الخميس 7 ربيع الأول 1440 - 15 نوفمبر 2018

الشيخ عبد الغفار الدروبي: حلاوة الإيمان وعذوبة القرآن!

الأربعاء 20 شوال 1439 - 4 يوليو 2018 521 كاتب الترجمة : وليد جداع
الشيخ عبد الغفار الدروبي: حلاوة الإيمان وعذوبة القرآن!

إذا كان في قلبي مثقال من إيمان، فإن شطره بتوفيق الله تعالى ، ربما كان عن طريق الشيخ عبد الغفار الدروبي رحمه الله تعالى وجزاه عني خير الجزاء.وإذا كان من شيخ تخرج على يديه نخبة من أفضل ما أنجبت حمص من شباب، فهو الشيخ عبد الغفار ! وإذا كان من شيخ، كان الشباب يعودون إليه من الجامعات، وبعد التخرج حتى في الدكتوراة، فهو الشيخ عبد الغفار! هو أستاذ أجيال، ومرب لأجيال، وساكب الروح والإيمان والقرآن في قلوب أجيال! رحمك الله يا معلمنا رحمة واسعة، وجزاك الله عنا جميعا خير الجزاء.

كان الشيخ رحمه الله إيمانا هائلا وقرآنا شجيا عذبا، آتاه الله صوتا حنونا مميزا ، لكن كان فيه امتزاج لهذا كله مع يقين بالله غريب. وأنا لا أشك لحظة واحدة في أنه واحد من أهل الله وخاصته!

كنت في الصف الثاني الإعدادي ، يوم بدأت الانتظام في دروس الشيخ، في مسجد جورة الشياح وسط مدينة حمص العزيزة. وكان الشيخ يعطي دروسه بين صلاتي المغرب والعشاء، مثل بقية علماء حمص. وكان يقسم هذه الدروس بين الفقه الحنفي، حيث يشرح كتاب مراقي الفلاح، أو الهدية العلائية. ثم كتاب حياة الصحابة للعلامة الهندي الشيخ يوسف الكاندهلوي، وهو كتاب رائع ومؤثر ولا سيما لجيل الفتيان. ثم كان درس الحديث الشريف في رياض الصالحين ، وهو من أفضل ما يمكن تعليمه للشباب واليافعين. أما درس تفسير القرآن الكريم فكان تفسير النسفي، وهو تفسير موجز وفيه اهتمام معقول باللغة العربية. 

لكن التلمذة على الشيخ رحمه الله كان لها بعد آخر أعظم من دروسه والتعلم منه. كان الشيخ رحمه الله في صلاتي المغرب والعشاء ، ثم في صلاة الفجر لمن كان بيته قريبا منه، في قراءته الجهرية يسكب في قلوبنا الإيمان والقرآن معا! كان الشيخ عظيم الارتباط بكتاب الله تعالى ، فكأنه هو هو روحه وقلبه وحياته وكل كينونته. كان القرآن من الشيخ يتنزل على قلوبنا وافئدتنا كأنه يتنزل من السماء تنزيلا!

وفي دروسه تلك، كان الشيخ يشرح بتوسط. فهو لا يبتسر ويقتصر ويختصر اختصارا مخلا، لكنه لا يتوسع كثيرا في الشرح. بيد أنه كان يفسح جدا المجال للأسئلة. وقد كنت ربما من الذين يثقلون عليه في الأسئلة! وأذكر جيدا أنني سألته عن اتجاه الناس المقابلين للكعبة تماما من الجهة اثانية من الكرة الأرضية أثناء الصلاة! وهو سؤال مشروع بطبيعة الحال وله ما يشبهه في الفقه. لكنه كان من التساؤلات التي تخطر ببال الشباب واليافعين دون شك. 

وللشيخ عبد الغفار رحمه الله جولات في التعليم والتربية . منها الحفلة الخطابية التي كانت تقام كل يوم اثنين بعد صلاة العشاء، حيث يدعى لها مشايخ وعلماء من بقية المحافظات. لكن قلوبنا كانت تتطلع دوما للحظة التي يأتي فيها دور الشيخ، فهي لحظة القرآن والروح وسكب الإيمان في القلوب الغضة الطرية! كان القرآن يتنزل علينا عبر الشيخ فيخالط أفئدتنا، ويسكب فيها حب الله ورسوله وقرآنه. ياه..كم أنا مدين لك ياسيدي الشيخ في إيماني وديني ومحبتي للقرآن والإيمان!

خطب مرة عن قصة الشقيين (عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف) اللذين آذيا رسول الله كثيرا. ووالله إنني لحفظت منه الآية الكريمة: " ويوم يعض الظالم على يديه. يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا. لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني، وكان الشيطان للإنسان خذولا" ...حفظتها من تجلياته الروحية العظيمة يومها، وما زلت على حفظي لها من ذلك اليوم، قبل سبعة وخمسين عاما.

كان للشيخ تجلياته الإيمانية في خطب الجمعة أيضا. كانت تلاوته للقرآن في صلاة الجمعة أو في الخطبة نفسها، سحرا حلالا رائقا. لكن هذه التجليات تبلغ ذروتها يوم يتفاعل الشيخ رحمه الله مع حدث ما أو مناسبة. وفي مرة لا أنساها، وما أظن أحدا من حضور صلاة الجمعة يومئذ قد نسيها. جاءت إلى المسجد جنازة للصلاة عليها. وكانت الخطبة يومها واحدة من تجليات الشيخ الباهرة. خصص الخطبة يومها للحديث عن الموت. فما تسمع في المسجد إلا بكاء ونواحا وعبرات وتأوهات..الشيخ يعظ بالقرآن والناس تبكي فرقا. والشيخ يسكب روحه في التلاوة فتوجل القلوب رهبة وهلعا.., ما في القوم إلا باك ونائح وواجل. كانت واحدة من ساعات الشيخ الروحية التي امتزج فيها الإيمان مع القرآن مع جلال كلمات الله ...

وعودة إلى دروس الشيخ، لتذكر مآثره ومناقبه. كان الشيخ رحمه الله كثير الحياء. ويوم كنا نصل في الفقه إلى موضوعات لا تفيد الفتيان الحاضرين أو تحرجهم، كان الشيخ يتجاوزها ، ويمر عليها سريعا. وكان من سيرته رحمه الله أنه لم يكن يوقف الدرس في غيابه لسفر أو حج. وكان أبنه الشيخ فيصل هو الأول إن حضر-وقليلا ما أذكره حضر-ثم ابنه الثاني عبد الوكيل رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فإن غابا فالأستاذ العزيز عبد الإله النجار، مد الله في عمره. ثم الأخ ظهير فاخوري وهو حي يرزق. ثم الأخ مراد البوشي وكان مقيما في الإمارات، وهو الآن في قطر في حالة صحية حرجة شفاه الله وعافاه، ثم الدكتور عبد العزيز السباعي أستاذ الكيمياء في أكثر من جامعة عربية... وهكذا كانت هناك تراتبية معلومة لدى الجميع نعرفها ولا نحيد عنها.... وكان هناك إخوة آخرون كثر يتصدون لمهمة التدريس بكل كفاءة واقتدار. فهم كلهم أصحاب علم وثقافة عامة وشرعية تؤهلهم للتوجيه والتعليم.

ويشاء الله أن يمتحن كثير من شباب حمص ، في عامي 1979 و1980، فتمتلئ بهم السجون، ويغادر منهم من يغادر. ويضطر الشيخ عبد الغفار رحمه الله إلى المغادرة. ويشاء الله تعالى أن ألتقيه في المملكة في أوائل التسعينيات، في جدة، فيتجدد بلقائه الحنين إلى أيام خلت، كانت فيها حياتنا -من توفيق الله وحده- دروسا عند العلماء، ولقاءات مع الأتراب ، ونقاشات في الفكر والدين والحياة لا تنتهي...

رحمك الله يا شيخ أجيال رائعة من شباب حمص. ما كان أكرمك عند الله وأجلك. إن علمك وتربيتك وفضلك أمانة في أعناقنا إلى يوم لقاء ربنا.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات