الثلاثاء 7 صفر 1440 - 16 أكتوبر 2018

المربي الداعية أبو الحسن الندوي رحمه الله

الخميس 30 رمضان 1439 - 14 يونيو 2018 155 كاتب الترجمة : عدنان زرزور
المربي الداعية أبو الحسن الندوي رحمه الله

 

- 1 -

كنت في صيف عام 1956 أستعد للالتحاق بالجامعة السورية، جامعة دمشق فيما بعد، طالبًا بكلية الشريعة، وكان علينا أن نجتاز اختبار قبول، وكانت الثقافة الإسلامية المعاصرة أحد مقررات هذا الاختبار، ونصحنا كثير من الزملاء، ونحن أمام باب واسع ليس فيه كتاب مقرر وتكاد لا تحده حدود أن نعني بقراءة كتابين هما: كتاب العدالة الاجتماعية في الإسلام للأستاذ سيد قطب، وكتاب ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين للأستاذ أبي الحسن الندوي، فكانت قراءة هذين الكتابين بالنسبة لنا فتحًا جديدًا وغير معهود في باب المعرفة التي تلقيناها في مراحل التعليم السابقة، وقد بهرنا كتاب الأستاذ الندوي بموضوعه وإحاطته وبيانه.. إلى جانب قوة روحانيَّة المؤلف التي كانت تشعُّ في الكتاب وتطل من وراء السطور، حتى استوقفنا عنوان «طاقة ورد أو ريحان».. وظننا أن في الأمر خطأ مطبعيًا أو غير مقصود، لأننا كنا نقول: باقة ورد، ولما رجعنا إلى المعجم وجدناها: طاقة! فقال بعضنا لبعض- وكنا نتدارس الكتابين في مجموعة من الأصدقاء- : أما آن لكم أن تتعلموا اللغة والبيان العربي من هذا الأديب الهندي الذي كان عضوًا في أكثر من مجمع من مجامع اللغة العربية، ثم علمنا فيما بعد أن الهند لم تكن أكثر من موطن لآباء الأستاذ أبي الحسن، أما نسبه فعربي صميم وحسني شريف.

- 2 -

توثقتْ صِلتي بعد ذلك بكُتب الأستاذ أبي الحسن، قبل أن تتوثق بشخصه الكريم، فقد لقيته في دمشق ولكنهو والحجاز والإمارات العربية وقطر رحمه الله، وقد كانت سعادتي كبيرة حين عهد إليّ أستاذنا الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله بأن أقوّم تجارب الطبع لكتاب الأستاذ الندوي: رجال الفكر والدعوة في الإسلام في طبعته الأولى التي تمَّت في دمشق، وكان قد ألقاه في سلسلة محاضرات على مدرج الجامعة السورية بدعوة من الأستاذ السباعي الذي كان في ذلك الوقت عميدًا لكلية الشريعة، وكان ذلك بُعيد التحاقي بهذه الكلية، ولم يفارقني منذ ذلك التاريخ الاعتقاد بأن كتب الأستاذ الندوي- والتي يتصدرها كتابه «ماذا خسر العالم..»- تُعلِّم البيان، وتغذِّي الروح والقلب، وتحيي الأمل بمستقبل أفضل للإسلام والمسلمين، وقد وصفته في كلمة ألقيتها في بعض مواسم الحج بأنه يمثل روح شبه القارة الهندية الباكستانية، في حين كان الأستاذ المودودي يمثل عقلها. وربما كان اختلاف مناهج العمل بين الرجلين يعود من بعض وجوهه إلى هذه الطبيعة، ونذكر هنا أن الفروق بينهما قريبة أو مساوية للفروق بين جمال الدين ومحمد عبده، فقد كانت طبيعة المودودي ومنهجه في الدعوة الإصلاح أقرب إلى السيد جمال الدين، في حين أن طبيعة الأستاذ الندوي ومنهجه أقرب إلى الإمام محمد عبده، بل إن منهج الأستاذ الندوي مطابق لمنهج الأستاذ الإمام، فقد عول مثله على إصلاح اللغة العربية وعلى التربية والتعليم، وفي وسع من يطَّلع على كتبه ويرى عمله في ندوة العلماء وأثره في مسلمي الهند أن يتأكد ما نقول، وقد قلت في الورقة التي قدمتها في المؤتمر التأسيسي لرابطة الأدب الإسلامي الذي عقد منذ نحو عشرين عامًا في رحاب ندوة العلماء بلكنهو: إنَّ من يدخل هذه الجامعة يخامره شعور مناقض لذلك الشعور الذي خامر أبا الطيب حين مر بشعب بَوّان والذي عبر عنه بقوله:

ولكن الفتى العربي فيها.. غريب الوجه واليد واللسان!

فقلت: إن من يدخل ندوة العلماء يشعر بأنه ليس بغريب الوجه ولا غريب اليد ولا غريب اللسان، وإن كان مثل هذا الشعور قد يخامر الزائر لبعض الجامعات في بعض العواصم العربية!

وبهذه المناسبة فإن الروائع التي ترجمها إلى العربية من شعر محمد إقبال تركت أبلغ الأثر في نفوسنا، ونجحت في تعريفنا بشعر هذا الفيلسوف الصوفي الكبير، حين اختار الأستاذ الندوي أن يترجمها نثرًا لا شعرًا.. حفاظًا على المعاني التي تضمنها هذا الشعر أو هذه الروائع كما أسماها، في حين لم يبلغ ما ترجمه منها كل من الصاوي الشعلان وعبد الرحمن عزام هذا المبلغ.

- 3 -

الذكريات عن الأستاذ أبي الحسن كثيرة، والتعريف بتراثه يحتاج إلى صفحات مطولة، وأكتفي هنا فقط بالإشارة إلى أنه رحمه الله كان حجتنا على القوميين في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، فقد كان يتحدث عن العالم العربي أو ينظر إليه على أنه زعيم العالم الإسلامي وإمامه، فأعاد بذلك- وبوصفه صوتًا منطلقًا من الهند- ترتيب الأوراق التي خلطها أصحاب التيار القومي، وهم يشوِّهون الصلة بين العروبة والإسلام وبين العربية والإسلامية، بل يشوهون وجدان أبناء الجيل وعقولهم حين كانوا يضعونهم أمام معادلة المفاضلة بين المسيحي العربي والمسلم غير العربي.. لا أقول في سذاجة وسخف شديدين.. بل في عملية خلط ماكر للسياسة بالفكر، وفي موقف سلبي جدًا من الإسلام يكاد يبلغ حد الثأر وتصفيه الحساب!

ولا ريب في أن الأستاذ الندوي لاحظ ذلك كله وأكثر منه حين خص الحديث عن الصراع بين الفكرة القومية والفكرة الإسلامية- أو الهُوية الإسلامية بعبارة أدق- بمؤلف خاص بدأ على شكل رسالة صغيرة قبل أن يصبح كتابًا فيما بعد.. وكان الأستاذ المربي الداعية شديد الصراحة والوضوح، ولطالما صارح العرب بنداءات خاصة متكررة.. جاءت كلها في سياق قناعته السابقة بمكانة العرب في التاريخ.

وبهذه المناسبة فلقد لاحظ الأستاذ الندوي في هذا الكتاب مدى ما جناه طغيان الجانب السياسي أو الاشتغال بالسياسة اليومية على الجانب الدعوي الإصلاحي الشامل في كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، وأعني جماعة الإخوان المسلمين، وربما حملت كلماته أو ملاحظاته النقدية للإخوان وللأستاذ أبي الأعلى المودودي الخشية في وقت مبكر مِن تغوّل المعنى الحزبي أو من طغيان أساليب العمل ورسومه وتنظيماته على غايات الدعوة الإسلامية وأبعادها الحقيقية، بل على قيم الإسلام الكبرى كالموضوعية والتوازن وعدم التطفيف.. في بعض الأحيان.

رحم الله أستاذنا الداعية المربي الذي كان واحدًا من أبرز الدعاة المصلحين في القرن العشرين، وعوض المسلمين خيرًا.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا