الاثنين 21 ربيع الأول 1441 - 18 نوفمبر 2019

تشدد العلماء فيما يرونه حقاً - من أخلاق العلماء

الخميس 12 شوال 1430 - 1 أكتوبر 2009 1159
تشدُّد العلماء فيما يرونه حقاُ
1 ـ قال أبو ذر: لو وضعتهم الصمصامة ـ أي: السيف الصارم ـ على هذه، وأشار إلى قفاه ثم ظننتُ أني أنفذ كلمة سمعتها عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تجيزوا عليَّ لأنفذتها.
2 ـ وكان لسعيد بن المسيِّب التابعي العظيم رأيٌ في البيعة لولي العهد، لا يراها في وجود الوالي لحديثٍ فهمه على وجه صحَّ عنده، وأعتقد أنه مقصود الحديث، وقد آذاه الولاة في سبيل هذا، وثبت على رأيه إلى أيام عبد الملك بن مروان الذي أراد أن يبايع لابنه الوليد، وكتب لولاة الأمصار بأخذ البيعة له.
قال يحيى بن سعيد: كتب هشام بن إسماعيل والي المدينة إلى عبد الملك بن مروان: إنَّ أهل المدينة قد أطبقوا على البيعة للوليد وسليمان إلا سعيد بن المسيّب، فكتب: أن اعرضه على السيف، فإن مضى، فاجلده خمسين جلدة وطُف به أسواق المدينة.
فلما قدم الكتاب على الوالي، دخل سليمان بن يسار وعروة بن الزبير، وسالم بن عبد الله، على سعيد بن المسيب، وقالوا: جئناك في أمر، قد قدم كتاب عبد الملك، إن لم تبايع ضربت عنقك، ونحن نعرض عليك خصالاً ثلاثاً فأعطنا إحداهن، فإن الوالي قبل قبل منك أن يقرأ عليك الكتاب فلا تقل: لا، ولا نعم. قال: يقول الناس بايع سعيد بن المسيب، ما أنا بفاعل، وكان إذا قال: لا، لم يستطيعوا أن يقولوا: نعم.
قالوا: فتجلس في بيتك، ولا تخرج إلى الصلاة أياماً، فإنه يقبل منك إذا طلبك في مجلس فلم يجدك قال: فأنا أسمع الأذان فوق أذني: حي على الصلاة وحي على الصلاة؟ ما أنا بفاعل.
قالوا: فانتقل من مجلسك إلى غيره فإنه يرسل إلى مجلسك فإن لم يجدك أمْسَك عنك، قال: أفرقاً من مخلوق؟ ما أنا بمتقدم شبراً ولا متأخر.
فخرجوا، وخرج إلى صلاة الظهر، فجلس في مجلسه الذي كان يجلس فيه، فلما صلى الوالي، بعث إليه فأتى به، فقال: إن أمير المؤمنين كتب يأمرنا إن لم تبايع ضربنا عنقك، قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين، فلما رآه لم يُجب، أخرجه إلى السُّدَّة، فمُدَّت عنقه، وسُلَّت السيوف، فلما رآه قد مضى، أُمر به فجُرِّد، فإذا عليه ثياب من شعر، فقال: لو علمتُ ذلك ما اشتهرت بهذا الشأن، فضربه خمسين سوطاً، ثم طاف به أسواق المدينة، فلما ردُّوه والناس منصرفون من صلاة العصر قال: إن هذه الوجوه ما نظرت إليها منذ أربعين سنة، ومنعوا الناس أن يجالسوه، وكان من ورعه إذا جاء إليه أحد يقول له: قم من عندي، كراهية أن يُضرب بسببه.
قال مالك رضي الله عنه: بلغني أن سعيد بن المسيب كان يلزم مكاناً من المسجد لا يُصلي من المسجد في غيره، وأنه ليالي صنع به عبد الملك ما صنع، قيل له: أن يترك الصلاة فيه، فأبى إلا أن يُصلي فيه، وكان يقول: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بإنكار من قلوبكم لكيلا تحبط أعمالكم.
3 ـ وقال الفضيل بن عياض، وناهيك به جلالة: كان أبو حنيفة معروفاً بالفقه مشهوراً بالورع، ومن عظيم ورعه، ما قال الإمام عبد الله بن المبارك: أنه أراد شراء أمةٍ فمكث عشرين سنة يستخبر ويشاور: من أي سَبْي يشتري؟
4 ـ ومن ذلك أيضاً: أنه ترك لحم الغنم لما فقدت شاة في الكوفة إلى أن علم موتها، لأنه سأل عن أكثر ما تعيش ؟ فقيل له: سبع سنين، فترك أكل لحمها سبع سنين تورعاً منه، لاحتمال أن تبقى تلك الشاة الحرام، فيصادف أكل شيء منها فيظلم قلبه، إذ هذا هو شأن أكل الحرام، وإن انتفى الإثم للجهل بعين الحرام [ الخيراـ الحسان ص5،8].
5 ـ وفي ترجمة إمام الحرمين أن أباه أبا محمد الجويني كان في أول أمره ينسخ بالأجرة، فاجتمع له من كسب يده شيء اشترى به جاريةً موصوفة بالخير والصلاح، ولم يزل يُطعمها من كسبِ يده أيضاً إلى أن حملت بإمام الحرمين، وهو مستمرٌ على تربيتها بكسب الحل، فلما وضعته أوصاها إلا تمكن أحداً من إرضاعه، فاتفق أنه دخل عليها يوماً وهي متألمة، والصغير يبكي وقد أخذته امرأة من جيرانهم، وشاغلته بثديها فرضع منها قليلاً فلما رآه شق عليه، وأخذه إليه ونكس رأسه ومسح بطنه، وأدخل إصبعه في فيه، ولم يزل يفعل ذلك حتى قاء جميع ما شربه، وهو يقول: يسهل علي أن يموت ولا يفسد طبعه، بشرب لبن غير أمه.
ويحكى عن إمام الحرمين أنه كان يلحقه بعض الأحيان فترة في مجلس المناظرة، فيقول: هذا من بقايا تلك الرَّضعة.
6 ـ وهنا يطيب لك القول إذا نقلت عن المختصر: أن أبا المعالي الجويني إمام الحرمين المذكور ترك خراسان كلها، وهاجر منها إلى مكة أربع سنين، إذ كان وزيرها عميد الملك كثير الوقيعة في الشافعي، وخاطب طغرلبك في لعن الرافضة على منابر خراسان، فأمر له بذلك، فأمر بلعنهم وأضاف إليهم الأشعرية.
قال الملك المؤيد: فأنف من ذلك أئمة خراسان، منهم أبو القاسم القشيري وأبو المعالي الجويني، وأقام بمكة أربع سنين، ولهذا لقب إمام الحرمين. أهـ.
وسترى فيما يأتي من أخلاق العلماء سرور نظام الملك واعتزازه به حتى بنى له المدرسة النظامية بنيسابور.
من كتاب«أخلاق العلماء » للشيخ القاضي محمد سليمان

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا