الثلاثاء 11 صفر 1442 - 29 سبتمبر 2020

ثالوث اختبار الرجال

الثلاثاء 27 محرم 1442 - 15 سبتمبر 2020 47 إدريس أوهنا
ثالوث اختبار الرجال

لا شك أذهلك ما أذهلني!! وآلمك ما آلمني!! في المظاهر الخداعة لأناس تظن بهم خيرا لما يحملون في الظاهر من ألقاب ورسوم وأشكال، نحو: العالم أو المثقف أو الدكتور أو الأستاذ أو الإمام أو الخطيب أو الواعظ أو القارئ المجود أو المقاول أو الحرفي أو المنتخب أو غير ذلك، وإذا تكلموا حسبت التقوى حطت الرحال، وليس كهؤلاء الرجال رجال، لكن عند المواقف تنجلي تلك الزوائف، ويتحول القوم إلى زواحف تلدغ وتلسع، وتبلع كل نافق وجائف، كالذئب أدلج في الظلام الدامس، لا مبدأ يقام، ولا صدق يرام، ولا خلق يصان، ولا خبيث يشان، ولا أروم التعميم، فالتعميم يخسر الميزان، إنما أخص بالذكر من هم على هذه الشاكلة، ممن بسببهم الأمة منحطة سافلة.. لكن رويدك أخي، فإنه إذا عرف السبب بطل العجب، والسبب لا يخرج عن ثالوث اختبار الرجال، ليتميز المسيح من الدجال، ويتبين الحرام من الحلال، والحق من الضلال، بميزان العدل والاعتدال، وإليك هذا الثالوث من غير قصد إلى ترتيب حسب الخطورة والأولوية، فالكل شره مستطير على البرية:

أول الثالوث: المال، وما أدراك ما المال؟ وقد قال الله تعالى فيه: {وتحبون المال حبا جما كلا}، وقال عليه الصلاة والسلام: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ، بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» رواه أحمد، ولا غرو أن المحذر منه والمنهي عنه هو الحرص على جمع المال بأي وسيلة وطريقة حتى ولو كانت محظورة أو مرذولة، كمن يتملق ذوي السلطة والثروة لينال عندهم الحظوة، أو يرضع من أثد – جمع ثدي- كثيرة، ويحلب أخلافا عديدة، دون القيام بحقها، والوفاء بمستحقها، فتراه في أكثر من مهمة ووظيفة، يتقاضى عنها جميعها، ولا يتقن ولو واحدة منها، ولو تحرى الإتقان، وأخلص في الواجب لتعذر عليه الجمع بين كل تلك الالتزامات، لكن غايته الحقيقية وإن أخفاها وتستر عليها ما يحشو جيبه به من عوائدها، وللأمانة رب يحميها !! ...

وكذلك من يغش في حرفة أو تجارة أو يشهد شهادة الزور، ومن جميل قوله تتفطر الأكباد وتحار العقول.

وثاني الثالوث: السلطة والرئاسة

إن النزوع إلى الرئاسة والزعامة والسلطة والنفوذ مما تميل إليه النفس، وتزهو به وتفخر، وقد تطغى به وتتجبر، أو تتعالى به وتتكبر، ومتى وجدت حرصا عند أحدهم على ركوب تلك المراكب، وتسلق تلك الرغائب، تلبية لحظوظه النفسية، وإشباعا لنزواته السلطوية الخفية، فاعلم أن أهون شيء عليه أن يبيع المبادئ بالرغائب، ويقدم التنازل من أجل بقاء الجاه، ودوام نخوة الرئاسة. قال سفيان الثوري رحمه الله: "ما رأيت زهدا في شيء أقل منه في الرئاسة، ترى الرجل يزهد في المطعم والمشرب والمال والثياب فإن نوزع الرئاسة تحامى عليها وعادى".

ومن علامات المرض بهذه الشهوة الخفية أن صاحبها يكره أن يرى الخير عند غيره، ويسارع إلى تتبع العورات، والانتقاص من الهامات، وكيل الاتهامات، وتراه يسكن بيتا من مرايا لا يرى أينما ولى وجهه إلا نفسه، ولا قدرة له على إبصار هاناته وآفاته، وما أكثرها لو كان يبصر!!

وثالث الثالوث: النساء

لا ريب أن فتنة النساء من أعظم الفتن التي تفسر كبوة البعض ممن ظاهرهم الصلاح، بله سواهم ممن جعلوا كل شيء مستباح، قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِن َّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّل َ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ" رواه مسلم 

وقال عليه السلام: " ما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ" رواه البخاري

قال ابن حجر: "ويشهد له قول الله تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة} الآية. فجعلهن من حب الشهوات وبدأ بهن قبل بقية الأنواع، وذلك لعظيم خطرهن."

وليس بالضرورة أن يقع أولئك في الفاحشة البينة، لكنهم ولغوا في فروعها نحو التساهل في الخلوة بغير المحارم، أو عدم التورع عن الاتصال والتواصل عبر الوسائط في أمور مريبة لا علاقة لها بالنفع العام، أو غير ذلك مما يطيح برقاب القدوات، وينفي الثقة عمن هم في الظاهر ثقات، ويؤكد قاعدة أن المظاهر خداعة، وأن هذه الآفات الثلاثة بلاعة.

وكم يثلج صدري أن يستفيد من هم في مقتبل العمر من تجارب من هم أكبر سنا، ليخبروا الحياة وأهلها من خلال من طعمها واكتوى بجمارها، على أمل أن لا يقعوا فريسة الثالوث المذكور، ليكونوا بحول الله لغد أفضل جسر عبور.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا