده الشيخ عبد المحسن والشيخ أحمد مهدي والشيخ محمد منير والشيخ محمد سعد الدين ومن أحفاده نذكر الشيخ أسامة بن محمد مهدي والدكتور محمد بشير والشيخ حسن وغيرهم

9. آل الحوت ومنهم الشيخ عبد الرحمن والشيخ أحمدناصر وأخوه محمود

10. آل خياطة وفضل منها شيخنا الشيخ محمد نجيب وأخوه الدكتور الشيخ عمر وأخوه الشيخ عبد الرحمن وقد نبه من أولادهم وأحفادهم عدد من العلماء والحفاظ

11. أل خير الله: نذكر منهم: الشيخ المفتي عبد الله بن طاهر، والد الأستاذ الشيخ محمد فاضل خير الله، وعمّ شيخنا الشيخ طاهر خير الله وابنه الشيخ عبد المنعم

12. آل زين العابدين والدهم الشيخ محمد مفتي انطاكية ثم أولاده شيخنا الشيخ عبد الرحمن وأخوه شيخنا الشيخ محمد أبو الخير والأستاذ نجم الدين

13. آل سراج الدين: سأتحدث عن هذه الأسرة بشيء من التفصيل

14. آل السرميني: واشتهر منهم: الشيخ محمد كامل السرميني وولداه الشيخ عدنان، وأخوه الشيخ محمد هشام

15. آل السلقيني وجدهم الشيخ إبراهيم ثم ابنه شيخنا الشيخ محمد وأولاده من بعده ومنهم شيخنا الدكتور الشيخ إبراهيم والدكتور الشيخ عبد الله وبعض أولادهم وسأفرد لهذه الأسرة العلمية الكريمة لقاء خاصة إن شاء الله

16. آل السلطان واشتهر منهم الشيخ عبد الله سلطان (الجد) وابنه الشيخ عبد القادر وابنه الشيخ عبد الله (الحفيد)

17. آل الشامي ونبه منهم الشيخ محمد وابنه الشيخ محمد صهيب وأخوه الشيخ عبد العزيز

18. آل الطباخ: ونبغ منهم في عصرنا العلامة الشيخ محمد راغب وولده الدكتور محمد يحيى

19. آل الصابوني: نذكر منهم: الشيخ عطاء الله ثم الشيخ جميل وأولاده شيخنا الشيخ محمد علي الصَّابوني، وأخوه شاعر طيبة الشيخ محمد ضياء الدين وأخوه الشيخ محمود

20. آل العقاد: وقد نبه منهم: الشيخ محمد ياسين العقاد ثمّ ابنه شيخنا العلامه الشيخ محمد جميل العقاد

21. آل العتر: ومنهم: شيخنا الأستاذ الدكتور العلامة نور الدين، وأخوه الشيخ الدكتور حسن ضياء الدين

22. آل العلبي ومنهم:القاضي الشيخ محمود العلبي،.ووالده الشيخ بكري وجده الشيخ أحمد ثمّ ابنه القاضي الشيخ عبد الأعلى وابن عمه الشيخ محمد عاكف العلبي

23. آل الغزي: منهم الشيخ حسين بن مصطفى البالي الغزي، والد الشيخ كامل الغزي.، صاحب كتاب (نهر الذهب في تاريخ حلب)، وأخوه الشيخ محمّد بشير

24. آل الغشيم: منهم الشيخ محمد الغشيم الفقيه الشافعي المدرس في المدرسة الشعبانية،وابنه الشيخ عدنان

25. آل الكردي: وسأفصل القول في هذه الأسرة اليوم إن شاء الله،

26. آل الكيالي نذكر منهم: الأستاذ يحيى الكيالي مدير الأوقاف في حلب والمفتي الشيخ عبد الحميد بن الشيخ أحمد الكيالي

27. آل الملاحفجي وجدهم الشيخ محمد ابن الشيخ بكري ملاحفجي، المشهور بالشيخ القصير، والملقّب بـ (أبو قبقابة). وابنه الشيخ محمد، ثمّ الشيخ عمر ابن الشيخ محمد

28. آل الهبراوي وقد فضل منهم علماء كثر نذكر منهم على سبيل المثال: الشيخ محمد بن الشيخ أحمد الهبراوي. والشيخ محمد فاتح بن.الشيخ محمد كامل الهبراوي

سأكتفي بهذا القدر حتى لا أطيل مع الملاحظات التالية:

1. إن كل أسرة من هذه الأسر الحلبية تستحق أن نفرد لها محاضرة خاصة

2. لايعني حديثي اليوم عن آل سراج الدين وآل الكردي أن هاتين الأسرتين أفضل من بقية الأسر الكريمة

3. إن هناك أسر اشتهرت في علوم غير العلوم الشرعية كالطب والهندسة والصيدلة ونحوها وهي تستحق أن يؤرخ لها وينرحم لأعلامها

أولاً: آل سراج الدين:

وهي عائلة حلبية اصيلة ترجع في نسبها إلى آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم،اشتهرت هذه الأسرة الطاهرة بنسبتها إلى سيدنا الحسين بن علي رضي الله عنهما إذ هي فرع من عشيرة (النعيم) المعروف نسبها إلى آل البيت، كما عرفت بالتقى والصلاح وحب العلم والعلماء

وقد فضل من هذه الأسرة في عصرنا عدد من العلماء الأفاضل وعلى رأسهم

العلامة، المحدث، المفسر، الفقيه الأصولي، العالم بالتوحيد والمنطق.الشيخ محمد نجيب بن الحاج محمد، بن الحاج يوسف سراج الدين الحسيني.(الجد)، المتوفى سنة 1370هـ وأولاده الشيخ أحمد والشيخ عبد الله ثم من أحفاده الشيخ الدكتور محمد نجيب (الحفيد) بن الشيخ عبد الله وأخوه الأستاذ أحمد

وسأقف وقفة متأنية عند واسطة العقد في هذه الأسرة العلمية المباركة، شيخنا الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد نجيب سراج الدين الحسيني، الحنفي الحلبي.

العلامة العامل، المحدث الحافظ، والمفسر المدقق، والفقيه المحقق والصوفي العابد، والزاهد الورع.

ولد في مدينة حلب، سنة: ثلاث وأربعين وثلاثمئة وألف للهجرة النبوية الشريفة، وفي هذه الأسرة الطاهرة، نشأ وتربي على التقوى والصلاح وحب العلم.

وتلقى تعليمه الأولي في كتاب (جامع سليمان) ثمّ مدرسة (دار الفلاح) في جامع (السلطانية)، ثمّ حفظ القرآن الكريم في مكتب المدرسة (العثمانية) على شيخه الشيخ عبد الوهاب المصري، ثم انتسب إلى المدرسة (الخسروية)

وفي المدرسة (الخسروية) التقى الشيخ جلّ علماء حلب، وكبار شيوخها، فأخذ عنهم علوم القرآن والقراءات والتفسير والفقه والحديث والفرائض والتوحيد والسير والمغازي والتربية، بالإضافة إلى علوم العربية، نحوها وصرفها وبلاغتها وآدابها، أمثال الشيخ محمد راغب الطباخ، والشيخ محمد إبراهيم السلقيني، والشيخ محمد أسعد العجبي، والشيخ عمر مسعود الحريري، والشيخ فيض الله الكردي، والشيخ أحمد الشمّاع، والشيخ عيسى البيانوني، والشيخ محمد سعيد الإدلبي، والشيخ أحمد الكردي وغيرهم.

غادر الشيخ المدرسة (الخسروية)، وهو في الصف السادس لكنه لم يغادر طلبه للعلم، فاتجه إلى المدرسة (الشعبانية)، وتبوأ غرفه والده الشيخ محمد نجيب منقطعاً فيها إلى مطالعة كتب الحديث وحفظها وقد قدر تلميذه وصهره الدكتور نور الدين عتر عدد الأحاديث التي حفظها بثمانين ألف حديث، ولذلك أطلق عليه لقب (حافظ).

وكان الشيخ في هذه المرحلة، لا ينقطع عن دروس والده وحلقات الحديث الشريف التي كان يقيمها في جامع الحموي خاصة، ودرس شيخه الشيخ أحمد الكردي في المدرسة (الإسماعيلية).

ولما أنس الوالد من ابنه المجد، العلم والفقه والتبحر في علم الحديث النبوي الشريف، أجازه إجازة عامة مختصرة جامعة، كما حصل على إجازات متعددة في الحديث من الشيخ محمد راغب الطباخ والشيخ محمد خير الدين أسبير والشيخ محمد مكي الكتاني والشيخ عبد العزيز بن محمد عيون السود الحمصي،.الشيخ حسن بن محمد المشاط المكي المالكي، والشيخ عبد القادر بن أحمد السقاف، والشيخ إبراهيم بن سعد الله الفضلي المدني، والشيخ حبيب الرحمن الأعظمي الهندي، والشيخ محمد زكريا الكاندهلوي الهندي ثم المدني، و الشيخ يوسف الكتاني المغربي، وغيرهم

بهذه الذخيرة العلمية الغزيرة من المعارف الشرعية والعربية، راح الشيخ يدعو إلى الله، وينشر العلم بين الناس، فكانت له دروس في جامع

(أبو الدرجين) في حي الجلوم، ثم دعي للتدريس في المدرسة (الشعبانية)، والمدرسة (الخسروية)، بالإضافة إلى حلقاته العلمية التي ورثها عن والده في جامع (الحموي) وجامع (بانقوسا) وخطبة الجمعة في جامع (سليمان)، ومجالس العلم والذكر والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في جامع (العثمانية) ثم نقل درسه في جامع (أبو الدرجين) إلى الجامع الأموي الكبير، وجعله يوم الاثنين بعد صلاة الظهر.

وقد عمل الشيخ على إحياء المدرسة (الشعبانية)، وإعادة التدريس فيها، وكان ذلك رغبة والده الشيخ محمد نجيب الذي قعد به الضعف وكبر السن عن تنفيذ هذه الرغبة، فقام الشيخ بإحياء هذا المشروع، بمساعدة بعض إخوانه من العلماء وطلبة العلم ((حدثني الشيخ عدنان غشيم ـ رحمه الله ـ أن والده الشيخ محمد الغشيم رأى في منامه الشيخ محمد نجيب سراج، يقول له: قل لولدي عبد الله: لقد كنت أعمل في بناء هذه المدرسة منذ كذا وكذا والآن تمت))، واستبشر الشيخ عبد الله بهذه الرؤيا، وعمل على الإسراع في افتتاح هذه المدرسة، ثم تولى إدارتها وإدارة (دار الحديث) التابعة لها، وإدارة مدرسة (تحفيظ القرآن الكريم) في المدرسة (العثمانية)، وكل هذه المدارس قامت تحت رعاية (جمعية التعليم الشرعي)، التي عمل الشيخ على تأسيسها، ثم رئسها وأشرف على كل شؤونها،

وفي عام: 1400هـ،هاجر الشيخ إلى (المدينة المنورة) ليجاور حبيبه المصطفى عليه الصلاة والسلام، وليتفرغ للعبادة وتأليف الكتب النافعة، وبعد هجرة امتدت أربع سنوات تقريباً، عاد إلى موطنه، وكان الضعف والمرض قد تسلل إلى جسده، فتخلى عن معظم دروسه في المدارس الشرعية، وأبقى على درسيه في الجامع الأموي الكبير، وفي جامع (بانقوسا)، ثم ما لبث أن تخلى عنهما، مؤثراً العزلة عن الناس عاكفاً على المطالعة والتأليف.

وقد رأى الشيخ في تأليف الكتب النافعة، ونشرها للناس أسلوباً مجدياً في الدعوة إلى الله، ونشر العلم فكثرت مؤلفاته، وتعددت موضوعاتها، فمن الإيمان والعقيدة، إلى القرآن وعلومه وتفسيره، إلى الحديث والفقه وغيرها من العلوم، التي تدل على سعة علمه، وتمكنه في مختلف العلوم والفنون وقد بلغت مؤلفاته خمسة وعشرين مؤلفاً وهي مطبوعة ومتاحة لكل من يريد الاستفادة منها

وتمتاز مؤلفات الشيخ بعمق معانيها، وسهولة أسلوبها، ووضوح عباراتها، وقربها من قلب القارئ ونفسه، وذلك لما تمتع به من موهبة أدبية نادرة.

كان شيخنا رحمه الله طيب القلب، زكي النفس، محباً للمسلمين، متواضعاً، لا ينسب لنفسه شيء، عندما حدثه صهره الدكتور نور الدين عتر عن عظمة كتابه (سيدنا محمد خصاله الحميدة وصفاته المجيدة) وقبوله وانتشاره بين الناس، أجابه بكل تواضع: (الشأن ليس في الكتاب الشأن في المكتوب عنه). ولا يرى لنفسه فضلاً على أحد المخلوقات، يكرر قوله:"أنا معلم للقرآن والحديث"، "أنا خادم صغير على الأعتاب".

وكان رحمه الله كريم النفس، سخي اليد، جواداً معطاءً، كثير البذل، لا يرد سائلاً يكرم زواره، ويبش لهم، ويقوم على خدمتهم.

وهو كثير العبادة، يرى فيها أهم مظهر من مظاهر التقرب إلى الله، دائم الذكر وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، كل هذا مع الورع والزهد في الدنيا، والترفع عما في أيدي الناس.

مجلسه مجلس علم والذكر، منزه عن اللغو واللغط والغيبة والنميمة تهيمن عليه الهيبة والأدب والاحترام

يربطك بالنبي صلى الله عليه وسلم ربطا عجيبا، فإذا ذكرت أمامه كرامة من كرامات الأولياء يعلق عليها بقوله: (هذه كرامة ولي من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف بكرامة نبينا عند الله

محبوب من الناس، ولهم فيه اعتقاد عظيم،وفي الجملة، فما من خصلة من خصال الخير إلا وهو متصف بها

جميل الوجه، مهيب الطلعة، أبيض اللون مشرب بحمرة،، كث اللحية منور الشيبة، معتدل القامة، حسن المظهر، صاحب ذوق رفيع في ملبسه، ومشيته طيب الرائحة لا يفارقه الطيب.

قد يظن بعض الإخوة أنني أبالغ في صفات الشيخ ومناقبه متأثراً بما أحمله في قلبي من حب، إلا أنني أؤكد لكم سادتي أنني لم أبالغ وما خرجت عن الموضوعية التي ألزمت نفسي بها، وأنني ما أزال أشعر بأنني ما وفيت الشيخ بعض حقه، وأن ما قلته كان عن معاينة ومشاهدة عن قرب، ذلك أنه كانت لي صحبة وصداقة مع نجلي الشيخ الكريمين الدكتور محمد نجيب ـ رحمه الله ـ والأستاذ أحمد، وكنت أكثر من زيارتهما والمكوث عندهما، وربما أمضينا الليل كله في بيتهم جانب القلعة، نذاكر دروسنا ونطالع بعض الكتب العلمية، وكان شيخنا ووالدنا ـ رحمه الله تعالى ـ يحيطنا بأكثر مما ذكر ت من كرم نفسه ويده وأخلاقه، هذا بالإضافة إلى شهادة كل من عرف الشيخ أو تتلمذ عليه أو صاحبه أو زامله في الطلب أو أخذ عنه أو جاوره.

ظل الشيخ على هذه الأخلاق النبيلة، إلى أن وافته المنية، إثر عملية جراحية، مساء يوم الاثنين، في العشرين من ذي الحجة، سنة: اثنتين وعشرين وأربعمئة وألف للهجرة، الموافق، للرابع من شهر آذار، عام: اثنين وألفين للميلاد.

وكان يوم وفاته يوم حزن وأسى عمّ المدينة كلها، وزحفت جموع الجماهير منذ الصباح الباكر لتودع شيخها الراحل، وامتلأت أرجاء

(جامع عبد الله بن العباس) على سعته، وسدت جميع الطرق المؤدية من بيته إلى الجامع إلى المدرسة (الشعبانية)، وصلي عليه قبل صلاة الظهر

ليتسنى للناس الصلاة من شدة الزحام، وحضر الصلاة عليه جلّ علماء حلب

وكبار المسؤولين فيها، ثم حمل النعش على سيارة خاصة، وسارت به في طرق فرعية، متجنبة الزحام في الطرق المألوفة من الجامع إلى المدرسة (الشعبانية)،، وهناك أعيدت الصلاة عليه، وراء ابنه الشيخ نجيب مع مجموعة كبيرة من الناس، ثم تقدم صهره الشيخ الدكتور نور الدين عتر، فلقنه بكلمات موجزة، خنقتها الدموع، ثم وري الثرى في مدفن غربي جامع المدرسة، حسب وصيته رحمه الله تعالى واحسن اليه

أسرة آل الكردي

وانتقل بالحديث عن أسرة ثانية من الأسرالعلمية التي تزينت بها مدينتنا الحبيبة وهي أسرةآل الكردي

آل الكردي أسرة حلبية علمية أصلها من أكراد الدناديين المنحدرين من بعض القبائل الكردية المقيمة على حدود تركيا الجنوبية، في منطقة سروج، نزلت في قرية تل عرن القريبة من منطقة السفيرة

وهي أسرة عرفت بالتقى والصلاح وقد نبه منها عدد من العلماء الفقهاء الصلحاء منهم الشيخ أحمد (الجد) وابنه المفتي الشيخ محمد مهدي ثمً حفيده العالم الفقيه الدكتور أحمد حجي صاحب المؤلفات المتميزة في الفقه

وسأتحدث في هذه الأمسية عن جوهرة هذه الأسرة مؤسس العلم فيها شيخ مشايخنا جميعاً العالم العلّامة، والفقيه الأصولي المتبحر، والنحوي الأستاذ المربي الشيخ أحمد بن محمد عساف الكردي

ولد الشيخ في قرية (تل عرن) سنة: 1299هـ لأب صالح تقي ربا على المئة من عمره، ونشأ على التقوى والصلاح، وأخذ مبادئ القراءة والكتابة وتلاوة القرآن على شيخ كتّاب القرية،ثم نزل الى حلب وجاور في المدرسة (العثمانية)، ينهل من معين علمائها، ويحضر دروسهم فيها وفي المدرسة الشعبانية والمدرسة القرناصية والأحمدية، أمثال: الشيخ العلامة محمد بشير الغزي، والعلامة الشيخ حسين الكردي، والعلامة الشيخ محمد الكلاوي)، ثم يعود إلى غرفته في المدرسة (العثمانية) ليحفظ ما تعلّم، ويحضّر لليوم الثاني، وكثيراً ما طلع عليه الفجر، وهو مكبّ على دروسه،

وما أن أتم الشيخ تحصيله، حتى نبغ وذاع صيته، وغدا قبلة العلماء وطلاب العلم، يستفتونه ويحضرون دروسه، ويأخذون عنه، وكان يعنى بدروسه عناية لا مثيل لها، يطالعها ويحضرها في الليل، ثم يلقيها على طلاب بأسلوبه المحبب، وصوته الجهوري، فيندمج الطلاب في الدرس ويستغرقون فيه، حتى ما يشعرون بالوقت.كتب شيخنا الشيخ عبد الوهاب سكر في مذكراته:(طلبت وجماعة من رفاقي من طلاب العلم من شيخي الشيخ أحمد الكردي أن يقرأ لنا درساً في شهر رمضان، فحدد الشيخ موعداً لنا بعد صلاة التراويح... فكثيراً ما كنا نجلس للدرس بعد صلاة التراويح، فنستغرق في البحث ونغوص في أعماق الموضوع، فننسى أنفسنا، ولا نذكرها إلا وصوت المدفع يعلن حلول وقت السحور).

يقول تلميذه الشيخ عمر مكناس: (كنا نسمع ونحن في أول طلب العلم أن الأستاذ أحمد الكردي واسع الاطلاع، قوي الحجة، سهل التدريس، فكنا نتشوق للحضور عليه، حتى إذا تحققت لنا هذه الأمنية، وحضرنا عليه الفقه (الفروع والأصول) وجدناه فوق ما كنا نسمع، والأذن تعشق قبل العين أحياناً..).

وكان الشيخ متبحراً بالعلوم الشرعية وفي الفقه الحنفي خاصة، أما اللغة العربية نحوها وصرفها وبلاغتها، فقد كان آية في فهمها وتحليلها وتلقينها للطلاب، يقول تلميذه الشيخ أحمد الكرماني: (نسمع الناس يضربون المثل بضعف علل النحاة، ويقولون:(أوهى من حجة نحوي)، لكن الأستاذ الكردي، كان يقيم الأدلة على علل النحو، مدعمة بالبراهين المنطقية التي تجعل منها عللاً راسخة، وسبباً قوياً، فتعليل النحاة عنده كغيرهم من العلماء، يرتكز على أسس المنطق وقواعده، وكنا ندهش عندما يعلل لنا هذه التعاليل الجميلة، ونود لو أن الساعة لا تنقضي والدرس لا ينتهي).

وكان الشيخ محباً لطلابه، يرعاهم ويشاركهم في أفراحهم وأحزانهم ونزهاتهم، ويقدم لهم كل دعم مادي أو معنوي ويدافع عنهم بكل ما أوتي من قوة وشجاعة، مهما كان الثمن غالياً.

حدثني شيخي الأستاذ محمد زين العابدين الجذبة ـ رحمه الله ـ قال:(استطعت في أول شبابي أن أحصل على وظيفة في مديرية أوقاف المعرة، وطلبوا مني كفالة مالية لاستلام هذه الوظيفة، فأحجمت عنها لأنني لا أملك هذه الكفالة، ورآني شيخي الشيخ أحمد الكردي مهموماً حزيناً، وسألني عن سبب حزني فأخبرته بالأمر، فنظر إلي وقال: لا تحزن يا ولدي، وتعال معي إلى البيت، ثم دخل داره وخرج وبيده سند تمليك أحد عقاراته قائلاً: خذ هذا كفالة لهم، ولا تحزن ولا تترك الوظيفة، فهو والله شيخي وسيدي وولي نعمتي)،

ولقد كثر طلابه ومحبوه، ونبغ منهم عدد كبير في العلم والفكر والسياسة، نذكر منهم على سبيل المثال: شيخنا الشيخ عبد الوهاب سكر، وشيخنا المفتي الشيخ محمد الحكيم، وشيخنا الشيخ محمد زين العابدين الجذبة والشيخ المفتي محمد بلنكو، والشيخ محمد النبهاني، والشيخ عمر مكناس والشيخ عبد القادر الكرماني، والشيخ الدكتور معروف الدواليبي، وشيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وشيخنا الشيخ عبد الله حماد، والشيخ الدكتور فوزي فيض الله، وشيخنا الشيخ محمد نجيب خياطة، والشيخ أمين الله عيروض، وشيخنا الشيخ محمد الملاح، والشيخ ناجي أبو صالح، والشيخ الطبيب عمر خياطة وغيرهم كثير.

تولى الشيخ أحمد الكردي مفتي حلب بالإضافة إلى عمله في التدريس عدداً من المناصب الإدارية والشرعية منها:

1- كاتب في المحكمة الشرعية.

2- رئيس لكتاب محكمة قاضي القضاة.

3- أمين للفتوى لدى المفتي الشيخ عبد الحميد الكيالي

4- مفت لمدينة حلب.

5- رئيس لمجلس أوقاف حلب.

وكان الشيخ يقوم بعمله في مناصبه المختلفة خير قيام، يعدّ نفسه عاملاً لله، لا للوظيفة أو للراتب، فهو لا يتقيد بدوام الوظيفة المحدد، بل كان يجلس في دائرة الفتوى، أو في المحكمة الشرعية من صلاة الفجر إلى غروب الشمس، لا يغادره إلا لدرس يلقيه، أو حاجة يقضيها لبعض طلابه أو غيرهم، يقول تلميذه الشيخ عمر مكناس: " اختارني الشيخ لأمانة الفتوى، وكنت معتاداً على الدوام الرسمي في دائرة الأوقاف...، وكان الشيخ في بعض الأحيان يشعر بأننا نتضجر من البقاء إلى المساء، فكان يسري عنا، ويقول: يا ولدي لعل قروباً غريباً يأتي لسؤال، فلا يجدنا، فيضطر للمبيت ويتكبد نفقات ومشقة وبعداً عن أهله، فماذا يضرنا إذا بقينا ساعات على الدوام، يتضاعف فيها الأجر والثواب ".

وكان الشيخ جريئاً في قول الحق، يجهر به، ويقضي بالعدل مهما كلفه ذلك، لا يخاف في الله متسلطاً أو حاكماً أو متنفذاً، ولا يلتفت إلى لومة لائم مهما كان.

وعلى الرغم من تبحر الشيخ في شتى العلوم والفنون، وخاصة في الفقه الحنفي، وعلوم اللغة العربية، فقد كان شديد التواضع يجل العلماء الكبار من السلف الصالح و يتحرج من الفتيا تحرجاً عظيماً، ولا يصدر فتواه إلا بعد التدقيق والمراجعة في أمات الكتب، خوفاً من الوقوع في الخطأ،

والأثر الوحيد الذي خلفه هو (الفتاوي التي كان يصدرها في سجلاته وقد جمع حفيده الدكتور أحمد حجي الكردي هذه الفتاوي وطبعها في كتاب، بالإضافة إلى تعليقاته على الكتب التي طالعها، وحواشيه المفيدة عليها،

كريم النفس، سخي اليد، حسن الخلق، سمح في معاملته ومعاشرته يكرم ضيوفه وزواره، ويقوم على خدمتهم بنفسه، يحب العلماء وطلاب العلم، ويسعى في قضاء حوائجهم، وتأمين مورد رزق لهم، ويحنو على الفقراء والضعفاء من الناس ويساعدهم.

شهم، جريء في قول الحق، لا يعرف المراوغة، أو المداهنة، يكره الكذب وأهله، شديد الغضب لله، يثور كالنمر الحرد إذا انتهكت حرماته وربما استخدم يده، أو عصاه في تأديب من يتجرأ على حرمة من حرمات الله.

هكذا أمضى الشيخ حياته، علم وتعليم، وجهاد ودفاع عن الحق، إلى أن وافته المنية كان مساء يوم السبت الخامس عشر من شهر ربيع الأول، سنة: ثلاث وسبعين وثلاثمئة وألف للهجرة،

وصبيحة اليوم الثاني، شيعته مدينة حلب بموكب مهيب، حضره جلّ علماء حلب، وكبار المسؤولين فيها، وحشد كبير من طلاب العلم وعامة الناس، وقد وصف تلميذه الشيخ عبد الوهاب سكر هذا الموكب المهيب وصفاً دقيقاً جاء فيه: (... وقد ازدان النعش بالأكاليل المباحة الشرعية، بتلك التيجان، تيجان أنجاله وعمائمهم البيضاء، التي لم يلتف مثلها حول نعش أبداً...).

وكانت مراسم تشييعه ودفنه مظاهرة ثقافية علمية، ألقيت فيها الكلمات والقصائد، وتبودلت فيها الأحاديث حول هذا الرجل العظيم، وكان من جملة الخطباء والمتحدثين الشيخ محمد الحكيم مفتي حلب وقاضيها، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة محدِّث حلب وعالمها، والأستاذ الشيخ عمر مكناس عالم حلب وأمين الفتوى فيها، الذي ألقى القصيدة التالية ساعة مواراته التراب في (مقبرة كرز دادة)، يقول:

سهامُ الموتِ في الأخيار عَجْلَى= وبالأشرار كم تمشي وئيدا

أيا غصناً من العلماء يذوي= ويا بدراً هوى فينا فريدا

ويا طودَ العلومِ فدتك نفسي= وهذا البحرُ قد سكن اللحودا

فكم من موقف دافعتَ فيه= عن الضعفاءِ لا تخشى وعيدا

قضيتَ العمر في علمٍ ونفعٍ= وسهلت المصادر والورودا

وقد كنتَ المعلمَ والمربي= وكنتَ البحرَ عرفاناً وجودا

أأحمدُ هذه الأيامُ ذكرى= بفقدِك فالأسى ملأ الوجودا

ولكنْ سنةُ الجبار فينا= نودع راحلاً لنرى وليدا

حييتَ محبباً من كلِّ نفسٍ= ومتَّ معظماً فينا ودودا

تدثّرْ في الترابِ قريرَ عينٍ= لقد أعطيتنا درساً مفيدا

رحم الله الشيخ المفتي وأسكنه فسيح جناته.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات