الاثنين 5 شوال 1439 - 18 يونيو 2018

مع الأستاذ الاديب إبراهيم عاصي رحمه الله تعالى

الخميس 16 رمضان 1439 - 31 مايو 2018 87 كاتب الترجمة : يحيى حاج يحيى
مع الأستاذ الاديب إبراهيم عاصي رحمه الله تعالى

اللقاء الأخير مع أستاذنا الشهيد إبراهيم عاصي في جسر الشغور !! وفي السجن !! كان إبراهيم عاصي ملء عين بلدته ، وأهله وتلاميذه ، وقراء مقالاته في مجلة حضارة الإسلام ، وكتبه وقصصه التي انتشرت في صفوف السوريين وغيرهم !؟ ومن الطرائف أنني استمعت إلى خطبة جمعة في بغداد ١٩٨١ ، فكان موضوعها ماكتبه أستاذنا عن المرأة التي يتاجر بقضاياها التجار والفجار - كما أسماهم - تعو د بي الذاكرة إلى اليوم الرابع من نيسان ١٩٧٩ م ، وكان آخر درس له في تفسير سورة يوسف عليه السلام ، في جامع الأ نصار ، وهو يغصُّ بالحضور من المدينة ومن الأرياف المجاورة ، وللذكرى فإن هذا الجامع كان جامع المواجهة مع النظام المجرم ، وكان للعيون والمخبرين وجود ظاهر وإن تظاهروا بالتقوى والخشوع المصطنع !؟ وقد كان خطيب المسجد الأخ الشهيد عبد الكريم النايف ، يكاد يميّزهم واحداً واحداً ! ولم يكن هذا ليمنعه من قول الحق ، بل كان يكويهم مرة ، وينصح مرة ، كما كان لأستاذنا عبارات تنغرز في جنوبهم لعلهم يستيقظون !؟ - ولعل من حكمة الله تعالى أن تكون هذه السورة ، والحديث عن السجن والبراءة من آخر ماسمعه الحاضرون ! كأن القدر يعده لهذه المرحلة التي طالت ، وتحدث عنها في رسالته من السجن إلى ابنه الشهيد عمار ، ومن خلال مقالته التي كتبها ( شيء من النيران ) وسرّبها بعض السجناء ، والتي تعدُّ من أرقى الكتابات الأدبية والتحليل النفسي والتصور الإيماني ، وقد نشرتها النذير في أعدادها الأولى بمقدمة كتبها أستاذنا الراحل الاديب محمد الحسناوي - رحمه الله - لم يكن المجرمون ليجرؤوا على اعتقاله في جسرالشغور ؛ لأنهم يعلمون مدى خطورة الأمر عليهم ، فاعتقلوه في إدلب ليلاً وهو في بيت شقيقته ، بعد نقله من التعليم إلى إحدى الدوائر في المحافظة !؟ في الوقت الذي كانت المدارس في حاجة إليه وإلى أمثاله ممن نُقلوا أو سُرّحوا أو سُجنوا ، أو شُرّدوا !؟ ومما يُذكر أن عدد المسرَّحين من التعليم في الدفعة الأولى في محافظة إدلب كان أكبر من بقية المحافظات ، وقد نالنا شرف ذلك بعد أحداث آذار ١٩٨٠ في جسر الشغور مع عدد من الإخوة زادوا على العشرين من الجسر وريفها !؟ وأترك لقلم الأخ الشاعر سليم عبد القادر - رحمه الله - وقد انقطعت أخبار الأستاذ إبراهيم عن أهله وإخوانه ، لينقل لنا في كتابه ( نقطة ... انتهى التحقيق ) صورة عن انطباعاته وصحبته له في السجن ، فيقول : 

كان الأستاذ إبراهيم عاصي عالٓماً من الذوق والأدب والفكر ! تعرفت إليه أول مرة من خلال كتبه اللطيفة التي تضم المقالات الرشيقة ( همسة في أذن حواء) والقصص الساخرة الماتعة ( ولهان والمتفرسون ) و ( سلة الرمان ) ، وقصدته مع ثلة من أصحابي في بيته في جسر الشغور ، حاملاً توصية من أستاذي وصديقه الأديب الشاعر محمد الحسناوي ، فاستقبلنا بحفاوة كبرى ، وأكرمنا أكراماً لا يمحوه النسيان ... وتوطّدت بعدها العلاقة فيما بيننا ، ثم اجتمعنا أخيراً في المهجع السادس في سجن كفر سوسة ، فازدادت المعرفة ، وازداد الإعجاب والود ..كان الأستاذ الكبير يمثل السجناء أمام إدارة السجن ، وينطق بلساننا ، ويعبر عن أحوالنا ، وينقل شكوانا ، وكان رئيس الفرع يستدعيه كلما جدّ أمر ، وحين يعود يحدّثنا عما جرى ... وكان يتمتع بلباقة عالية ، ومهارة في الحوار ، وذكاء وحكمة ، مع روح مطبوعة بالدعابة .... دعاه مرة رئيس الفرع بعدما صادروا لنا راديو مهرب نستمع فيه إلى الأخبار ، ودار بينهما حوار طويل ، ثم سأله الأستاذ : حتى راديو صغير تصادرونه !؟ فقال له : كيف دخل الراديو ؟ قال الأستاذ : تهريباً !؟ قال رئيس الفرع :وهل من المعقول أن نترك لكم راديو ، وأنتم لا تستمعون إلا إلى نشرات أخبار الكتائب ومونتي كارلو وما شابه !؟ ردّ الأستاذ باسماً : وهل من المعقول أن نطلب من الشباب أن يستمعوا لإذاعة دمشق ؟! وفي إحدى الليالي جاءت لجنة إلى السجن تمثل القيادة القطرية ، وأجرى أعضاؤها حوارات مع السجناء من قادة الإخوان ، ابتدؤوها بالأستاذ إبراهيم ، ثم راحوا يستدعون الآخرين واحداً بعد الآخر ً فيسمعون كلاماً قوياً تعلو وتيرته باستمرار ، ويحمّل السلطة مسؤولية مايجري من عنف في البلاد ، ولما فرغت اللجنة من مهمتها عادت فاستدعت الأستاذ إبراهيم ثانية ، فقال أحدهم : الكلام الذي سمعناه من إخوانك غير معقول !؟ قال الأستاذ : لماذا ؟ قال : إنهم يحملوننا المسؤولية كاملة ، ولا يتورعون عن توجيه النقد اللاذع ، والإهانات المبطنة ... ابتسم الأستاذ ابتسامته العذبة وقال : ماذا تريدون ممن يعتقدون أنهم معتقلون ظلماً أن يقولوا !؟ على كل حال ، إذا أردتم أن يغيروا مواقفهم فأطلقوا سراحهم !! ويضيف الأخ سليم : كتب الأستاذ إبراهيم رواية عن السجن ، ولما فرغ منها حاول تهريبها مع أهله عند الزيارة ، ولكن المحاولة فشلت وصودرت الرواية التي لم يكن يمتلك نسخة أخرى منها . كان الأستاذإبراهيم يجلس مستمعاً إلى دروس الشيخ عثمان جمال ، في العقيدة والفقه ، رغم أنه يكبره ببضع سنوات ! كان يجلس مصغياً بأدبه الجم ، وعقله اليقظ ، يتدخل أحياناً مستفسراً أو معلقاً ، أو محاوراً بتلقائية وهدوء ورحابة صدر ... ومامن أحد ألا أحبه ، وتعلم منه الكثير !! أما النهاية فكانت في مذبحة تدمر المرعبة ، مع ألف من إخوانه ، دخلت أجسادهم مقبرة جماعية ، ورفرفت أرواحهم سرباً واحداً نحو بارئها !! رحم الله أستاذنا الحبيب ، وكتب له أجر المجاهدين والشهداء ، ورحم الله أخي وصديقي العزيز سليم الذي استطاع مع ستة عشر أخاً سجيناً الفرار من السجن ، وظل شوكة في عيون الطغمة المحتلة لسورية يكتب للكبار والصغار ، ويبشر بيوم الخلاص الذي كنا نترقبه !

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا