الاثنين 18 ذو الحجة 1440 - 19 أغسطس 2019

لمحات من حياة الشهيد أحمد حلمي خوجة رحمه الله تعالى

الخميس 30 جمادى الآخرة 1440 - 7 مارس 2019 1114 كاتب الترجمة : زوجته عائشة محمود شعبان 
لمحات من حياة الشهيد أحمد حلمي خوجة رحمه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله الذي رزقك الشهادة في سبيله، وابتلاك بما ابتلى به سيدنا يوسف عليه السلام ،وكانت الآية الكريمة هي شعارك : " رب السجن أحب إليَّ مما يدعونني إليه " فصبرت وثبت حتى لقيت ربك راضيا مرضيا بإذن الله تعالى.

لا أدري من أين أبدأ بالحديث عنك زو جي الغالي الشهيد ( أحمد حلمي خوجة ) ؟ 

أأبدأ من سيرة الابن البار لوالديه ؟ 

أم من ابن الدعوة التي نشأ وتربى وترعرع في ظلالها ؟؟

أم من الأخ الواصل للرحم والمحب والوفي لأخواته وإخوته ؟؟ 

أم الزوج الوفي المقدر المخلص ؟؟؟

أم الأب الذي يحنو ويعطف على ولدين لم يعرفا معنى كلمة " بابا " شيماء التي ودعها في سيارة أمن الدولة والقيد ( قيد العز ) بيديه وعمرها ثلاث سنوات وشهران حين شاهدت يديك يلف بهما القيد وسألتك : ماهذا الذي بيديك ؟ فقلت لها " هذه أسوارة " فظلت فترة وهي تردد :"كان في يدي بابا إسوارة" .

ومحمد يمان ابن السنة والشهرين لم يعرف سوى كلمة بابا لكنه لايدري ماذا تعني سوى أنه يسمع الأطفال يرددونها فيرددها مثلهم . 

فعلاً لا أدري من أين أبدأ ، سأذكر كلمات عن سيرتك الذاتية لأعرف بك من لا يعرفك من أبنائنا وشبابنا :

فأنت من مواليد حي الكلاسة في حلب 2/2 / 1949 من أسرة كان لها السبق بالانتماء للدعوة الإسلامية، وهذا ما حدثني عنه المربي الفاضل " عدنان كنعان " رحمه الله فقد ذكر لي أن عمك وزوج أختك وبعضا من إخوتك كانوا من أوائل من كانوا من رعيل الدعوة. 

حصل زوجي - رحمه الله تعالى- على ليسانس اللغة العربية ودبلوم التربية من جامعة بيروت العربية، وكان يحضر للماجستير برسالة بعنوان " الأدب في بلاط سيف الدولة الحمداني " وعمل مدرساً للغة العربية كان آخرها في منطقة " تل رفعت " 

وأقول وأنا أشهد الله : أنه كان الابن البار همّه إرضاء والديه وزيارتهما والتودد إليهما والجلوس بجوارهما ليحدثاه ويستمع لما يقولان كل يوم وكذلك زيا رة أخواته والتحدث والممازحة ومشاركة الجميع أفراحهم ومناسباتهم .

وهو أيضا إبن الدعوة التي انتمى إليها منذ أصبح يافعاً ، فترسخت مبادؤها في جوارحه وأشبع بمبادئها وتعاليمها عملاً وفكراً ولا زلت أذكر - أيها الزوج الحبيب - حين تعارفنا لنتحدث عن أمورنا فقلت لك: إن فلاناً تقدم يطلبني من أهلى وهو تاجر ميسور الحال، فقلت لي: " هو تاجر بالمال وأمور الدنيا ونحن تجارتنا مع الله ، وهو الذي يتولانا " فزادتني هذه رغبة بالاقتران بك .

وحين كنا نصلي أو نجلس لتذكّرني أن نختم جلستنا بدعاء الرابطة فتردد جملة : " وارزقنا الشهادة في سبيلك " ثلاث مرات ،وحين أقول لم ترددها هكذا ؟ تقول لي: " لعلنا نرزق هذه الدرجة وإن كنا مقصرين . 

مما حصلت عليه بين كتاباتك ما ترك أثرا كبيرا بنفسي " مقالتك تحت عنوان " أصحاب الدعوات " وفيها قلت: أصحاب الدعوات لابد أن يتحملوا تكاليفها ، ويصبروا على الإيذاء والتكذيب . وتكذيب الصادق الواثق صعب مرير على النفس حقاً، لكنه بعض تكاليف الرسالة ، فلابد لمن يكلفون بحمل الدعوات أن يصبروا ، وأن يثابروا ، ويثبتوا ، ولابد أن يكرروا الدعوة ويبدؤوا فيها ويعيدوا ، وعلى هذا فهم بحاجة ماسة الى الصبر ورباطة الجأش، ليستطيعوا المثابرة والثبات ، في أداء الرسالة وتبليغها للناس ، فما كان للدعوة أن تنتصر وأصحابها في لين من العيش، وإنما يكتب لها النصر بمقدار مايقدم أهلوها من صبر جميل، وتضحية غالية ، و ثبات عنيد " .

وأما عن أيام وفترة المحنة حين لا تهدأ عن العمل ليل نهار، وقد نسافر معاً أو بمفردك لتتلقى الأوامر للعمل وتطبيق الأوامر ونعمل معاً فتكون شيماء من حصتك لأنها أكبر ، ويمان لي فهو الأصغر ولانلتقي إلا ليلاً وقد تأتي من السفر لتدوام الى المدرسة مباشرة " جعلها الله في صحيفة عملك ". 

ولا أزال أذكر أيام المفاوضات التي قام بها الأخ الفاضل المرحوم "أمين يكن "رحمه الله أتيت وأنت تكاد تطير فرحاً تلوح بالسبحة بيدك وتتغنّى بأن أخواننا سيخرجون من السجون وستنتهي الأزمة وتعود الأمور لطبيعتها " .

ونستقبل أخوة أعزاء فنرافقهم في جولاتهم منهم من لا زال يعيش بيننا ، وبعضهم استشهد إما بمواجهات أو في السجون ، وتعمل دون كلل وملل رحمك الله وأثابك رضاه.

جئت من إحدى الزيارات في خارج البلاد، لتقول لي :" إن فلاناً من إخواننا نصحني بأن نخرج من سورية فالعمل متوفر لك ولي فلمن نترك هؤلاء الشباب وهذا الشعب ؟ لا والله لا أترك العمل هنا .

وفي أقبية التعذيب وتحت وسيط الجبناء الأذلاء كانت كلمتك: " يارب ...... ياالله ".

عائشة لقد تعبت فقلت لك: " اصمد إنَّ الله معنا " وكان الذي يشرف على التعذيب والتحقيق النذل السيء السمعة " أليف الوزة ". 

وانقطعت أخبارك كسائر الشباب الذين غيبوا في السجون حتى كان عام(1995 ) حين سلم جثمانك الطاهر لأهلك وعلامات التعذيب تملأ جسدك الطاهر لترزق الشهادة في سبيل الله وكما العهد بيينا أن يكون العمل في سبيل الله هو هدفنا ، أسأله تعالى أن يثبتنا على عمل الخير لنلتقي في ظلال الفردوس الأعلى .

وبقيت أبحث وأسأل عن حياتك في السجن حتى كانت إجابة الأخ الفاضل المجاهد " محمود عاشور صلاح الدين الحموي " الذي خرج من سجن تدمر وصيدنايا بعد " 25 " سنة سجن ،حين أرسلت أسأله بعد برنامج مراجعات على قناة الحوار ( كان الشهيد أحمد حلمي خوجة قيادياً من إخواننا الكبار يعطي الدروس والعلوم في الزنزانة ، للشباب السجناء فأفسد عنه أحد المخبرين فوُضع في زنزانة خاصة للتعذيب شبه انفرادية تدعي " السيلون " وكانوا يخرجون به كل يوم للتعذيب ويجبروه على الركض مع السياط التي تنهال عليه وفي المرة الخامسة رأيته وقع على الأرض نتيجة أزمة قلبية أصابته.

رحمك الله أبا اليمان فقد كنت نعْم الإبن ونعْم الزوج والأب والأخ والعامل والمجاهد وجمعنا بك في الفردوس الأعلى. زوجتك : أم اليمان

إهداء بخط زوجي الشهيد - رحمه الله تعالى- بمناسبة عقد قراننا, كتب على الصفحة الأولى منه: الحياة في ظلال القرآن نعمة أيّ نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه. فإلى "حارسة القلعة" كما يسميها صاحب الظلال أقدم خير هدية تعبّر عن حقيقة العهد والارتباط بيننا ، ولتكون المعين الذي نتلمَّس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وغدنا . أحمد

شاركنا بتعليق



  • علي صدر الدين البيانوني

    تاريخ اليوم الخميس : 7 / مارس / 2019 الوقت الأن 16:30

    الأخت العزيزة الفاضلة المجاهدة الوفيّة أم اليمان حفظها الله تعالى.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. وبعد: فقد انتهيت للتوّ من قراءة كلماتك الرائعة التي تفيض حباً ووفاءً لزوجك الأخ الحبيب الشهيد أبي اليمان (لمحات من حياة الشهيد أحمد حلمي خوجة) رحمه الله تعالى.. ولا أكتمك أنني لم أملك نفسي من البكاء وأنا أقرأ هذه الكلمات الرائعة التي أعادت إلى ذاكرتي شريطاً طويلاً من الذكريات العطرة مع الشهيد الحبيب، منذ أن تعرّفت عليه في أوائل سبعينيات القرن الماضي، أنموذجاً حيّاً لابن الدعوة البارّ الذي جعل الدعوة إلى الله عزّ وجلّ، والعمل في سبيله، الهمّ الأول في حياته، فكان يؤدّي مهمّاته بدأبٍ ونشاطٍ قلّ مثيله، لا يبالي بما قد يصيبه خلال عمله ونشاطه في سبيل الله.. كل ذلك بوجه وضيء باسم، يعبّر عن حجم الثقة بالله عز وجلّ، والاطمئنان إلى صحة طريق الدعوة الذي سلكه منذ نعومة أظفاره. وما زلت أذكر يوم كنت متخفياً في حلب في بداية عام 1980، يوم انتقلنا بسيارته إلى مدينة حماه في مهمّة دعوية، وكنت أحمل في حضني الطفلة الوديعة (شيماء) التي لم تكن تجاوزت السنتين على ما أذكر، وتحملين أنت في حضنك الطفل الرضيع (يمان)، وكان أبو اليمان رحمه الله يقود السيارة، ومررنا بعدة حواجز أمنية، واشتبهوا في أحدها به رحمه الله، بينما أعادوا لنا بطاقتينا، لكنّ الأمور تمّت بسلام.. وما زلت أذكر يوم ضاق عليّ الخناق في حلب بعد موجات التمشيط والتفتيش في المدينة، في شهر آذار 1980، فإذا بكِ أنتِ وأختاً فاضلة معك، جئتما إلى مخبئي الموقت، لتنقلاني إلى منزل صغير لأحد أقاربه، هيّأه لي رحمه الله.. وفي الحقيقة فقد صادفت في حياتي عدداً غير قليل، من الإخوة الذين نذروا حياتهم للدعوة، وكانوا يعيشون بها ولها ومن أجلها، كان أبو اليمان رحمه الله، واحداً من هؤلاء البررة الذين اصطفاهم الله، هكذا أحسبه، ولا أزكّيه على الله، فهو أعلم به، حيث اجتباه للشهادة. وأخيراً.. أعترف بأنني لا أستطيع أن أوفّيَ الشهيد الحبيب حقه، ويكفيه فخراً أنه كان أنموذجاً حيّاً لما ينبغي أن يكون عليه الشابّ المسلم الداعية إلى الله، وأعتقد أن من فضل الله عز وجلّ عليه، أن هيّأ له زوجة صالحة داعية صابرة وفيّة، تعينه في حياته وتشدّ من أزره، وترعى عهده وأولاده من بعده.. فجزاكِ الله كلّ خير.. وأسأل الله عز وجل أن يتغمّد أخانا الحبيب أبا اليمان بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته، وأن يجمعنا به في مستقرّ رحمته، تحت ظلّ عرشه يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه، مع الأنبياء والصدّيقين والشهداء والصالحين.. وحسُن أولئك رفيقا أبو أنس علي صدر الدين البيانوني