الأربعاء 5 ربيع الثاني 1440 - 12 ديسمبر 2018

العلامة الشيخ مصطفى الزرقا

الاثنين 4 ربيع الأول 1440 - 12 نوفمبر 2018 142 كاتب الترجمة : محمد عدنان كاتبي
العلامة الشيخ مصطفى الزرقا

1322 ـ 1420هـ

1904 ـ 2000م

الشيخ مصطفى بن الشيخ أحمد بن الشيخ محمد بن السيد عثمان بن الحاج محمد بن عبد القادر الزرقا الحنفي الحلبي.

فقيه حنفي، أصولي، نحوي شاعر، له مشاركة في أحداث وطنه الاجتماعية والسياسية، واسطة العقد في (سلسلة الذهب) (1).

ولد في مدينة حلب، سنة: اثنتين وعشرين وثلاثمئة وألف للهجرة، في أسرة تمرست بالعلم، واشتهرت بالفقه، فوالده الشيخ أحمد، فقيه بلاد الشام وجده الشيخ محمد العلامة الفقيه الذائع الصيت (2).

في أحضان هذه الأسرة نشأ الشيخ وترعرع، ومنذ نعومه أظفاره دفعه والده إلى شيخه الحافظ المقرئ الشيخ أحمد الحجار، ليتعلم عليه تلاوة القرآن الكريم ومبادئ الكتابة والحساب، ثم وجهه إلى الشيخ محمود سعيد السنكري، ليأخذ عنه علوم اللغة العربية نحوها وصرفها، فقرأ عليه 

(حاشية الكفراوي على الآجرومية)، ثم تلقى تعليمه الابتدائي في إحدى المدارس الفرنسية، رغبة من والده في تزويده باللغات الأجنبية والعلوم الكونية والثقافات الحديثة، إلى جانب الثقافة العربية الإسلامية، لتكون له حصناً فكرياً ضد الهجمات الاستعمارية والتبشيرية.

وعندما شبّ، أراد أن يتجه إلى العمل في التجارة، لكن جده الشيخ محمد أصرّ على والده أن يلحقه بالمدرسة (الخسروية)، وفيها التقى مجموعة من علماء حلب وفقهائها الكبار، فأخذ عنهم مختلف العلوم الشرعية والعربية والكونية، ومن هؤلاء والده العلامة الفقيه الشيخ أحمد الزرقا، فقد درس عليه الفقه الحنفي وقواعد المجلة، والعلامة المؤرخ الأديب الشيخ محمد راغب الطباخ، وقد أخذ عنه علم الحديث والسيرة النبوية الشريفة، والشيخ العلامة محمد الحنيفي، ودرس عليه علم التوحيد والتفسير والبلاغة، والعلامة الفقيه الأصولي النحوي الشيخ أحمد المكتبي

قرأ عليه شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، والعلامة الفقيه النحوي الشيخ أحمد الكردي، درس عليه النحو والفقه الحنفي، والعلامة الشيخ إبراهيم السلقيني، وقد قرأ عليه الفقه والحديث النبوي الشريف، كما درس علوم النحو والتربية والأخلاق على أستاذه العلامة الشيخ عيسى البيانوني، وقرأ التفسير على شيخه الشيخ أحمد الشمّاع، ودرس علوم اللغة العربية، نحوها وصرفها وبلاغتها على علامة عصره الشيخ محمد الناشد الملقب (بالزمخشري الصغير)، كما حصل الشيخ في هذه المدرسة طرفاً من العلوم العصرية التي أدخلت إليها كالحساب والعلوم والجغرافية والتاريخ وغيرها(3).

ولعل من أبرز هؤلاء الشيوخ تأثيراً من نفسه وتكوينه العلمي والأدبي وفي حياته الفكرية والاجتماعية أربعة: جده ووالده وشيخه الشيخ محمد راغب الطباخ والشيخ محمد الحنيفي.

أما جده، فقد رسم له منهج حياته العلمية، إذا أصرّ على والده أن يلحقه في المدرسة (الخسروية)، وكان المترجم له يحضر درسه الوحيد الذي بقي عليه إلى نهاية حياته، وكان يخصّ كبار العلماء به في ذلك الوقت، وكان الشيخ مصطفى أصغر الحاضرين فيه. 

وأما والده الشيخ أحمد، فكان يخصه برعاية علمية خاصة، يمضي معه معظم الليل يدارسه كتب الفقه والأدب، وقد قرأ عليه في تلك الليالي أهم كتب الأدب، كالأغاني لأبي فرج الأصفهاني، والعقد الفريد لأبن عبد ربه، ولزوميات المعري وغيرها.

وأما شيخه الشيخ محمد راغب الطباخ، الذي كان له ولع خاص بكتب الحديث والتاريخ، فقد كان له الأثر البالغ في توجيهه إلى حرية التفكير

والبحث وإلى ربط العلم بالحياة، يشاركه في هذا شيخه الشيخ محمد الحنيفي، يقول صاحب الترجمة عنهما: " فلهذين الأستاذين بعد والدي أكبر الأثر في تثبت خطاي في الطريق العلمي الصحيح "(4).

لم ترو هذه العلوم الغزيرة التي حصّلها الشيخ مصطفى في المدرسة (الخسروية)، وكذا التي قرأها على والده وشيوخه ظمأه للعلم، وتطلعه إلى العلوم العصرية التي يجب على كل طالب علم أن يتحصن بها، ليواجه هذه الحياة المليئة بالتيارات الإلحادية والاستعمارية والتبشيرية والعلمانية المنحرفة، وأدرك أن عليه أن يتسلح بالعلوم الكونية الحديثة، ليقف في مواجهة هذه التيارات، لذلك عمل على الحصول على شهادة الثانوية (البكلوريا) في شعبتيها الأولى (شعبة العلوم والآداب) والثانية(شعبة الفلسفة) وقد حصل عليهما بتفوق منقطع النظير. 

وفي هذه المرحلة من حياته، كانت له مشاركات واسعة في العمل الوطني في سورية، فقد كان وزميله الشيخ معروف الدواليبي عاملا الربط بين الحركة الوطنية في سورية ـ الكتلة الوطنية ـ والعلماء يشارك في إعداد المظاهرات، ويخرج مع العلماء على رأسها، مندداً بالمستعمرين وأعمالهم.

التحق بعدها بالجامعة السورية، متابعاً دراسته في كليتي الحقوق والآداب معاً، ودأب على الدراسة فيهما، حتى تخرج فيهما في عام واحد وهو عام: 1933م، (فكان بذلك أول من جمع في سورية بين الثقافات الثلاث الشرعية والقانونية والأدبية) (5).

توجه بعدها إلى القاهرة، والتقى هناك علماءها الكبار، وحصل في القاهرة على (دبلوم الشريعة الإسلامية) من كلية الحقوق بجامعة الملك فؤاد الأول جامعة القاهرة حالياً.

لم يتأخر الشيخ - رحمه الله - في الاستفادة من علومه الغزيرة التي حصّلها، بل بادر إلى بذلها لطلاب العلم خاصة، ونشرها للناس عامة، فبعد تخرجه من المدرسة (الخسروية)، عمل مدرساً فيها لمادتي الفقه الحنفي والأدب العربي، ثم تولى دروس والده الشيخ أحمد في الجامع الأموي

وجامع الخير، وفي المدرسة (الشعبانية)، وقد عمل في هذه المرحلة من حياته في مهنة (المحاماة) حيث مارس هذه المهنة مدة عشر سنوات تقريباً.

وفي عام 1944م، انتقل إلى دمشق، وعمل مدرساً في كلية الحقوق في جامعتها لمادتي الحقوق المدنية والشرعية، كما درّس في الجامعة المذكورة القانون المدني، وأصبح رئيساً لقسم الحقوق المدنية والشرعية، وظل مدرساً في هذه الكلية إلى أن أحيل إلى التقاعد، عام: 1966م، وكانت له محاضرات في كلية الشريعة وكلية الآداب في جامعة دمشق. 

وقد دعي في عام: 1954م، لإلقاء محاضرات في القانون المدني السوري في معهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية في القاهرة.

في عام: 1966م، دعته وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الكويت ليكون خبيراً للموسوعة الفقهية فيها.

وفي عام: 1971م، دعته الجامعة الأردنية للتدريس في كلية الشريعة لمادة المدخل الفقهي العام، ومدخل العلوم القانونية، وقواعد القانون المدني الوضعي.

في عام: 1981م، اختارته الدائرة القانونية في الأمانة العامة بجامعة الدول العربية عضواً في لجنة الخبراء، لوضع مشروع قانون مدني موحد للبلاد العربية، مستمد من الفقه الإسلامي.

كما شارك في عدد من المجامع الفقهية، واللجان القانونية الرسمية

منها:

1-مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي.

2- المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.

3- مجلس المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) في عمان.

4- وكان عضواً في اللجنة الثلاثية التي وضعت مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري عام: 1952م.

5- رئيس اللجنة الثلاثية التي وضعت مشروع قانون موحد للأحوال الشخصية لمصر وسورية خلال عهد الوحدة عام: 1959م.

وقد كانت له مشاركة فعالة في تأسيس وتطوير عدد من الجامعات العربية في دمشق والقاهرة والمدينة المنورة ومكة المكرمة، هذا بالإضافة إلى محاضراته وأبحاثه الفقهية والإسلامية في كثير من المؤتمرات والندوات في البلدان العربية والإسلامية وغيرها.

كما عمل -رحمه الله تعالى- في المجال السياسي في سورية فقد تولى وزارة العدل عام: 1956م، ووزارة الأوقاف عام: 1962م، وانتخب نائباً عن مدينة حلب في المجلس النيابي السوري، لدورتين تشريعيتين 

عام: 1954م و1961م، وبقي مستقلاً، ولم ينتم إلى أي جماعة أو حزب (6).

وقد منح الشيخ مصطفى جائزة الملك فيصل العالمية عام: 1404هـ تقديراً لإسهامه المتميز في مجال الدراسات الفقهية، ولكتابة القيم 

(المدخل إلى نظرية الالتزام في الفقه الإسلامي).

وكرمه الوجيه والأديب السعودي المعروف الأستاذ عبد المقصود خوجه، في إحدى (اثنينيانه) التي أقامها احتفالاً به في جدة عام : 1996م وقد اكتشف الحاضرون في أمسية التكريم هذه أن الشيخ مصطفى الزرقا شاعرٌ، له في الشعر اليد الطولى، وأن الفقه قد غطى على هذه الموهبة التي يتمتع بها، لهذا عمد السيد عبد المقصود الخوجه إلى نشر ديوان الشيخ (قوس قزح)، لما فيه من ألوان الشعر المتنوعة وأغراضه المختلفة(7) وسأكتفي هنا بإيراد قصيدة له يرثي فيها ابنه نوفل الذي اختطفته يد المنون شاباً، وسأثبتها بخط يده، لنقف معاً على هذه الموهبة الشعرية الفذة، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى ديوان الشاعر.

ـ المدرسة الشعبانية ـ

ـ قصيدة مكتوبة بيد الشيخ مصطفى الزرقا يرثي ولده نوفل ـ

تميز الشيخ مصطفى رحمه الله: بفكر نيّر، متفتح، ناقد، بعيد عن التقاليد أو التعصب، وإذا كان الشيخ حنفي المذهب بحكم دراسته للمذهب على والده وجده من قبله، لكنه (كثيراً ما كان يخرج عليه إذا رأى غيره أرجح من ناحية الدليل، لمراعاة النص، أو لتحقيق مقاصد الشرع

ومصالح العباد)(8) وهو (لا يدّعي أن رأيه الذي كوّنه في المسألة هو حكم الله، ولا أنه الصواب الذي لا يتحمل الخطأ، بل كما قال الأولون:

(رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)(9)، لكنه كان(يقف كالصخرة الصماء، لا يتزحزح ولا يلين حتى يكاد يحسبه بعض الناس من الجامدين، وما هو من الجامدين، ولكنها محكمات النصوص هي التي تحدد موقفه، وذلك مثل فتواه في زواج المسلمة من غير المسلم، فقد سدّ الباب إلى ذلك بقوة)(10)، كذلك جوابه عن محاولة بعض البلديات ضم المقابر الإسلامية إلى ملكيتها(11).

وفي فتاويه وآرائه الفقهية، يميل إلى الأخذ بالأيسر على المسلمين ممتثلاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا) (12).

وغني عن القول: إن هذا التيسير والأخذ بالأسهل على الأمة ما كان ليخرجه عن قواعد الشريعة وأسسها ومصادرها.

أما فتاويه (فليست مجرد قول المفتي: يجوز أو لا يجوز، أو يجوز على مذهب فلان، ولا يجوز على مذهب آخر، بل هو يغوص في المسألة ويحلل عناصرها، ويعرضها على النصوص الشرعية الثابتة، وقواعدها الضابطة، ومقاصدها الكلية، ويقلب النظر فيها بأناة وروية، كالعهد به دائماً حتى ينتهي إلى ما يراه من حكم شرعي لها) (13).

صرف الشيخ - رحمه الله - حياته المباركة المديدة في بذل العلم وإفادة الطلاب، ولذلك كثر طلابه، والآخذون عنه، وفضل منهم خلق كثير

تميزوا في مختلف نواحي الحياة العلمية والاجتماعية والسياسية، نذكر منهم على سبيل المثال، شيخنا العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، وشيخنا الفقيه الشيخ محمد الملاح، الدكتور فوزي فيض الله، وأستاذنا الشيخ أحمد مهدي الخضر، وأستاذنا الشيخ طاهر خير الله(14)، والأستاذ الأديب عبد الرحمن رأفت باشا، والشيخ محمد الحامد الحموي، والشيخ أحمد الحصري

(المعراوي) وغيرهم كثير، والحق إنه لو لم يكن للشيخ من التلاميذ سوى شيخنا الشيخ عبد الفتاح أبو غدة لكفاه.

ترك الشيخ مصطفى الزرقا مجموعة من الكتب العلمية أكثرها في الفقه والقانون، وقد تميزت آثاره بأسلوبه الأدبي الرشيق. 

فمن آثاره: 

1. سلسلة الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد في أربعة أجزاء هي:

1- المدخل الفقهي العام ـ الجزء الأول.

2- المدخل الفقهي العام ـ الجزء الثاني.

3- المدخل إلى النظرية العامة للالتزامات في الفقه الإسلامي ـ الجزء الثالث ـ وقد فاز هذا الكتاب بجائزة الملك فيصل العالمية.

4- العقود المسماة في الفقه الإسلامي عقد البيع ـ الجزء الرابع ـ

2. شرح القانون المدني السوري في ثلاثة مجلدات.

3. الفقه الإسلامي ومدارسه ـ بتكليف من اليونسكو ـ 

4. الاستصلاح والمصالح المرسلة في الفقه الإسلامي.

5. أحكام الوقف.

6. الفعل الضار والضمان فيه.

7. عقد الاستصناع وأثره في نشاط البنوك الإسلامية.

8. صياغة شرعية لنظرية التعسف في استعمال الحق.

9. نظام التأمين، والرأي الشرعي فيه.

10. في الحديث النبوي.

11. رسالة بعنوان: عظمة محمد صلى الله عليه وسلم مجمع العظمات البشرية.

12. فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا، جمعها واعتنى بها الأستاذ مجد أحمد مكي.

13. ديوان قوس قزح ـ شعر ـ.

وظل الشيخ على نشاطه وعطائه العلمي إلى أن أدركته المنية في مدينة (الرياض) في المملكة العربية السعودية، سنة: عشرين وأربعمئة وألف للهجرة، وترك بوفاته ثغرة في عالم العلم والفقه والقانون عزّ سدها وحزن عليه العالم الإسلامي كله، ودفن في مدينة (الرياض).

ـ رحمه الله ـ

 

المراجع والمصادر 

1- إثنينية عبد المقصود خوجة (جدة) 1996م.

2- دليل الشهباء.

3- ديوان المترجم (قوس قزح).

4- سجلات المدرسة الخسروية. 

5- علماء ومفكرون، لمحمد المجذوب.

6- فتاوى الشيخ مصطفى الزرقا.

7- مقابلات شفهية مع عدد من إخوان الشيخ وتلاميذه، منهم الشيخ محمد زين العابدين الجذبة، والشيخ أحمد سردار. 

8- المجلة العربية، رمضان 1420هـ.

9- مجلة منار الإسلام، العدد الأول، محرم 1431هـ. 

10- مجلة النور العدد: 210 شعبان: 1423هـ

===

(1) أطلق العلامة الأديب الشيخ علي الطنطاوي على هذه الأسرة لقب: (سلسلة الذهب) لتوارثهم العلم والفقه كابراً عن كابر (فتاوى الزرقا) ص 22.

(2) انظر ترجمة والده ص 146، وجده ص 108.

(3) انظر ترجمات شيوخه هؤلاء في مكانها من الكتاب.

(4) علماء ومفكرون 2/306.

(5) فتاوى مصطفى الزرقا ص26.

(6) يقول: (لم أدخل في حياتي كلها في جمعية ولا في حزب سياسي، ولكني أتعاون مع كل من ألتقي معه في الفكر والطريق) مجلة النور العدد 210، شعبان 1423، ص 66.

(7) المجلة العربية رمضان 1420هـ.

(8) مقدمة كتاب فتاوى مصطفى الزرقا بقلم الدكتور يوسف القرضاوي ص 13.

(9) المصدر السابق ص 8.

(10) فتاوى مصطفى الزرقا ص 267 وما بعدها.

(11) المصدر السابق ص453، وما بعدها.

(12) رواه الشيخان عن أنس بن مالك.

(13) فتاوى مصطفى الزرقا ص7.

(14) انظر ترجمات طلابه هؤلاء في مكانها من الكتاب.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا