الجمعة 24 ربيع الأول 1441 - 22 نوفمبر 2019

العلامة الفقيه الشيخ محمد مختار السلامي

الثلاثاء 24 محرم 1441 - 24 سبتمبر 2019 143 كاتب الترجمة : بدر الحسن القاسمي 
العلامة الفقيه الشيخ محمد مختار السلامي

بوفاة الشيخ العلامة الفقيه محمد مختار السلامي مفتي الجمهورية التونسية الأسبق فقدت الأوساط العلمية عالما جليلا وعلما بارزا وفقيها نابغا جمع بين العلم الغزير والعمل الصالح وبين الفهم الدقيق والقدرة الخارقة علي فهم المسائل وتكييفها الشرعي وتقديم الحلول لها فكان باستحضاره المدهش للفقه القديم فقه المتون والشروح وعقليته المنفتحة علي قضايا العصر يشكل جسرا وبرزخا بين القدماء والمعاصرين من الفقهاء فكان رحمه الله متمكنا من العلوم الآلية والعالية علي منهج القدماء ويعايش القضايا المستجدة والمسائل المستحدثة التي كثرت بسبب التقنيات الحديثة و التطور في مجال الطب والعلوم والهندسة الوراثية .

فكان رحمه الله علي كبر سنه وبعد موطنه وممشاه حريصا علي حضور المؤتمرات الفقهية التي تنعقد في دول المشرق العربي مشاركا ومساهما يثري فعالياتها بالأبحاث والمناقشات والمشاركة في صياغة القرارات والتوصيات.

فقد كان عضوا فعالا في مجمع الفقه الإسلامي الدولي وله حضور متواصل في ندوات المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدولة الكويت و إسهامات ملموسة في ندوات الاقتصاد الإسلامي التي تعقدها الهيئة الشرعية لشركة دله البركة بانتظام وكذلك ندوات بيت التمويل الكويتي وشركة شوري وغيرها من المؤسسات الفاعلة وبنك التنمية الإسلامي بجده.

ولد رحمه الله في عام 1925وانتقل الي رحمة الله ف19/8/2019 تاركا بعد ارتحاله علما نافعا من كتب وأبحاث و فتاوى وخطب وذكري عطرة و مكتبة خاصة قيمة أهداها للمكتبة العامة في مسقط رأسه مدينة صفاقس ليستفيد منها اهل اول بلدة مس جلده ترابها الي جانب أولاده الأماجد ولا نعرف عنهم كثيرا. 

كان رحمه الله قد تلقي العلم من أمثال الشيخ العلامة محمد الطاهر ابن عاشور ونجله محمد الفاضل ابن عاشور وبعد التخرج اشتغل في مجال التدريس في الكلية الشرعية الزيتونية وغيرها وانتخب مفتيا عاما للجمهورية التونسية في عام1984خلفاللشيخ الفقيه محمد الحبيب بلخوجة بعد انتقاله الي جدة كأمين عام مجمع الفقه الإسلامي الدولي. 

واختير رئيسا للمجلس الإسلامي ورئيسا للهيئة الشرعية العالمية للزكاة وعضوا في العديد من المنظمات والمؤسسات العلمية والدينية المحلية والدولية .

نبغ رحمه الله في العلوم الشرعية فكان كشمس مطلعها الغرب علي غرار أعلام المغرب العربي قديما وحديثا ونفع المشرق والمغرب بعلمه وسلوكه وترك بصماته في الأوساط العلمية من خلال أنشطته ومشاركاته في المؤتمرات التي عقدت في السعودية والكويت ودبي ومصر وغيرها من البلاد والأمصار.

كان رحمه الله غزيرا لعلم واسع المعرفة حاضر البديهة دقيق الفهم بارعا في المناقشة والحوار وكان ألفا مألوفا جم التواضع مثالا في النزاهة والإخلاص. 

جمعتني و إياه قاعات المؤتمرات ومجالس الندوات الفقهية مرارا كما كان شرف الاجتماع بسماحته في هيئة الرقابة والتصنيف التي ضمت 18عالمابينهم فضيلة الدكتور عبد السلام العبادي أمين عام مجمع الفقه الإسلامي الدولي والدكتور صالح الحصين رئيس شئون الحرمين الشريفين سابقا والدكتور صالح بن زابن المرزوقي أمين عام المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة والدكتور عبد الستار أبوغدة ومن شبه القارة الهندية الدكتور محمود احمد غازي وبدر الحسن القاسمي وآخرون والشيخ محمد مختار السلامي هو الذي تم اختياره لرئاسة هيئة الرقابة والتصنيف وكان أكبرنا علما وسنا وكان نعم الرئيس في إدارة الجلسات وإعطاء الفرصة لكل من يرغب في الحديث ولم يقدر للهيئة أن تستمر أكثر من عامين وذلك لعدم رغبة المؤسسات المالية الإسلامية أن تكون عليها رقابة شرعية من جهة مستقلة غير خاضعة لها و في واقع الأمر كان هدف إنشاء هيئة الرقابة والتصنيف حماية تلك المؤسسات من ما يوجه اليها والي هيئات الرقابة الشرعية من انتقاد بسبب ارتباطها بالبنوك وحصول أعضائها علي مكافآت .

وقد سعدنا بمصاحبة الشيخ السلامي في 1428 ه في موسم الحج حيث كنا ضيوف وزارة الحج في المملكة العربية السعودية مع مجموعة من العلماء من بينهم سماحة الشيخ محمد مختار السلامي والدكتور زغلول النجار والدكتور نور الدين الخادمي وآخرون وكان يرافقني ابني الراحل في عنفوان شبابه وهو يحضر الماجستير بالأردن رحمه الله وجعله ذخر الي يوم القيامة .

ومما يذكر اننا خفنا من الكسل والخلود الي الراحة و النوم في يوم عرفة في ظل الضيافة الملكية التي توفر كل أسباب الراحة فلجأنا الي سماحة الشيخ محمد مختار السلامي وذكرنا حالتنا القلبية ونحن في يوم عرفة فقام رحمه الله بيننا مذكرا وموجها وداعيا بخشوع وتضرع كما ينبغي فملأقلوبنا رقة وخشية تحيي القلوب وتنعش الوجدان وبذلك يشعر الحاج بلذة العبادة والدعاء والابتهال أثناء الوقوف في صعيد عرفات فجزاه الله عنا خيرا. 

ومن الذكريات الطريفة مع الشيخ محمد مختار السلامي اننا كنا في قاعة مركز الصحة العالمي بالقاهرة في الندوة العالمية عن الهندسة الوراثية التي عقدتها المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بدولة الكويت بالتنسيق مع مركز الصحة العالمي وشارك فيها عدد كبير من الفقهاء والمتخصصين في الطب والهندسة الوراثية كما شارك فيها رجال الدين من اليهود والنصاري أيضا.

وفي احدي جلسات الندوة بينما كانت فتاة إسرائيلية متخصصة تقدم ورقتها وتشرح مراحل تكون الجنين في الرحم وجه الشيخ السلامي اليها سؤالا : اذا أدخلت مادة الرجل المسلم في بييضة امرأة يهودية فالطفل الذي يتكون من هذا التلاقح يكون مسلما أم يهوديا ؟ 

قالت : ان الحكومة الإسرائيلية تشجع علي الانجاب ليكثر النسل ولا يهمها أمر المادة التي تؤخذ ماهو مصدرها أما الحكم الشرعي فاسئلوا عنها الحاخام الذي بين أيديكم. 

فقال الحاخام : لاتقولي هذا بل قولي لهم : مثل ما يوجدعندكم اختلاف الفقهاء في المسائل كذلك عندنا الفقهاء لهم آراء مختلفة في مثل هذه القضايا. 

وفي جلسة أخري من نفس المؤتمر طرح الفقيه الإيراني مستشارالرئيس الإيراني وممثل ايران في المؤتمرات الفقهية الشيخ علي التسخيري : فكرة انه لامانع شرعا من استئجار الأرحام وقيام المرأة البديلة بالحمل نيابة زوجة رجل مقابل أجرة معينة فقال الشيخ محمد مختار السلامي :كيف يكون ذلك والله سبحانه يقول: (ان أمهاتهم الا اللآئي ولدنهم ) فقال التسخيري :هذه الآية تتعلق بالظهار ولا علاقة لها بالموضوع فقال الشيخ الفقيه محمد تقي عثماني :قد ورد النهي عن سقي زرع غيره فقال الشيخ التسخيري: بعد اكتمال اللقيحة لا تبقي إمكانية السقي.

فتدخلت من غير الاستيذان من رئيس الجلسة وقلت : يقول الله عز وجل يقول: (نسآءكم حرث لكم ) فسواء توضع البذرة في رحم المرأة او الشتلة الجاهزة هذا حق خاص بالزوج وليس لغيره .

ومن ناحية ثانية ان الله سبحانه وتعالي أوجب العدة علي المرأة المطلقة والمتوفى عنها زوجها من اجل استبراء الرحم فكيف يجوز استئجار رحم المرأة للحمل من رجل غير زوجها ؟

فسألني الشيخ التسخيري : هل تعتبره الزنا؟ قلت:سواء يطلق عليه لفظ" الزنا"في الاصطلاح أو لايطلق هذه العملية تبقي أسوأ من الزنا وانتهي النقاش . 

ترك رحمه الله العديد من مؤلفاته من بينها :

الاجتهاد والتجديد وآفاق البحث في مقاصد الشريعة وتحقيق شرح التلقين للمازري والفتاوي الشرعية وكان مسك ختام أعماله تفسير كتاب الله العزيز باسم "نهج البيان في تفسير القرآن"ألفه في آ خر سنوات حياته وطبع في ست مجلدات .

هذه هي حياة حافلة لعالم جليل من المغرب العربي استنارت بعلمه بلاد المشرق والمغرب و قضي نحبه بعد ما انتفع به البلاد والعباد رحمه الله وأمطرعليه شآبيب رضوانه. 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا