الثلاثاء 6 شوال 1442 - 18 مايو 2021

حاشية ابن عابدين في حلة جديدة - التعريف بطبعة جديدة للحاشية

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 5656
حاشية ابن عابدين في حلة جديدة - التعريف بطبعة جديدة للحاشية
حاشية ابن عابدين ....في حلة جديدة
دراسة مفصلة
بقلم الدكتور عبد الرحمن عبدالرحيم
(1)   – مقدمة :
      حسنا فعلت ، حين أقدمت دار الثقافة والتراث على نشر كتاب " حاشية ابن عابدين ، على كتاب رد المحتار على الدر المختار  " لمؤلفه المرحوم  " محمد أمين بن عمر الشهير بابن عابدين "  المتوفى في السنة الثانية والخمسين بعد المائتين والألف للهجرة . وأي جهد خلاق بذل ، وأي اجتهاد رائع أنجـز ، كان ثمـرة جهـود نفر من العلماء ، انكبـوا على نصوصه تحقيقا وتعليقا ، وفي طليعتهم الشيخ الدكتور حسام  الدين بن صالح فرفور جزاهم الله خيرعميماً ......
         وليس أجل من العمل في التراث صنعة ، ولا أجزل عند الله  ثوابا ، ولا سيما حين تشرع الهمة نفسها متصدية لمثل هذا العمل الكبير ، وما يعتوره من مصاعب ، وما يحيط به من إشكالات ، وما يتطلبـه العمل في إخراج  كتب الفقه ، وأحكام الفتاوى من دقـة وأنـاة وصبر.لقد جرى إنجـاز هذا العمل في زمن تغيرت مقاييسـه وانقلبت مفاهيمه، حتى صار العامل في كتب التراث ، والسير على سبيل تجديده وإحيائه ، كمن يبحر وسط بحر تتلاطمه الأمواج ، ودروب مليئة بالأشواك ، في زمن عزفت فيه أوساط واسعة من شبابنا عن تراثها ، وانصرفت عنه مزورة ، أغرتها الثقافات الهزيلة التي تنشرها الفضائيات المتهالكة المتوالدة  كل يوم كالفطور ، تُسوّق لنا  ثقافات ليس لنا فيها –   نحن العرب المسلمين – إلا النظر شزرا ، والغمز واللمز استخفافاً ....
        من هذه الرؤية أعيد القول مكررا : إن إنجاز العمل على صعوبته ، يعدُّ في وقتـه وزمانه ، خطوة تستحق من أصحاب الكلمة الصادقة ، والفكر النير ، التعبير عن اعتزازهم بهذا الإخراج الرائع والجليل لهذا الكتاب القيم ، ليكون موسوعة علمية في الفتاوى التي تنير السبيل أمام المسلمين في قضايا تتعلق بعباداتهم ، وأحوالهم الشخصية ومعاملاتهم اليومية ، وتدرأ عنهم سبل الشبهة ، وتبعدهم عن مواطن الخطأ والزلل ، ليجسدوا بذلك خلافة الإنسان على الأرض كما أرادها الله سبحانه وتعالى ...
        وأقر أنني لست مؤهلا لأن أقف موقف الناقد الممِّحص لهذا السِّفْر الكبير ، فأنا لست من أهل الاختصاص أولا ، ولأن التطاول في المقامات توقـع صاحبها مواقع التهلكة ثانيا . وسأحاول جاهدا أن أنظر إلى العمل نظرة العارض لما فيه ، الواصف لما جاء عليه ، عاملا قدر الإمكان على عرض ملاحظات عامة لجهد العلامة ابن عابدين في حاشيته ، والملاحظ لجهد النفر من الدارسين ، وما قامـوا بـه من دأب في ضوء ما اختطه لهم المحقق الأستاذ الدكتور حسام الدين فرفور ، بعد أن أنجز تحقيق الجزءين الأول والثاني ....
       ومن المفيد أن تتم الإشارة إلى ما دار من جدل في تراثنا الديني والأدبي حول مسألة التأليف عند الأولين ، والتصنيف والشروح عند المتأخرين ، لأن الحاشية تقع تحت تصنيف المتأخرين ، ومع ذلك فقد حازت فضل المتقدمين والمتأخرين  كما سيتضح ذلك لاحقا . لقد أفاض المنتصـرون للقدماء في أقوالهم وتآليفهـم حول بيان فضلهـم ، وكذلك فعل مؤيدو المتأخرين . وكان موقف ابن عابدين في الفصل في هذه المسألة مجليا ، فقد رأى " تفـوق كتب المتأخرين في الضبط والاختصار ، وجزالة الألفاظ ، وجمع المسائل " ، والتمس العذر للمتقدمين الذين كما قال : "  كان مصرف أذهانهم إلى استنباط  المسائل  وتقويم الدلائل  " ، وانتهى إلى القول : " وعلى كل فالفضل للأوائل  " (1)  . ومما لا شك فيه ، يبدو  حكم  ابن عابدين الآنف الذكر ، صادرا عن روية  وصدق ، تنم  عن ورع وتقى وألمعية وذكاء ....
        وفي حقيقة الأمر – كما أزعم – أن ما جاء به المتأخرون يعد  أكثر شمولاً ، وأبعد  سعة ، ذلك أن توالي الدهور وتعاقب السنين ، يؤدي إلى تراكم المعرفة ، فتجعل العلم أكثر إشـراقا ووضوحا ، فكيف بعلم الفقـه والفتاوى الذي يحتاج إلى مثل هذا الوقت ، وتتسـع احتياجاته تبعا لتطـور الحياة و تشعبها واتساع آفاقها ؟!!  وكيف به وقد اشتغل فيه خيـرة علماء هذه الأمة وأعلامها ، أفنوا أعمارهم فيه ، متحصنين بما أثر عنهم من ورع صاف ، وتقوى تبعدهم عن مواطن الزلل ، وإيمان راسخ  بهذه العقيدة السماوية السمحة ، وما أخال هولاء إلا وقد تقوست ظهورهم ،  وشحت أبصارهم ، وهم يتابعون بعقول متفتحة ، وأذهان متقدة بناء الأحكام الشرعية ، وإصدار الفتاوى ... وما أخالهم إلا أنهم من المقصودين بقوله تعالى ( إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ )
(2)   – في وصف الكتاب :
وصل الكتاب الموسوعة ، إن صحت التسمية ، وهي كذلك حقا ، إلى ستة عشر جزءا من القطع الكبير  وقد طبع طباعة أنيقة ، بحروف كبيرة ، تسهل على القارئ المهتم قراءته ، وجاء تجليده فاخرا ، أكسبه لونه الأخضر بهاء دالا على ما بين دفتيه من خير وبركة ونماء وخصب ...
     وأحسب أن الأجزاء التي توزع عليها الكتاب ، ارتبطت بالمتن أولا وبدواعي التحقيق والتعليق ثانيا، فكانت الحاشية في بداياتها ونهاياتها تسير وفاق ذلك ، ويتجلى منذ البداية بناء الكتاب  بناء  منطقيا  أنتجه القياس الفطري  العربي (2) ،  حين نرى مجموعة المطالب التي تصدرت  الجزء الأول ، إذ حددت  بالاصطلاح ، والمنهج ، وإجـازة  المشـايخ والسـند ،والمحقق ، ومطالب البسملة والحمد ، والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأتبع صاحب الحاشية رحمه الله "  ذلك بعدد وافر من الترجمات  خصت الماتن ، " محمد بن عبد الله بن محمد إبراهيم الخطيب " وترجمة لسلسلة العلماء الذين أخذ  عنهم الماتن ، ولكل  من نقل عنهم .ثم يشرع الباب أمام التقسيم فيبتدأ بكتاب الطهارة ، وأسباب وجوبها ، وشرائطها  وصفتها ، وأركان الوضوء وسننه ، وآدابه ومكروهاته ، ونواقصه ، وسنن الغُسل وآدابـه وهكذا ينتهي الجزء الأول بقوله"انتهى بفضل من الله ومنه الجزء الأول من قسم العبادات " .....
     على أن تقسيم الكتاب على أساس موضوعاته بعيدا عن أجزائه ، جاء على ثلاثة أقسام كبرى ، كان أولها القسم المتعلق بالعبادات ، بدءا بالطهارة ، فالصلاة ، فالزكاة ، فالصوم ، فالحج ، وصنف  كل فرض  من الفرائض السابقة في  كتاب خاص ، فكان كتاب الصلاة ، فكتاب الزكاة .. وهكذا ، وقد جعل كل كتاب يقوم على عدد من الأبواب ، لم يرقمها ترقيما عدديا ، ثم تفرع كل باب إلى فصول عدة ، وقسم الفصول إلى مطالب ، ولم ينس أن يسجل بين الحين والآخر في مطاوي المطالب بعض الفوائد ، كلما كان إحساسه العلمي ، وإدراكه العقلي يفضي إلى ضرورة إثباتها،  استغرقت الكتب المشار إليهـا سبعة أجزاء كاملـة من الحاشية.
     واختص القسم الثاني بالفتاوى المتعلقة بالأحوال الشخصية ، فجعل القسم يقوم على كتب النكاح  المقسم  إلى أبواب النكاح وفصـل  فيه  المحـرمات ، ثم ، أتبعـه بباب الوالـي ، فالكفاءة ، فالمهر ، فنكاح الرقيق ، فنكاح الكافر ، والى ذلك بباب القسم ، فالرضاع . ثم فتح المؤلف كتابا جديدا للطلاق وأقسامه ، وقسمه إلى أبواب الطلاق الصـريح ، وطلاق غيـر المدخول عليها ، والكنايات ، وتفويض الطلاق ، والأمر باليد ، فالتعليق ، فطلاق المريض ، فالرجعـة  فالايلاء ، فالخلـع ، فالظهار ، فالكفـاءة ، فاللعـان ، فالعنين وغيره ، فالعدة ، فالحضانة ، فالنفقه ، وقد استغرقت تلك الكتب والأبواب ثلاثة أجزاء من الكتاب هي ، الثامن والتاسع والعاشر .
        وذهب  القسم الثالث إلى المعاملات ، فعنى  الجزء الحادي عشر بمعاملات  العتق والإيمان ، وكان  في مقدمتها كتاب العتق الذي انقسم إلى أبواب ، عتق البعض ، فالحلف بالعتق ، فالعتق على جعل ، فالتدبير ، فالاستيلاء ، فالإيمان . ثم حدد بابا للدخول والخروج والسكنى والإتيان والركوب وغير ذلك ، وبابا آخر في الأكل والشرب واللبس والكلام ، وبابا في الطلاق والعتاق ، فالبيع والشراء ، فالضرب والقتل وغير ذلك ، وبه انتهى الجزء الحادي عشر .
        ضم الجزء الثاني عشر أصول المعاملة في الحدود والسرقة والجهاد ، وكان مطلعها كتاب الحدود وأول أبوابه ، الوطء  الذي  يوجب الحد  والذي لا يوجبه ، فباب الشهادة على الزنى والرجوع عنها ، وباب حد الشرب ، فالقذف ، فالتعزير . وأفرد كتابا للسرقة بوبه إلى كيفية القطع وإثباته ،  وإلى قطع الطريق . ثم  أفرد  كتابا  للجهاد ، وجاء فيه  باب  للمغنم وقسمته ، وآخر لاستيلاء الكفار ، وثالث للمستأمن ، ورابع للعشر والخراج والجزية ، وبهذا الكتاب انتهى الجزء الثاني عشر .
      وأفرد الجزء  الثالث  عشر لاستكمال معاملات الجهاد ، وقدم فيه بابا  للمرتد ، وآخر للبغاة . ثم فتح كتابا جديدا  سماه كتاب اللقيط ، وكتابا آخر لللقطة ،  وكتابا للآبق و كتابا المفقود ، وكتاب الشركة .  وتلا ذلك كتاب الوقف ،  وفي سياق هذا الكتاب كثرت المطالب كثرة وافرة ، عللها المؤلف " رحمه الله ،مسميا إياها " فروعا  مهمة حدثت للفتوى " وانتهى الجزء الثالث عشر بمطلب بقضاء القاضي بخلاف مذهبه .
           ابتدأ الجزء الرابع عشر بكتاب البيوع وقسمه إلى أبواب ، خيار الشرط ، وخيار العيب ،  والبيع الفاسد  واستمرت أبواب كتاب  البيوع في الجزء الخامس عشر ، فشرح " الإقالة " في باب ، والمرابحة والتولية في باب ثان ،  وتعرض للربا في باب ثالث ، فباب الحقوق في البيع ، فباب الاستحقاق ، فالسلم ، وأتبع ذلك بباب للمتفرقات ، لما لم يرد ذكره فيما سبق ، وانتهى الجزء عند باب الصرف .
        تصدر الجزء السادس عشر كتاب الكفالة ،  فكتاب الحوالة ،  فكتاب القضاء  الذي جاءت فيه فصول ومطالب متعددة ، وألحق ذلك  بباب التحكيم ، واختتم  الجزء بما سـماه مسائل شتى ...
       على أن الجزء السادس عشر  ليس نهاية  مطاف الكتاب  الموسوعة ، ذلك أن محقق الجزءين الأول والثاني ، المشرف على مجموعة المجتهدين الأجلاء الذين تابعوا  الموضوع ،  كان  قد وعد القراء والمطلعين والمهتمين في الصفحة الخامسة من الجزء الأول ، وتحت عنوانه" تنبيه وبيان " ، بأنه سيفرد مجلدا خاصا  بدراسة  حاشية ابن عابدين ، وتشتمل على أمور عدة  منها ، منهجه في التحقيق ، وفي مطاوي المنهج دراسة عما ألف من الشـروح والحواشـي  والتقريرات  والفهارس  لكل  من تنوير الأبصار  والدر المختار  ورد  المحتار ومخطوطاتها في المكتبات العالمية ،  كما سيتطرق إلى  ترجمة  الماتن  "  التمر تاشي  " والشارح الحصفكي " والمحشي  " ابن عابدين  " والرافعي  صاحب التقريرات ،  وقضايا أخرى إضافة لما أشير إليه ....
         وبعد هذه موضوعات الموسوعة وأجزائها وكتبها ، وأبوابها ، أعترف أنني أطلت بعض الشيء في عرضها ،  و إن كانت قيمة الكتاب ونفاسة محتوياتـه تتطلب المزيد من التفصيل ، وفي ذلك التمس عذر الإطالة . وأول ما يتبدى من خلال ذلك العرض ، هذا النفس الطويل ، والدأب الكبير الذي اتسم به المؤلف ، ثم نرى هذه النظرة الموسوعية ،ليس في حصر الموضوعات على المستوى الأفقي فحسب ، بل نراه يتجه عمقا ليغوض في لجة ، الموضوعات ،  فيفصل ويفرع تارة ،  ويدقق ويمحص تارة أخرى ، وذلك بقصد  تيسير الفتاوى وإيضاحها  ، وإزالة اللبس  عنها ،  وكشف ما غمض في آثار الآخرين فيها . إن هاتين الملاحظتين وغيرهما سيكون لهما أفراد واسع فيما سيأتي من بحث " إن شاء الله " .
(3)  – منهج التأليف 
          على الرغم من كثرة الموضوعات ، وتعدد القضايا ، واستطالاتها وتشعبها وتنوعها ، نرى المؤلف " رحمه الله " ممسك بتلابيب موضوعه أو موضوعاته ، مقتديا بما جاء في المتن ، فما يكاد يبدأ موضوعا-ما- حتى نراه يخوض في أصله ومتنه ومضمونه ، ثم يلجأ إلى  التفريع ، ويعرض الحالة المشتقة من الأساس ، فيُحِسُّ القارئ ، وهو يتابع حكم الإفتاء . انه أمام بحث انسيابي كمن يبحر في قارب  وسط مياه  عذبة رقراقة ،  والأمثلة  والشواهد على  ما ذهبنا إليه كثيرة ، حتى أنها تسم الكتاب كله ...
        ويظهر في المؤلف الترتيب المنطقي المحكم الذي ينعكس في المظاهر الآتية :
-        في  ترتيب  المؤلف  الكتاب إلى أجزاء ، وكتب ، وأبواب ، وفصول ، ومطالب ، وأحيانا قليلة فوائد .... وعلى الرغم  من أن الصفة العامة للكتاب   كانت  تنهج  هذا المنهج ،  غير أنها لم  تكن عامة  متساوقة ، إذ  نراه يعتمد  الفصول تارة ،  ويتجاوزها تارة أخرى , ولم أتمكن من التوصل إلى نتيجة محددة في مراعاة هذا الأمر من عدمه .
-        في شرحه لبعض مصطلحات الترتيب السابق حينا وإغفاله أحيانا أخرى ، فجعل المدخل إلى الباب بتعريفه ، كما جرى الأمر في شروحه لباب المياه ، الذي أورده الماتن ، " ابن عابدين في شرحه للباب  " والباب لغة ما يتوصل  منه  إلى  غيره ، واصطلاحا :اسم الجملة مختصة من العلم مشتملة على فصول ومسائل غالبا .." (3).
-        ثم في شرحه للمسائل التي وردت في المتن ، إذ نراه يبدأ بالمعنى المعجمي ، فيقول معنى كذا لغة ، ثم ينتقل إلى الاصطلاح ،  ثم  ينتقل ليؤيد  ما ذهب إليه  المصطلح باقتباس من كتب الساف ، ثم يتابع  الشروح الأخرى ، ولا بد من الإشارة هنا ، إلى أن الاستعانة بالمعنى المعجمي ، لم تكن سائرة على نحو مطرد ، وكان المعول في استقدامها الحاجة والضرورة التي تبدت للمؤلف ، والملاحظ للمواضيع التي  جاءت فيها يستنتج  أن استعانة المؤلف بها كانت ناجمة عن رؤيته لخدمة المعنى  الشرعي .... فها  هوذا  يذهب في  مطلب تعريف الحمد  إلى  القول  " .... والحمد لغة  : الوصف بالجميل الاختياري على جهة التعظيم والتبجيل ، وعرفا : فعل يبنى على تعظيم المنعم بسبب إنعامه .. والشكر لغة يرادف ، الحمد عرفا ، وعرفا : صرف العبد جميع ما انعم الله تعالى عليه إلى ما خلق لأجله .." (4) .
ويعكس الكتاب مكانة واضعه ، ليجعله في مصاف الرجال الموسوعيين ،  ويقدمه على انه واحد من الرجال الأفذاذ الذين لم يكن ميدانهم الفكري  مختصا  بعلم الفقه   وإصدار الفتاوى ،  فقد تبدت في منهجه الثقافة  الموسوعية ،  فقد حفل  الكتاب  بمعرفة واسعة بالأعلام الذين نقل عنهم الماتن ، فها هو ذا يعلق  على منقول الماتن "  والوضوء  على الوضوء نور "  يقول ( هذا لفظ حديث ذكره في الإحياء ،  وقال الحافظ  العراقي ، في تخريجه " لم اقف عليه " وسبقه الحافظ المنذري  ، وقال الحافظ " ابن حجر" حديث ضعيف ) (5) .
        وتذهب ثقافة المؤلف الموسوعية في الاستعانة بعلوم النحو والصرف اللذين كان يفقههما جيدا والاتكاء عليهما ليعزز من خلالهما المصطلح أولا ، والمعنى الشرعي ثانيا للوصول إلى الفتوى . من ذلك ما جاء في معرض تعليقه على قول الماتن وشرحه عن الأذان ( " قوله : هو لغة الإعلام ، قال في القاموس : " آذنه الأمر وبه : أعلمه ، وأذن تأذينا :  أكثر  الإعلام "  فالأذان اسم مصدر ،  لان الماضي هنا  :  إذن المضاعف ، مصدره التأذين ") (6) .
       وتسطع في الكتاب على  نحو  جلي  لغة المؤلف التي  اتسمت بالوسطية ، التي فرضها مذهبه التعليمي في الكتاب ، فمن المعروف أنه – ومنذ أن  نشطت  الأمة  في تفريد علوم القرآن  وتدوين الحديث ، وشيوع الوعظ الديني في خلافة بني أمية –  ولد المحدثون من الزهاد لغة وسطى ، لم تكن بالمقعرة الصعبة ، ولم تكن سوقية تلهج  بها العامة في الأسواق ، وقد أدى الحسن البصري " رحمه الله " دورا مهما في هذا المجال . ومنذ ذلك الوقت حافظت  لغة  النثر عامة ، والنثر الديني على نحو خاص  على هذه اللغة ، وكان ابن عابدين واحدا من الرجال الذين التزموها في كتاب الحاشية ويمكن أن نشير هنا إلى  نقطة أخرى  تميز لغة الكاتب ،  وهي  خلو أسلوبه  من التعقيد والتكلف والصنعة ، تلك المظاهر التي طبعت أسلاف سابقيه فها نحن نقلب صفحات الكتاب  فلا نجد كلف السجع ، ولا التصوير ، لأن المؤلف كان يخاطب  عقول القارئين  المتلقين ، يريد  أن  ينقل  إليهم المعارف  المتعلقة  بالفتاوى  بأقصر الطرق ،  وأنقاها   لغـة .
ويبدو أسلوب المحشي سهلا هينا مفهوما ، تتهادى ألفاظه مترقرقة ، وتتناوب عباراته طولا وقصرا  ،  حسب مقتضى الحال ،  فكان  يلجأ إلى  مظاهر الإطناب  عن طريق الترادف حينا ، ويوجز في أحيان أخرى ، وقد تمكن على نحو إبداعي خلاق من استنفاذ الطاقات القصوى لكل فنون البديع ، لما لتلك الفنون من علاقة حيوية بالشرح والتوضيح اللذين يتطلبهما لبوس الترادف والازدواج حينا ، ولبوس المقابلة والتضاد حينا آخر ، كلما احتاج الأمر تعريف الشئ بضده .
(4)  – في جوانب التحقيق
           مما لا شك فيه  أن  جهودا  كبيرة بذلت في  تحقيق  هذا  السفر الثمين ،  وفـي  التعليق على نصوصه وكانت همة الأستاذ  الدكتور حسام الدين  فرفور مجلية ، لأنه  شـق  الطريق  وعبده لتحقيق الجزءين الأول والثاني ، واشرف اشرافاً مباشـر على تحقيق باقـي الأجزاء ، ففتح الباب على مصراعيه أمام جمهرة من الأساتذة الأجلاء الذين سـلكوا سـبيله وساروا على نهجه ، وهذ ا لا يقلل بأي حال من الأحوال جهودهم المشكورة ، نضرع إلى الله أن يثيبهم عنا احسن الجزاء ....
          وأول ما يمكن ملاحظته في التحقيق الأناة والصبر والجلد في متابعة السفر والدخول إلى نصوصه ، فلا يقدر على ذلك إلا أهل العلم المختصين الدارسين المتابعين ، وتتجلى مظاهر الأناة  والصبر في المعرفة  الدقيقة بمضامين  الأصل  "  المتن  "  ودواخل التحشية ، ومرامي التقريرات ، وترافق ذلك مع معرفة دقيقة بأسماء المصادر والمراجع ، وأسماء مؤلفيها ، فلا يقع بصر القارئ على أسماء المصادر وهي كثيرة ووافرة إلا ويرى في الحواشـي تعريفـا باسـم المصدر كاملا ، وترجمة لمؤلفه ، وهذا يسـتلزم جهدا ووقتا ورجوعا إلى أمهـات الكتب ، كل ذلك وفر للقارئ والمتعلم المزيد من الإيضاح ، وسهل الـسبيل أمام طالبي الاستزادة للعودة إلى المصادر التي اقتطفها المتن والحاشية والتقريرات .
        وثاني جوانب العطاء  والدأب ثبت الفهارس  التي ختمت  بها الأجزاء كلها ، حيث افرد التحقيق في نهاية كل جزء فهرسا لآيات القران الكريم ، وآخر للأحاديث النبوية الشريفة ، وثالثا للأعلام ،  ورابعا للكتب المترجمة ،  وفهرسا للموضوعات التي ضمها الجزء ..  يضاف إلـى ذلك الإجمال الذي تفرد به الجزء السابع ،  إذ جعل ختام قسم  العبادات ينتهي  بفهارس  إجمالية للأجزاء السبعة ، وكان قد تقدمها بضع  استدراكات  جاءت  على شكل جداول ، خص  الجدول الأول  منها  لاستدراكات  الحاشية الأصل  ،  والثاني للمطبوعة  البولاقية ، والثالث  للمطبوعة الميمنية . وجرى الأخذ بموضوع الاستدراكات في نهاية القسم الثاني المتعلق بالأحوال الشخصية ، والثالث المتعلق بالمعاملات  الذي استأثر بإضافة الاستدراكات على التقريرات ..  والحق  أن هذه الجداول تقدم للقارئ كشفا يؤمن مزيدا من الورع العلمي والدقة في التحقيق والإخراج .
       ونلحظ في الحواشي وهي كثيرة وغنية الأمانة  العلمية  الدقيقة ، ولا سيما حين  تختلط بعض الأسماء  المتشابهة  سواء  كان ذلك  في اسم  المؤلف أو المؤلف ، وذلك  بهدف  الإبانة والتوضيح ، ونمثل ذلك في الحواشي : 1/ 33 ، 1/37 .  وتتبدى  فيها  أيضا بعد نظر واسع وذلك بقصد كشف الالتباس ، ولو أدى ذلك إلى إطالة الحاشية 1/146 /147/148 .
      ويسطع على نحو جلي الثقافة الأدبية في التحقيق ولا سيما في تخريج الأبيات التي وقعت شواهد ، ونسبة الأبيات إلى أصحابها ، وأحيانا مناسبة الأبيات كما في حواشي الصفحات  1/47 ،1/68 ، 1/76 .
         وكانت العناية الفائقة  في  ترتيب  السِّفر  وإخراجه ، فتَزَيَّن  بالطباعة الأنيقة ،  والخط الكبير ، والفصل بين المتن والحاشية والتقريرات رائعا ترك فراغات واسعة لإبعاد جوانب اللبس ، وتيسير السبيل أمام القارئ ، وكانت متانة التجليد رائعة أعطت الجانب الجمالي بعداً يحمد أصحاب دار النشر عليه .
     وخلاصة القول أن تحقيق هذا السفر إنجاز طيب ، يفخر به كل من اسهم فيه ، ولا يسع المتطلع والقارئ إلا  أن يتوجه بالشكر والعرفان لفريق العمل كاملا .. نسأل الله أن يبصر أجيالنا بعلوم دينهم ودنياهم .
الحواشي :
(1)    – ينظر 1/97 .
(2)    – العبارة ليست للكاتب ، وإنما مستقاة من كتاب ( أدب السياسة في العصر الأموي ) للدكتور احمد محمد الحوفي .
(3)    – ينظر 1/597 .
(4)    – ينظر 1/21 .
(5)    – ينظر 1/309 .
(6)    – ينظر 2/569 .
 

شاركنا بتعليق

  


    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا

Beğeni Satın Al Fenomen Ol

Beğeni Algoritmasının Hesap Üzerine Etkisi

Son zamanların en çok kullanılan uygulamalar listesinde açık ara farkla ilk sırada yer alan uygulama instagram uygulamasıdır. Bu uygulama günlük hayatımıza o kadar bağlı bir hale gelmiştir ki her anımızı paylaştığımız bir platform haline gelmiştir. Bu nedenle gün geçtikçe beğenilme arzusunun artması ile beraber beğeni ve etkileşim oranları konusunda büyük bir rekabet ortaya çıkmıştır. İnstagram uygulamasında takipçi sayısının artırılması için yoğun bir algoritma çalışmasının yapılması gerekir. Bu işlem büyük bir emek arz eden bir işlemdir. Ancak bunun yerine takipçi satın alınabilecek platformların ve bunun yanı sıra da beğeni algoritması için oldukça önemli olan instagram beğeni satın al platformlarının da bulunduğu görülmektedir. Bu uygulama için en önemli unsurun takipçi sayısı olduğu herkes tarafından bilinmektedir. Ancak bundan bir sonra gelen ise beğeni sayısıdır.

SHELL DOWNLOAD gündem haber Pubg mobile Oyun instagram takipçi satın al leke kremi aktif takipçi al php shell

Beğeni Satın Al Fenomen Ol

Beğeni Algoritmasının Hesap Üzerine Etkisi

Son zamanların en çok kullanılan uygulamalar listesinde açık ara farkla ilk sırada yer alan uygulama instagram uygulamasıdır. Bu uygulama günlük hayatımıza o kadar bağlı bir hale gelmiştir ki her anımızı paylaştığımız bir platform haline gelmiştir. Bu nedenle gün geçtikçe beğenilme arzusunun artması ile beraber beğeni ve etkileşim oranları konusunda büyük bir rekabet ortaya çıkmıştır. İnstagram uygulamasında takipçi sayısının artırılması için yoğun bir algoritma çalışmasının yapılması gerekir. Bu işlem büyük bir emek arz eden bir işlemdir. Ancak bunun yerine takipçi satın alınabilecek platformların ve bunun yanı sıra da beğeni algoritması için oldukça önemli olan instagram beğeni satın al platformlarının da bulunduğu görülmektedir. Bu uygulama için en önemli unsurun takipçi sayısı olduğu herkes tarafından bilinmektedir. Ancak bundan bir sonra gelen ise beğeni sayısıdır.

SHELL DOWNLOAD gündem haber instagram takipçi satın al Pubg mobile Oyun leke kremi aktif takipçi al php shell