الأربعاء 16 ربيع الأول 1441 - 13 نوفمبر 2019

الشيخ محمد حسن الخطيب - العالم الذي فقدناه

الأحد 24 جمادى الآخرة 1434 - 5 مايو 2013 1525
العالم الذي فقدناه
الشيخ محمد حسن الخطيب إمام وخطيب مسجد التل الكبير

فجعت مدينة التل 23/5/1430هـ الموافق17/5/2009م، بفقد إمامها الكبير الذي عاصرها قرابة ثلاثة أربع القرن، وهو فضيلة الشيخ محمد حسن الخطيب إمام وخطيب مسجد التل الكبير . والمحدث في الجامع الأموي ، وقد توفي ـ رحمه الله تعالى ـ عن عمر يناهز التسعين من العمر . أمضى حياته كلها في خدمة العلم والدين.

عرفناه إماماً وهو في عنفوان شبابه وفي العشرينيات من عمره ـ تغمده الله برحمته ـ لكن المعرفة الخاصَّة التي أكرمنا بها ، هو أنه كان أستاذنا في مادتي اللغة العربية والتربية الإسلامية ، خلال المرحلة الإعدادية . حيث كنا ننهل من علمه وفضله لثلاث سنوات ، فكان بحق أستاذ الجيل كله ، في التل. هذا الجيل الذي أصبح فيما بعد يملأ بثقافته وتجابه المواقع المتعددة في سورية .

ومما نذكره عنه في هذه المرحلة والذكريات كثيرة أنه كان في الخمسينيات في عهد انقلاب الشيشكلي ـ رغم تأثره ابتداءً به ـ يوجه نقده لهذا العهد ، وذلك حين فرض على العلماء زياً واحداً ، وألغى الطربوش ، وقال أمامنا ونحن طلاب في الثاني الإعدادي: سيزول هذا العهد ، ويعود للعلماء لباسهم الذي اختاروه ، وستجدونني على رأس أولئك العائدين .

لقد بقي إماماً ومحدثاً في الجامع الكبير في التل ، وبعد وفاة خطيب المسجد الشيخ علي الخطيب ـ رحمه الله تعالى ـ في الستينيات.

ارتقى المنبر في الأسبوع التالي ، وخطب خطبته الأولى ، وصار الوحيد والمعلم الشرعي في ساحة التل . فهو الإمام والمحدث ، والخطيب في المسجد دون منازع، وهو مصدر التلقي الوحيد آنذاك.

وحين استوى الشباب الذي ربَّاه على عينيه، وأصبحوا دعاة إلى الله . استأذنته في منتصف السبعينيات أن يكون لنا مشاركة في التوجيه والدعوة والتربية ، فتردد قليلاً ثم وافق على أن يكون لي درس بعد عصر الجمعة ، وحافظ هو على درسه قبيل صلاة الجمعة الذي لم يكن لينقطع صيفاًَ أو شتاءً عنه.

كان ـ رحمه الله تعالى ـ حادّ الذكاء ، حاضر البديهة ، حاضر النكتة ، لَسِناًَ فصيحاً ، يخطب بملء فيه ، وكان رجالات التل على اختلاف مشاربهم يحبونه ، ويشاركونه ويشاركهم أفراحهم وأحزانهم ، وكان لابدَّ أن يكون له كلمة في كل عرس ويحاول معالجة البدع التي نشأت عن جهل الناس في دينهم ، لأنَّ أهل المدينة ينتسبون جميعاً للمذهب الشافعي . فقد كانت الثقافة الفقهية على مذهب الإمام الشافعي هي التي تعرض في المسجد الكبير . ولأن المذهب الشافعي يرى الإمامة لأول جماعة ، كانت المساجد الأخرى في التل تقام فيها الجماعة ، أما خطبة الجمعة فكانت موحَّدة فلا صلاة للجمعة إلا للمسجد الكبير الذي يخطب فيه.

ومع نهاية السبعينيات امتدت ساحة علمه ومواطن الاستفادة منه فكان أن أتيح له أن يلقي درساً في المسجد الأموي بدمشق ، وكانت خطوة طموحة فحافظ على درسه حتى قبل وفاته.

ثم اتسعت دائرة علمه ، وصار يثقف نفسه في المجال العلمي ، وأحسسنا أنه يوسع ثقافته إضافة إلى دائرة فقهه ، فأصبحت الخطب تحوي عمقاً أكثر ، وتأثيراً أكبر ، ثم اختير مفتياً لمدينة التل ، وبقي في منصب الإفتاء حتى آخر حياته .

كان يخالط الناس ، وينزل إلى مستواهم ليرفعهم إلى التمسك بدينهم.

ثم زاد اعتناؤه بتوجيه ولده فضيلة إمام المسجد الكبير في التل اليوم ليحمل عنه الراية ، ويتابع استلام منصب الإمامة والخطابة ، وهيأ له الجو ليكون خليفته من بعده ، خاصَّة أنه تعرض لحادث اعتداء أثيم عليه في محالة لاغتياله ، فكفَّ بصره في الثمانينيات ، لكنه بقي محافظاً على نشاطه وخطبته ودعوته .

وبعد أن اتسعت مدينة التل ، اتساعاً كبيراً ، ولم يعد من الممكن في الثمانينيات أن يجتمع كل المصلين لأداء فريضة الجمعة في المسجد الكبير ، وأصبحت الجمعة تصلى في العديد من المساجد ، بقي المسجد الكبير هو القبلة الأولى ، ومركز التجمع الأكبر للناس فيه ، خاصَّة وقد فتح المجال للأخ الفقيد الأستاذ أحم مصمص ـ رحمه الله تعالى ـ أن يكون له حديث في المسجد العام ، لكن لم يفكر أحد منا أن يتطاول لمنافسته ، بل كنا نحرص على أن نظهر أننا امتداد له .

لقد كان ـ رحمه الله تعالى ـ له خصوم وأصدقاء ، لكن لم يكن يناقش في علمه أحد ، وبالتالي بقي الجو للقيادة العلمية له.

التقيته بعد غياب ربع قرن في السعودية ، وتحدثت معه ومع إخواننا حديثاً مطولاً عن الأوضاع العامة والخاصة ، مع سيل الذكريات الكبير الذي عشناه ، وكانت جلسة ممتعة ومثيرة ومفيدة ، مع تلامذته ومحبيه .
وقد اعتكف في أخريات حياته ـ رحمه الله تعالى ـ حين تقدمت به السن ، وثقلت خطاه ليحيا مع القرآن والعلم ، وبقي حياً في قلوب إخوانه وأصحابه ، حيث كانوا يتعهدونه ، ويزورونه في بيته إكراماً له .

لم تكن له تلك الشهادات العليا الشرعية ، وقد حاول في الستينيات الانتساب إلى كلية الشريعة غير أنه لم يستطع المتابعة فيها لظروف مرت به .

لكنه بقي ينير الدرب ، وينشر العلم ، حتى وافاه أجله ، منذ أسبوع، وخرجت التل كلها تودعه إلى مثواه الأخير ، وتناقلت وكالات الأنباء نبأ وفاته.

رحم الله شيخنا وإمامنا أبا موفق الشيخ محمد حسن الخطيب ، وأجزل مثوبته وغفر ذنبه ، ورفع درجته ، وحشره مع العلماء العاملين تحت راية سيد المرسلين، وجبر الله مصيبة التل ودمشق وسورية بوفاته .
وجعل في ولده الشيخ الفاضل خير خلفٍ لخير سلفٍ ، إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

أحد تلامذته .
د. منير الغضبان

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا