الاثنين 21 ربيع الأول 1441 - 18 نوفمبر 2019

الحلقة الأولى من الحوار مع فضيلة الشيخ خلدون عبد العزيز مخلوطة

السبت 12 ربيع الثاني 1434 - 23 فبراير 2013 2586
الحلقة الأولى من الحوار مع فضيلة الشيخ خلدون عبد العزيز مخلوطة

 

ماهر سقا أميني

 

 

 

نبتدئ حوارنا بتقديم سيرة ذاتية عن فضيلة الشيخ:

 

 

 

سيرة ذاتية

الاسم: خلدون عبد العزيز مخلوطة

 

 

 

النشأة:

 ولد بمدينة حماة في سوريا سنة 1962 م في أسرة تعمل بالتجارة، وكانت في رغد من العيش. كان والده رحمه الله مع انشغاله في التجارة يحب العلماء ويحرص على مجالستهم، وقد شجعه على العمل معه وخاصة في العطلة الصيفية، حتى أنه فتح له محلاً لبيع الفواكه والخضروات بمفرده ولم يتجاوز عمره السادسة عشر سنة.

في بداية المرحلة الثانوية تعلق بالشيخ المربي محمود عبد الرحمن الشقفة رحمه الله تعالى، ولازم مجالسه في مسجد الروضة الهدائية المعروف بـ (التكية) فكان له أكبر الأثر بعد الله تعالى في تربيته ونشأته الدينية، بالإضافة إلى دروس العلم في العقيدة والحديث والفقه الشافعي التي كانت تعقد في المسجد.

 أخذ القرآن الكريم عن الشيخ رياض القحف وشيخه الشيخ نبهان قجو، وهما عن الشيخ سعيد العبدالله شيخ قراء حماة، وانتسب لمعهد الفنون الشعبية فدخل دورة في الخط العربي عند خطاط حماة الأستاذ عبدالرحمن فاخوري، ودورة أخرى في فن تجليد الكتب ومارسها لفترة محدودة، ولكن بسبب السفر وعدم الممارسة نسيها.

بعد حصوله على الشهادة الثانوية -القسم العلمي-  تقدم للدراسة في كلية الشريعة في جامعة دمشق سنة 1980–1981، لازم دروس كبار علماء دمشق باستمرار وخاصة دروس الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في العقيدة والسيرة النبوية، والشيخ عبدالرزاق الحلبي بعد صلاة الصبح في المسجد الأموي، والشيخ عبدالرحمن شاغوري، والشيخ إبراهيم اليعقوبي، والشيخ محمد عوض في مسجد زيد بن ثابت ومسجد الإيمان.

بعد انتهائه من السنة الأولى، سافر للسعودية لأداء العمرة سنة 1981 م، برفقة والدته حفظها الله تعالى في أواخر شهر رمضان، وبقيت معه في السعودية حتى أديا فريضة الحج، وقُبِلَ في كلية الشريعة بالرياض التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وأشهر الأساتذة الذين تلقى عنهم العلم فيها: الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ مفتي المملكة حالياً، والدكتور عبدالله الزايد والعالم المصري حسين صديق والدكتور يعقوب باحسين والدكتور طه جابر العلواني وغيرهم.

كانت فترة الدراسة من أسعد أيام حياته حيث كان منكباً على العلم والقراءة وملازمة مكتبة كلية الشريعة التي تحتوي على مكتبات خاصة لبعض كبار علماء العالم الاسلامي، فشغف بها فأكرمه الله بذخيرة علمية حققت له تميزاً في دراسته وتحصيله العلمي، إلى جانب النشاط الكشفي حيث انتسبت إلى جوالة الجامعة وحضر كثيراً من المعسكرات التي جمعت بين أصول الكشافة والمحاضرات العلمية التي يستضاف لها كبار العلماء أمثال الشيخ الزنداني ومحمد الراوي وعصام البشير.

تخرج في كلية الشريعة سنة 1405هـ الموافق 1985م وتقدم للدراسات العليا وصدر قرار الكلية بقبوله في قسم الفقه وأصوله بعد اجتيازه المقابلة المقررة، ولكن عمادة القبول والتسجيل أوقفت ذلك بسبب العدد المسموح به لغير السعوديين.

قدومه لدولة الإمارت:

 سافر إلى المدينة المنورة وفي الطائرة قدر الله جلوسه بجانب أحد أبناء الإمارات، وتم التعارف فيما بينهما، وقد رآى فيه مثالاً للالتزام والشهامة وحب العلم والعلماء، وسأله عما يريد أن يفعله بعد تخرجه، وعرض عليه أنه مستعد لاستقدامه للعمل في الإمارات وأعطاه بطاقته الخاصة، ثم افترقا بعد وصولهما مطار المدينة المنورة، وبعد ستة أشهر تقريباً أرسل له رسالة عبر له فيها عن رغبته في المجيء للإمارات، ولم يمض سوى أقل من شهر فكانت تأشيرة العمل قد وصلته، فأتى دبي ونزل فيها ولا يعرف أحداً فيها من قريب أو بعيد، وبعد وصوله اتصل به فرحب به واستضافه، فكان له نِعْمَ الأخ الوفي الخيِّر وهو السيد سعيد ماجد باليوحة، وعن طريقه استلم مسجد سوق الحمرية المركزي التابع للسيد جمعة الماجد حفظه الله تعالى منذ افتتاحه سنة 1986م، وبعد ستة شهور قُبِل مدرساً لمادة التربية الإسلامية في وزارة التربية والتعليم بدبي، وبقي فيها لمدة عشرين سنة مع قيامه بالإمامة والخطابة، والآن هو متفرغ للمسجد فقط، ومنذ حضوره لدبي لازم دروس فضيلة الشيخ عبدالكريم تتان العامة والخاصة واستفاد منها فوائد عظيمة، وقد تعرف على عالم جليل فقيه شافعي اسمه الشيخ عبدالجبار المليباري فقرأ عليه كتاب "إعانة الطالبين" (4) مجلدات في الفقه الشافعي، كما قرأ على الشيخ شاه جيهان في المصطلح كتاب (نخبة الفكر) وفي العقيدة (شرح العقائد النسفية للتفتازاني)، وقد يسر الله له الحصول على الماجيستير من جامعة أم درمان الإسلامية سنة 2003م، ثم حصل على شهادة الدكتوراة من الجامعة نفسها سنة 2008م.

 

 

 

أهم الأعمال العلمية:

رسالة الماجستير والدكتوراة في تحقيق كتاب "مغني الراغبين في منهاج الطالبين" لابن قاضي عجلون المتوفى سنة 876هـ، كتاب "أحوال الأبرار عند الاحتضار"، كتاب "فكر الحافظ الذهبي من خلال تعليقاته في سير أعلام النبلاء" ، المشاركة مع الشيخ عبدالكريم تتان في تحقيق كتاب "المدهش" لابن الجوزي، تحقيق كتاب "بحر الدموع" لابن الجوزي، المشاركة في تأليف كتاب "معجم المصطلحات الفقهية" المطبوع في مطابع جريدة البيان.

 

 

 

ولا يخيب ربك من رجاه واعتمد عليه:

وقد حدثني بموقف عجيب حصل له فقال: (عندما التزمت بالصلاة أثناء تحضيري لامتحان الشهادة الإعدادية، وحرصت عليها جماعة في المسجد، فوجئت بأحد الأخوة ينصحني بحضور صلاة الفجر جماعة، وكنت إلى هذا السنِّ أظن أن صلاة الفجر تصلى في الصباح ما لم يؤذن لصلاة الظهر، فقلت: وكيف تستطيعون الاستيقاظ قبل شروق الشمس؟ حيث كنت أعاني من نوم ثقيل يصعب علي القيام للصلاة، وهنا بدأت بمحاولات شخصية ووسائل متنوعة لعلاج هذه الحالة، فكانت ساعة المنبه لا تجدي معي نفعاً، فقررت أن أربط أسلاكاً كهربائية بساعة المنبه متصلة بجرس كبير ضخم، وعندما تحين الساعة المحددة للأذان يدور مفتاح الساعة ويتصل بوصلة الجرس فيرن، ومع صوته القوي المزعج لم انتبه حتى احترق، ثم أتيت بجرس جديد وكذلك احترق، ثم ربطت المنبه بآلة التسجيل وضعت فيها بعض الأناشيد، ورفعت مستوى الصوت إلى أعلاه، ومع ذلك فإن أصدقائي يسمعون الصوت في الحارة خارج المنزل ويطرقون النافذة وينادونني بأعلى أصواتهم وأنا أغط في نوم عميق، واستمر هذا الحال لعدة أيام إلى أن أرشدني أحدهم لكتاب (بداية الهداية) للإمام الغزالي، لما فيه من آداب وإرشادات، فاشتريت الكتاب وقرأته، وطبقت آداب النوم وتلاوة أذكاره، وحرصت على قراءة سورة تبارك الملك، وكنت ألح على الله أن يعينني على الاستيقاظ، وأقسم بالله على الملكين الموكلين بأن يوقظاني، وبالفعل كنت أستيقظ قبل الأذان بوقت كاف، وأشعر بأن هناك من يكلمني ويوقظني فأقوم بنشاط وحيوية، وخلصني الله بفضله من هذا النوم الثقيل، وصرت أوقظ جميع إخواني الصغار والكبار فلا تفوتنا صلاة الصبح جماعة في المسجد صيفاً ولا شتاءً بحمد الله تعالى).

 

 

 

كيفية تسجيله في كلية الشريعة:

أما عن كيفية تسجيله في كلية الشريعة فيقول: (منذ دخولي المرحلة الثانوية القسم العلمي أخبرت أبي برغبتي في دخول كلية الشريعة، فقال: هذا لا يمكن، وإذا كنت تريد هذا فلماذا تتعب نفسك في الثانوية العلمية؟ أريدك أن تدخل كلية الصيدلة وأنا أَعِدُك أن أفتح لك الصيدلية على حسابي الخاص إكراماً لك، ولكن بعد نجاحي في الشهادة الثانوية سافرت مع أخي الأكبر لدمشق وسجلت في كلية الشريعة دون علم والدي، وعندما أعلن عن نتائج المفاضلة سألني الوالد ما الكلية التي حصلت عليها، قلت له: كلية الشريعة وقد سجلت فيها، فرفض وأصر على سحب أوراقي، ولكن استطعنا بعد محاولات وتحايل بأنه لوسحبت أوراقي قد يرفضون تسجيلي في كلية أخرى، فوافق على مضض، وهنا بدأ التهكم والسخرية من الآخرين ماذا ستكون إمام مسجد أو مؤذن أو مغسل أموات، حتى أستاذ الرياضيات طلب مني العدول عن ذلك وأن أدرس الهندسة أولاً ثم بعد ذلك أدرس الشريعة وكذلك أقرب الملتزمين إليَّ حثَّني على التسجيل في كلية اللغة العربية، وأحمد الله أن أعانني، فكنت أشعر بثقة وفخر وعزة، وأجيبهم: إنني أحب دراسة الشريعة لأتفقه في ديني ثم بعد حصولي على الشهادة أعمل في التجارة.

وكانت النتيجة أن عاد ذلك بالخير على جميع إخواني وأخواتي فهدى الله الجميع وأصبحوا في حالة مرضية من الإلتزام بأحكام الدين بعد صراعات ومواجهات، وصار أبي يفتخر ويقول بعد تخرجي: أحمد الله على دراستك الشريعة وهذا عندي أفضل من كل شهادات الدنيا وأموالها).

 

 

 

كيفية أخذه القرآن عن الشيخ رياض القحف:

حيث يقول: (هداني الله تعالى إلى الشيخ محمود الشقفة وتعلقت به دون أن يُعرِّفني به أحد، وقد أسرني عندما رأيته لأول مرة في مسجد التكية، فجذبني وجهه المنور وطلعته البهية، فلازمت مجالسه، وكان أصدقائي في المدرسة يقرؤون القرآن في نفس المسجد على الشيخ رياض، فكنت أراهم ويمنعني الحياء من الجلوس معهم مع إلحاحهم عليّ في الحضور، وكان الشيخ رياض يراني ملازماً للشيخ محمود، فقال لي يوماً: هل من الممكن أن تجلس فإني أريد أن أخبرك برؤيا رأيتها في هذه الليلة، فجلست وقال: " رأيت الشيخ محمود هذه الليلة وأنت معه، ودفعك إليّ وقال: علّم خلدون قراءة القرآن، فبدأت أنت بالقراءة ولكنك تتعتع وتخطئ، والشيخ يقول لك: إرفع صوتك وأقرأ جيداً)، ثم قال الشيخ رياض: ما رأيك أن تبدأ معنا في تعلم التجويد وحفظ القرآن؟ فقلت له خيراً إن شاء الله، واستأذنت الشيخ محمود وشجعني على ذلك، ومنذ ذلك الحين قرأت على الشيخ رياض وبدأت الحفظ عنده، ومن بركات الشيخ محمود رحمه الله: أنني بعد أن انتقلت للدراسة في كلية الشريعة بالرياض شعرت بوحشة كبيرة وغربة قاسية، وأجواء مختلفة كلياً، كما أنني فوجئت بمناهج مختلفة، ومستوى من العلم مغاير لما عهدته في كلية الشريعة بدمشق، فعانيت في الفصل الأول معاناة شديدة، فكان هذا الشيخ بعد وفاته واستشهاده طيلة أربع سنوات الدراسة لم يقطعني في الرؤيا المنامية، فإن لم أره في كل ليلة مرة فعلى الأقل في كل أسبوع ينصحني ويرشدني ويوجهني، فكان لذلك الأثر الكبير في تخفيف هذه الغربة والمعاناة، فأسأل الله له الرحمة وأن يجزيه عني خير الجزاء).

 

 

 

وأبى العلم إلا أن يكون لله:

من رحمة الله بعباده أن يسوق لهم من يصحح لهم المسار ويوجههم الوجهة السليمة، وإن من الشخصيات التي لا ينساها ذلك الرجل البسيط في لباسه، العظيم في مخبره، رآه مع مجموعة من الشباب متحلقين في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أيام دراسته في الجامعة، فسألهم بلسان عربي فصيح وهو لا يعرفهم ولا يعرفونه: هل أنتم طلاب علم، فقالوا له: نعم، فقال: إني أريد أن أقول لكم نصيحة فإن شئتم أن تحفظوها أو تكتبوها؟ فأخرجوا أوراقهم وأقلامهم، وقال:

 

اطلبوا العلم لوجه الله

من غير مراءاة ولا تباهي

لتقصدوا أربعة قبل ابتدا

تعلم لكي تفوزوا بالهدى

أولها الخروج عن ضلال

والثاني نفع خلق ذي الجلال

والثالث الإحياء للعلوم

والرابع العمل بالمعلوم

فتبين لنا أنه من علماء شنقيط والمجاورين للنبي صلى الله عليه وسلم، فاستفدنا من هذه النصيحة استفادة عظيمة، وكأن الله كشف له اعوجاجاً في مقاصدنا، وخللاً في نوايانا فألهمه هذه الأبيات، وهذا يذكرنا بقول بعض علماء السلف: (طلبنا العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله)، فنسأل الله أن يجعلنا منهم برحمته.

 إلى اللقاء قراءنا الكرام في الحلقة الثانية من الحوار مع الشيخ خلدون مخلوطة .

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا