الاثنين 23 محرم 1441 - 23 سبتمبر 2019

الشيخ عبد الله سراج الدين - سيرة عالم رباني

الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 3041
الشيخ عبد الله سراج الدين - سيرة عالم رباني

الشيخ عبد الله سراج الدين العلامة الرباني المربي ( )
1343- 1422هـ
      1924 – 2002م


بقلم تلميذه الأستاذ المحقق الشيخ: محمد عوامة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وصحبه ومّنْ والاه . أما بعد :
فإنَّ من سنة الله عز وجل في عباده المسلمين أن يكرمهم على الدوام بعلماء عاملين، همُّهم في هذه الحياة أن يملؤوها بالخير لأنفسهم، وللأمة من ورائهم، وكان منهم شيخنا العلامة الرَّباني الشيخ عبد الله سراج الدين الذي أكرمني الله بصحبته خمسين عاماً .
ولد الشيخ الأجل عام 1343هـ = 1924م بمدينة حلب، ووالده العلامة الحجة الشيخ محمد نجيب سراج الدين، ودخل طلب العلم وهو في الثالثة عشرة من عمره، بعد أن حفظ القرآن الكريم، وفي أثناء ذلك كان توجه إلى حفظ الحديث الشريف، وبعد أن ترك الدراسة الرسمية توجَّه بكليته إلى ذلك، فحفظ كتاب : " تيسير الوصول " بألفاظه ورواته واختلاف رواياته، وكانت له مذاكرة يوميه له، كما يذاكر حفظه للقرآن الكريم، واستمر به توجهه لحفظ السنة الشريفة إلى أواخر عمره المبارك.
وفي صيف 1379 هـ = 1959م ألُغيت المدرسة الشعبانية التي كانت تابعة لوزارة الأوقاف، كانت تُخرِّج الأئمة والخطباء والوعاظ الدينيين، فقام الشيخ بأعباء ذلك، فأسَّس " جمعية التعليم الشرعي " التي انبثق عنها : مدرسة التعليم الشرعي، وفيها : المرحلة الإعدادية والثانوية، ثم المرحلة الجامعية المرتبطة بالجامعة الأزهرية، ثم انبثق عنها عام 1386هـ = 1967م معهد حفظ القرآن الكريم بقراءاته العشر .
وقد تخرَّج عن هذه المراحل التعليمية الثلاثة، مئات من طلاب العلم احتلوا مراكزهم المناسبة في محاريب حلب وقراها ومنابرها، وفي كثير من مدن السعودية ودول الخليج، فأحيا الله به العلم والعمل في مدينة حلب، كما أحيا الله تعالى به حفظ القرآن العظيم وقراءاته بعد أن كان هذا الأمر ميتاً، حتى بين طلاب العلم.
وكانت دروسه في مساجد حلب الكبرى، دروس علم وتوجيه وترقية وتزكية مدعَّمة بالكتاب والسنة، وهدي السلف الصالح، وكانت في مستواها العلمي تعدل المستوى الجامعي العريق، الذي يحضره طلابه بروح متعشِّقة للعلم والهدي السلفي الصالح، متمثلاً في شخص أستاذها ومربيها .
ولم يقف عطاء الشيخ رحمه الله عند تأسيس الجمعية وفروعها، ولا عند الدروس العامة التي كان يحضرها الآلاف ـ لاسيما في المرحلة الأخيرة ـ بل شارك في الإنتاج العلمي الواسع، فقد انتقل الشيخ إلى رحمة الله عن نحو ثلاثين مؤلفاً  جلُّها في شرح أركان الإسلام : الشهادتان، والصلاة، والصيام، والحج، وفي التفسير الموضوعي : هدي القرآن إلى الحجة والبرهان، وهدي القرآن إلى معرفة العوالم والتفكُّر في الأكوان، وفي تفسير جملة من سور القرآن الكريم : الفاتحة، الحجرات، الدهر، الملك، ق، الكوثر، ... كل سورة في مجلد .. وله: تلاوة القرآن المجيد، والتقرُّب إلى الله تعالى، و " سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم: شمائله الحميدة، خصاله المجيدة "، و " صعود الأقوال ورفع الأعمال " في تفسير قوله تعالى: "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ". وله شرح منهجي مدرسي مبَّسط على المنظومة البيقونية في 225 صفحة. وله غير ذلك من الكتب التي يحرص المسلم على العمل بها، والتربية الإسلامية الصالحة.
وكان يحكي عن والده رحمه الله ـ وهو لسان حاله أيضاً ـ أنه كان يقول لأصحابه في مجالسه الخاصَّة مع العلماء: لا تقبلوا مني شيئاً إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة. وكان هو كذلك، فما كنا نسمع منه شيئاً إلا ويأتينا على ما يقول بشاهدين عدلين من الكتاب الكريم والسنة المطهَّرة، وذلك في دقائق العلم والتوحيد .
وكان يحكي عن والده ـ وهو لسان حاله أيضاً ـ أنه كان يقول: درسي درس عامٌّ، لا درسُ عوام، يريد: أن مختلف الطبقات التي تحضر دروسه تستفيد منها: العاميّ، والشاب المثقف، وطالب العلم، بل العالم، والطبيب، والتاجر، والمحامي، وما إلى ذلك.
والحديث عن سيدي الشيخ لا يكفيه صفحات، وهو أجلُّ من أن أكتب عنه، لكني أقول: لقد كان الشيخ منحة إلهية لأهل زمانه، وقدوة محمدية لهم إذا ادلهمَّتْ الخطوب.
توفي رحمه الله تعالى عشاء يوم الاثنين 20 / من ذي الحجة في مدينة حلب  وشيع في موكب كبير، ودفن يوم الثلاثاء 21/ذي الحجة 1422 في المقبرة التي داخل المدرسة الشعبانية رحمه الله  تعالى، وتغمده برضوانه،  وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
كتبه : محمد محمد عوامة
25/12/1422
 
وقد وصف فضيلة الشيخ محمد عوامة مجالس الشيخ عبد الله سراج الدين  في العلم والوعظ والتذكير، فقال في مقدمة تحقيقه لكتاب "مجالس في تفسير قوله تعالى: { لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم...}" لابن ناصر الدين الدمشقي ص9 :
" أما هذه المجالس: فإن المصنف رحمه الله اختار هذه الآية الجامعة لكليات الإيمان، واختياره لها أذكرني أول ما رأيت مخطوطة الكتاب بالمجالس العامرة بالإيمان، والعلم والروح، من مجالس شيخنا العلامة القدوة الربَّاني المتكلم المفسِّر المحدث سيدي الشيخ عبد الله سراج الدين حفظه الله تعالى بخير وعافية، أذكرني مجالسه حول هذه الآية في الجامع الكبير بمحلة بانقوسا بحلب، بعد عصر كل يوم جمعة، والتي دامت سنوات، وهو يتكلم فيها عن مواقف النبي صلى الله عليه وسلم الثلاثة: { يتلو عليهم آياته، ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة}.
ولمَّا تذكَّرت هذه المجالس برؤية مخطوطة الكتاب، بادرت إلى تصوير نسخة عنها وتقديمها هدية إليه، والآن أتقدم بإهداء خدمتي للكتاب إلى سماحته راجياً قبولها ورضاه.
ثم إنه انتقل بعد تلك المجالس إلى الكلام عن قوله تعالى: {البينة* رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة}. وقد استغرق في ذلك سنوات أيضاً، وهو يتكلم على كون سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيِّنة الله العظمى وحجته على خلقه، ومبيناً عن الله عزَّ وجل شرعَه ودينَه. وهذه المجالس وتلك جميعها محفوظ لديه، لا تحتاج طباعتها إلا إلى تنقيح يسير.
وكان كلُّ مَنْ يحضر تلك المجالس ـ من العلماء وغيرهم ـ يشهد أنها مجالسُ تنقل صاحبها إلى رَوْحٍ وريحانٍ من روح الجنة وريحانها والحمد لله رب العالمين.
ومع هذا فإن شيخنا ـ أطال الله في عمره ـ لا يرى أنَّ ما يتكلم به يصلح أن يسمى تفسيراً لكتاب الله عز وجل، فشأن تفسير كتاب الله أجلُّ عنده من هذا، كما هو واضح من كتبه التي طبعها وتكلم فيها عن سورة الفاتحة، والحجرات، وق، وغيرها مما يتلوها، فإنه سمى كلاً منها: حول تفسير سورة كذا، وما رضي أن يسمي كتابه: تفسير سورة كذا". انتهى.
وقد أهدى إليه تحقيق كتاب " القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع " للسخاوي الذي صدر أيام وفاة شيخه، بهذه الكلمات :
إلى روح محيي الدين والعلم، الناطق ببراهين الكتاب والسنة، مَن أنار القلوب والعقول وجَمَعها على محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، العلامة الرباني المربي الشيخ عبد الله آل سراج الدين .
توفي إلى رحمة الله تعالى عشاء الاثنين 20من ذي الحجة من عام 1422هـ .
من تلميذه : محمد عوامة

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا