الثلاثاء 23 ذو القعدة 1441 - 14 يوليو 2020

المسلمون وعلاقتهم بغيرهم: واقع مسكون بهاجس التعايش والتنابذ

الأربعاء 25 محرم 1433 - 21 ديسمبر 2011 926

ياسر لطفي العلي

 
يُعدّ الخطاب الديني في هذه المرحلة بالرغم من الانكسارات التي يمرّ فيها، الخطاب الأكثر حظّا في احتلاله موقع الصدارة في مختلف مفاصل الحياة الإعلاميّة، فضلاً عن الحقول المعرفيّة المتعدّدة، الأمر الذي يؤكد على ضرورة الاهتمام بتجسير الهوّة المفتعلة بينه وبين واقعه، وذلك من خلال الفهم المباشر للخطاب الإلهي وإدراك طبيعة المخاطَب بمحدّداته الذاتيّة والزمكانيّة، ومن جهة أُخرى التأكيد على خطورة الابتعاد عن النظرة الشموليّة والعقلانيّة أثناء فهم  ذلك الخطاب وإدراك مقاصده العامة، لاسيّما ما يتعلّق منه بقضايا العنف وطبيعة العلاقة بين المسلمين وغيرهم.
ولكن هذا لا يعني الدعوة إلى القيام بقطيعة كليّة مع تلك الفهوم الموروثة التي انبثقت عن الخطاب الإلهي، أو حتى التنكّر لدورها في عمليّة الانسجام مع الواقع، وإنّما الذي يعنيه الإشارة إلى خطورة الارتهان أو الركون لسلطة التاريخ، التي تجعل الإنسان مضطراً للانسياق وراءه وكأنّه فقد قدرته على التفكير في قضاياه الحياتيّة، فيُحرَم الفرد نتيجة لتلك السلطة حتى من فرصة التفكير.
وفي هذا السياق يمكن اعتبار البحث عن طبيعة العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين أو البحث عن الوصف الناظم لتلك العلاقة وفق رؤية فقهيّة إسلاميّة، من أكثر المسائل التي تتجلّى فيها قضية تغييب الذّات والركون إلى سلطة التاريخ، خصوصاً وأنّ أي بحث في طبيعة تلك العلاقة سيصطدم بإشكاليّة التعايش (التواصل)، والتنابذ (الصراع والاقتتال)، إذ المثير في ذلك كما يرى البعض أنّ البناء الفقهي التراثي في معظمه ما زال إلى الآن مسكوناً برؤية الصراع والاقتتال في العلاقة مع الآخر، والمثير أكثر هو محاولة اجتزاء تلك الرؤية لاستثمارها في وقتنا الرّاهن دون الانتباه إلى الثقل التاريخي والمعطيات الزمكانيّة التي لابست ظهور تلك الاجتهادات الفقهيّة، أو حتى دون استيعاب الفروق الجوهريّة من الناحية الواقعيّة والتاريخيّة بين لحظة ولادتها وتبلورها عند الفقهاء، وبين لحظة تطبيقها في واقع مغاير، وربّما تسبب ذلك في خلق حالة من الإرباك جعلت بعض المسلمين في حيرةٍ من أمرهم حيال اتخاذ موقف ما ـ سواء أكان مع أم ضدّ ـ من تلك التصوّرات الإسلاميّة المتعلّقة بالعنف المُجرَّم (الإرهاب).
لذا باتت علاقة المسلمين بغيرهم الشاغل الأهم للكثير من علماء الشريعة الإسلاميّة على امتداد حقبهم الزمنيّة وتنوّعها، لاسيّما علماءَ العصر الحديث، وقد أدّى البحث فيها إلى تعدّد الاجتهادات الفقهيّة وتباينها، ولكن المشكلة التي ينبغي الإشارة إليها أنّه نتيجة لإشكاليّة البحث عن طبيعة العلاقة بيننا (كمسلمين) وبين الآخر (كلّ ما عدا المسلمين)، وتأثُّر ذلك بانفعالات الواقع واعتباراته العاطفيّة، بَرز حيال الموقف من تلك العلاقة اتجاهان لم يسلما من الجنوح والشطط، ولم يتمكّنا من ملامسة موقف الشرع منها:
الاتجاه الأول: صرف جلّ اهتمامه للدفاع عن صورة الإسلام المثاليّة من خلال إظهار معاني الوسطيّة والتسامح والرحمة والأمان التي يتمتّع بها الإسلام ويدعوا إليها أتباعه في علاقتهم مع الآخر، وبالتالي تبرئة الإسلام من كلّ صور العنف المشروعة واللا مشروعة، وقد أدّى اندفاع أصحاب هذا الاتجاه وراء تحقيق غايتهم تلك إلى إلغاء فريضة الجهاد ببُعّدِها القتالي (كحقّ للدفاع عن الذّات)، نظراً لما تحمله من بعض صور العنف، كما أدّى ذلك إلى جعل المسلمين بموقع الفئة الضعيفة المنهزمة، الفاقدة لكيانها وسيادتها، التابعة لإرادة وسلطة الغير في كل شيء.
الاتجاه الثاني: تأثّر بكلٍ من ضغوط الواقع وجيشان المشاعر العاطفيّة المحيطة بظروف العالم الإسلامي ومعاناته المستمرّة، فأدّى به ذلك إلى:
ـ الخلط بين الحالة الاستثنائيّة والحالة الطبيعيّة للعلاقة بين الأمّة الإسلاميّة والأمة غير الإسلاميّة، بحيث تحوّل ذلك الاستثناء في العلاقة إلى أساس وأصل، واعتُبِر الوضع الطارئ وضعاً طبيعيّاً يُنظَر إليه على أنّه المرجع في تلك العلاقة.
ـ اختزال كل تعاليم الإسلام ومبادئه الإنسانيّة في علاقته مع الآخر ببعض مظاهر العنف (الجهاد) التي شُرِعت كحالة استثنائيّة وضمن ظروف وشروط خاصّة.
ـ عدم الالتفات إلى خصوصيّة الحالات المشروعة من العنف، وبالتالي تعميمها لتشمل الكثير من الصوّر والممارسات العنيفة المحرّمة.
وقد نجم عن ذلك ظهور تيّارات إسلاميّة تؤمن بأنّ تاريخ الشعوب كان وما زال تاريخ حروب وصراع، وكل ما هو خلاف ذلك لا يعدوا أنْ يكون نوعاً من المخادعة، أو كسب الوقت، وأما إن قال بعض الغربيين (كجزء من الآخر) موقفنا من الإسلام موقف تسامح وتعايش وسلام، فهو يقصد بذلك كسب الوقت لا غير، وكذلك إنْ قال بعض المسلمين أن الإسلام لا يكره الآخر, وإنما يسالمه ويعايشه, ويهادنه, فالواقع أن هؤلاء المسلمين يدركون في قرارة أنفسهم أن الإسلام له موقف آخر لو كان يملك القوة التي يواجه بها الآخر.
ثمّ إنّ هذه الرؤية ذاتها تحظى بتأييد الكثير ممن يمكن تصنيفهم بالآخر، وهو ما تجلّى بعد سقوط الاتحاد السوفيتي ومحاولة اصطناع العدوّ المتوقّع، الذي سيُهدّد هويّة ووجود ذلك الآخر، لتبدأ من بعدها ملامح تلك العلاقة الصداميّة بالتشكل والتبلور، ولتزداد وضوحاً على يد هنتغتون وفوكوياما وغيرهم، ولتظهر مقولة ((الإسلام عدوّ الآخر)) في الأوساط الإعلاميّة والسياسيّة الغربيّة، فضلاً عن انتشار رواسبها في المناهج التعليميّة بصورة نمطيّة ومشوّهة، وكلّ ذلك بهدف سرابيّ يسعى إلى التخلّص من حتميّة التنوّع الحضاري والأممي، الأمر الذي ساعد على إزكاء المشاعر العدائيّة عند كل فريق (نحن والآخر) تجاه الفريق الثاني.
وبعيداً عن هذا الجدل التنظيري، لو انتقلنا إلى صعيد الواقع، وقمنا برصد ماهية العلاقة بين الـ((نحن والآخر))، لوجدنا أنّ الحركة التاريخيّة برمّتها عانت من إشكاليّة هذه العلاقة، فكانت إيجابيّة أحياناً، وسلبيّة أخرى، وكلنا يعلم تلك الصورة التاريخيّة المشرقة التي تجسّدت عند المسلمين واقعاً عمليّاً في فتراتٍ زمنيّة مختلفة، عندما كانت العلاقة مع الآخر تواصليّة وتشاركيّة يحتضنها شعور بفرض التعايش ورفض التنابذ، وذلك عندما تجلّت باستلام عدد من غير المسلمين (الآخر) لمناصب هيكليّة ومركزيّة، بل مفصليّة في الدولة الإسلاميّة، وكتب التاريخ تذخر بكثرة أسمائهم وألقابهم.
وفي هذا السياق لابدّ من الاعتراف بحقيقة الاختلاف والتنوّع الثقافي والحضاري، الذي لا يعني تمييع الخصوصيّات وإضعاف الانتماء التاريخي، أو حتى إضعاف التعلّق بالهويّة الذّاتيّة الخاصّة، ولا يعني أيضاً التقوقع على الذّات، وخلق حالة من الفصام الحضاري وإقصاء الآخر وإلغائه، وإنّما الذي يعنيه بذل الجهد لتحقيق التواصل (الحوار) والتعايش، من خلال البحث عن النقاط الجامعة بين الحضارات، والاستعداد النفسي لاستيعاب الاختلاف وتحييد أسباب التنابذ والصراع، ليتحوّل التنوّع الحضاري إلى مادّة إثراء، لا مادّة عداء، ((قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابًا من دون الله)) (آل عمران:64).
ويزداد هذا الأمر تأكيداً إنْ علمنا أنّ وجود الآخر المؤَكِّد على حالة التعدديّة، هو حقيقة واقعيّة لا يمكن إنكارها أو تجاهلها، وهو حقيقة شرعيّة مستمرَّة الوجود ((ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة ولا يزالون مختلفين)) (هود: 118)، ((ولو شاء ربك لآمن من في الأرض جميعا)) (يونس: 99)، وهذا يعني أنّ التنوع الأممي المتسم بالاختلاف، ما بين مسلم ومسيحي ويهودي ومجوسي، و...، هو أمر حتمي وطبيعي، يجب التعامل معه على أنّه حقيقة واقعيّة وشرعيّة.
تأسيساً على ما سبق لا بدّ من تجاوز تلك الرؤى التعسفيّة التي تدعو إلى تجاوز السنّة التي أودعها الله في خلقهّ، بتحقيق التفاعل والتواصل ((لتعارفوا))، الذي يسمح بالتأثر والتأثير، ويتجاوز حالة التنابذ والتصادم إلى التعايش والتعارف، وبالتالي فإنّ إيّ إيحاء بحتميّة التنابذ مع الآخر هو دليل على فشل إدراك أهميّة وضرورة الاعتراف بحقّ التنوّع والاختلاف كسنّة إلهيّة.
أخيراً ربّما كان الأمر الأكثر خطورة وإشكاليّةً في هذا السياق، ما نشهده في ظل هذا الشحن المذهبي والطائفي الذي يعيشه العالم الإسلامي من تحوّل للحديث عن ((الآخر)) كمفردة تُعبِّر عن غير المسلم، إلى مفردة ذات دلالة أكثر محدوديّة، تنحصر ضمن المنظومة الإسلاميّة الواحدة، حيث أصبحنا نشهد مثلاً أبحاث وندوات تهتمّ بدراسة العلاقة بين السني والشيعي ـ كمدرستين منتسبتين للإسلام ـ وماهيّة تلك العلاقة وحدودها ومظاهرها، وهل تلك العلاقة قائمة على معاني التعايش والقبول أم معاني التنابذ والتصادم، ثمّ بلغ الأمر أكثر تجزئة حتى صرنا نبحث عن طبيعة العلاقة بين الصوفي والسلفي، وبين الجهادي التكفيري والجهادي المعتدل، وبين الإمامي والسلفي، والإمامي والصوفي، وغير ذلك من الانقسامات التي لا ندري هل ستقف عند هذا الحد أم أنها ستستمرّ في حالة لا متناهية من التجزُّؤ المسكون بإشكاليّة التعايش والتنابذ.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا