السبت 15 ربيع الأول 1442 - 31 أكتوبر 2020

مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (74)

الأحد 23 صفر 1442 - 11 أكتوبر 2020 225 مثنى محمد هبيان
مختارات من تفسير من روائع البيان في سور القرآن (74)

(ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ٨٥) [البقرة: 85]

السؤال الأول:

في هذه الآية جاءت هاء التنبيه مؤخرة على الضمير (ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ) [البقرة:85] بينما جاءت هاء التنبيه مقدمة في آية آل عمران 119 في قوله تعالى (هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ) [آل عمران:119] فما السبب؟

الجواب:

1ـ يُقدم التنبيه أو يُؤخر أو يُكرر بحسب الحاجة إليه, وقد يُحذف إذا لم يكن له داعٍ.

2ـ في آية آل عمران قدّم التنبيه؛ لأنه تحذيرٌ لعباده المؤمنين مما هم فيه، وأنه ينبغي لهم أنْ يحذروا وينتبهوا.

بينما في آية البقرة أخَّر التنبيه؛ لأنه أراد أنْ يُحضِّر أنفسهم أمام أعينهم هم ليشهدوا أعمالهم وصفاتهم, أي: أنتم هؤلاء المشاهدون الحاضرون بصورتكم الواضحة التي لا تخفى , فهو لم يرد تحذيرهم من أمر كما في آية آل عمران.

فالتنبيه في آل عمران لتنبيه المؤمنين ولفت انتباههم إلى أمر قد يكونون غافلين عنه, وأمّا آية البقرة فلإحضار صورتهم أمام أعينهم ليشاهدوها.

السؤال الثاني:

قوله تعالى في آية البقرة: (ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ) [البقرة:85] فيه إشكال لغوي؛ لأنّ قوله (أَنتُمۡ) للحاضرين وقوله: (هَٰٓؤُلَآءِ) للغائبين فكيف يكون الحاضر نفس الغائب؟

الجواب: 

التقدير هو:

ـ ثم أنتم يا هؤلاء.

ـ ثم أنتم، أعني: هؤلاء الحاضرين.

ـ هؤلاء تأكيد لأنتم، والخبر (تقتلون).

السؤال الثالث:

ما دلالة هذه الآية؟

الجواب:

1ـ ذكرت الآية أربع حالات لليهود فيها إيمان ببعض الكتاب دون بعض: 

آـ قتل اليهودي لليهودي الآخر المتحالف مع قبيلة أخرى: (ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ) 

ب ـ إخراج بعضهم بعضاً من داره: (وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ).

ج ـ يتعاون بعضهم مع الأعداء على إخوانه ويتقوى بهم على إخوانه ظلماً وعدواناً: (تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ) .ومعنى: (تَظَٰهَرُونَ) أي تتعاونون , وحذفت إحدى التاءين , وأصل المظاهرة مشتقة من الظهر لأن يقوي بعضهم بعضاً.

وهم في هذه البنود الثلاثة مخالفون للعهد والميثاق الذي أُخذ عليهم. 

د ـ التعاون على فك الأسرى من اليهود: (وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ) أي تنقذوهم من الأسر بالمال.

فنفذوا الأخيرة فقط ـ وهي فداء الأسير ـ وخالفوا في البنود الثلاثة الأولى فوبّخهم الله بقوله: (أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ).

2ـ بيّن الله عقوبة من ينقض الميثاق بقوله: (فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ).والفاء في: (فَمَا) هي فاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر كأنه قيل: إنْ شئتم أن تعرفوا جزاء من يفعل ذلك فهو...

3ـ ثم قال تعالى: (وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ) أي أنه مطلع عالم بدقائق أعمالهم , محيط بكل شؤونهم , وسوف يعاقبهم على أفعالهم وأقوالهم.

السؤال الرابع:

ما دلالة كتابة كلمة (ٱلۡحَيَوٰةِ) بالواو في الآية؟

الجواب:

ذكر الداني في كتابه ( المقنع ) أنه رُسمت في كل المصاحف الألف واواً على لفظ التفخيم لأغراض شريفة سامية تعزز المعنى , وتعطي للكلمة القرآنية آفاقها الواسعة حسب السياق , وهذه الكلمات وتسمى الأصول الأربعة هي: (ٱلصَّلَوٰةَ) (ٱلزَّكَوٰةَ) (ٱلۡحَيَوٰةِ) (ٱلرِّبَوٰاْ).

وقد وردت كلمة (ٱلۡحَيَوٰةِ) بالواو , بهذه الصورة لتبين أهمية الحياة كدار ابتلاء وكمزرعة للآخرة , وقد وردت (71) مرة في القرآن الكريم بهذا الرسم , غير أنه حين تُنسب الحياة إلى الكافرين فإنها تأتي بالصورة العادية , حيث وردت خمس مرات في القرآن الكريم كله , كما يلي:

(وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ٢٩) [الأنعام:29].

(إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ٣٧) [المؤمنون:37].

(أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا) [الأحقاف:20].

(وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا) [الجاثية:24].

(يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي٢٤﴾ [الفجر:24].

والله أعلم.

*****

(أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ٨٦)[البقرة: 86]

السؤال الأول:

ما الفرق بين استخدام كلمة (يُنصَرُونَ) [البقرة:86] في هذه الآية وكلمة (يُنظَرُونَ) في آية البقرة 162، وآية آل عمران 88؟

الجواب:

لنستعرض الآيات أولاً:

ـ قوله تعالى: (أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ٨٦) [البقرة:86].

ـ قوله تعالى: (خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ١٦٢) [البقرة:162]. 

ـ قوله تعالى: (خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ٨٨) [آل عمران:88]. 

ثانياً:

لو نظرنا في سياق الآيات في سورة البقرة التي سبقت آية 86 لوجدنا الآية (وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ٨٤ ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ٨٥) [البقرة: 84،85] فالآيات تتكلم عن القتال والحرب والمحارب يريد النصر لذا ناسب أن تختم الآية 86 بكلمة (يُنصَرُونَ).

أمّا في الآية الثانية في سورة البقرة وآية سورة آل عمران ففي الآيتين وردت قبلهما ذكر اللعنة, واللعنة معناها الطرد من رحمة الله والإبعاد , والمطرود كيف تنظر إليه؟

و كلمة (يُنظَرُونَ) تحتمل معنيين:

آ ـ لا يُمهلون في الوقت.

ب ـ ولا يُنظر إليهم نَظَرَ رحمة. 

فإذا أُبعد الإنسانُ عن ربه وطُرد من رحمة الله كيف يُنظر إليه؟ إنه خارج النظر. فلمّا ذكرت اللعنة في سياق الآيتين في سورة البقرة وسورة آل عمران استوجب ذكر (يُنظَرُونَ).

السؤال الثاني:

ماذا تعني الباء في الآية (ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ) [البقرة:86]؟

الجواب:

في أمور الشراء الباء مع الذاهب؛ فهم أخذوا الحياة الدنيا وكان الثمن الذاهب لها هو خسرانهم الآخرة.والله أعلم.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا