الخميس 23 ذو الحجة 1441 - 13 أغسطس 2020

ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟ (4)

الأحد 21 ذو القعدة 1441 - 12 يوليو 2020 73 غازي التوبة
ما معجزة الرسول محمد ﷺ الأولى والرئيسية؟ (4)

ثانياً: "الأمة المعجزة" = "الأمة المسلمة":

تجسدت آيات القرآن الكريم في معجزة الرسول ﷺ الثانية وهي "بناء الأمة"، وقد صنع هذا الكتاب الذي هو القرآن الكريم "أمة" تجسدت على الأرض في المدينة المنورة، ثم قادت البشرية واستمرت موجودة فاعلة مؤثرة لمدة 1400 عام.

وقد جاءت هذه الأمة تلبية لدعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يجعل من عقبيهما أمة مسلمة، قال تعالى: "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"(البقرة، 128).

وقد قامت هذه "الأمة المعجزة" في البداية في المدينة المنورة وفي الجزيرة العربية، ثم استمرت هذه الأمة موجودة فاعلة حتى الآن، رغم سقوط الخلافة العثمانية عام 1924، وهي الأمة التي نعيش في أكنافها الآن، ونتفيأ ظلالها، ونتحرك من خلال جماهيرها، دعاة وعلماء ومشايخ وجماعات وأحزاباً.

فما صفات هذه "الأمة المعجزة" التي بناها الرسول ﷺ من خلال آيات القرآن الكريم؟

الأولى: إنها أمة واحدة:

لقد اتصفت الأمة المسلمة التي أنشأها الرسول ﷺ بأنها أمة واحدة، وقد استمرت وحدتها قائمة خلال أربعة عشر قرناً، وقد جاءت هذه الوحدة من أن ثقافتها التي قامت عليها واحدة، وقد جاءت هذه الثقافة من ثلاثة مصادر، هي: القرآن الكريم والسنة المشرفة واللغة العربية، وقد كان العلماء باستمرار يجسدون قيادتها العلمية على مدار التاريخ بما يفتون به، وبما يفسرون لجماهير الأمة أمور دينها.

وتأتي وحدتها بمعنى آخر من أنها واحدة مع أمم الأنبياء السابقين، وهي امتداد وإكمال لأمم الأنبياء السابقين، فبعد أن تحدث القرآن الكريم في سورتي الأنبياء والمؤمنون عن الأنبياء السابقين جميعهم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وإسماعيل إلخ ....عليهم الصلاة والسلام، قال تعالى: "إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ"(الأنبياء، 92).

وقال تعالى: "وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ"(المؤمنون، 52)

الثانية: إنها أمة عالمية:

بمعنى أنها جسدت وحدة الأجناس والأعراق والقبائل لأول مرة في التاريخ تحقيقاً لقول الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(الحجرات، 13).

نزل القرآن عربياً كما ذكر القرآن، وكان الرسول ﷺ عربياً، وكان العرب هم مادة الإسلام الأولى، لكن الرسول ﷺ جاء لكل العالمين، فقال تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"(الأنبياء، 107)، وقال تعالى: " قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ"(الأعراف، 158).

وقال عن القرآن الكريم: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ"(التكوير، 27).

وقد دخلت جميع الأجناس في دين الله أفواجاً بعد ذلك، وأصبحت الأمة الإسلامية تحتوي جميع الأجناس: من فرس وترك وهنود وشركس وبلغار إلخ....، وقد ساهمت جميع هذه الأجناس في بناء الحضارة الإسلامية، وخدمة الأمة، وإعلاء شأن الدين.

لذلك نجد أن جميع الأجناس احتلت مناصب في القيادة السياسية والعسكرية والإدارية إلخ...، ونجد علماء ساهموا من مختلف الأجناس في مختلف العلوم الشرعية والدنيوية إلخ...، واستطاع الإسلام أن ينشئ لأول مرة في التاريخ أمة واحدة من أجناس مختلفة، وهو ما كان يحلم به أرسطو والاسكندر المقدوني، وعجزا عن تحقيقه.

الثالثة: أمة إعمار الأرض:

لقد اتصفت الأمة الإسلامية بأنها أمة إعمار للأرض، وقد وجه القرآن الكريم الأمة الإسلامية إلى هذا المعنى فقال تعالى: "وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ"(هود، 61).

وقد تحقق هذا المعنى في التاريخ الإسلامي كأحسن ما يكون، لذلك ازدهرت الزراعة والصناعة والعمران، ومما يبرز ذلك ازدهار العلوم المتعلقة بتلك الأمور بشكل واضح، والقيام بالاختراعات في مختلف المجالات الحياتية.

ثالثاً: "الدولة المعجزة" = "الخلافة":

لقد أقام الرسول ﷺ دولة إسلامية بكل معنى الكلمة، وقادها بنفسه ﷺ، وقد اتصفت هذه الدولة بعدة صفات، هي:

الأولى: دولة ذات دستور:

لقد كانت الدولة الإسلامية أول دولة في التاريخ أقامت دستوراً، يوضح حقوق رئيس الدولة وواجباته نحو رعيته، ويوضح حقوق الرعية وواجباتها نحو رئيسها، وكان هذا الدستور هو القرآن الكريم المنزل من الله، وفي هذا الدستور شرح لكل الأحكام التي تتطلبها الدولة في مجالات الاقتصاد والأسرة والحرب والسلم والاجتماع والتربية والقضاء إلخ.....

الثانية: الحاكم غير مقدس وسلطته غير مقدسة:

بمعنى أن الحاكم بشر، وسلطته بشرية، وبالتالي نستطيع أن نراجعه، ونناقشه في قراراته، ويمكن أن نعترض عليها، كما أننا نطيعه بمقدار طاعته لله تعالى، وقد تجلّى هذا في أقوال أبي بكر الصديق عندما تولى الخلافة وقال في خطابه الأول: "لقد وليت عليكم زلست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني"، وهذا الأمر حدث لأول مرة في التاريخ، حيث اعتبر الحاكم نفسه بشراً، ولم يعتبر أن له سلطة إلهية، واعتبره كذلك الصحابة بشراً ولم يعتبروا سلطته إلهية مقدسة لذلك كانوا يعترضون عليه وعلى عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

الثالثة: دولة شورى:

لقد أقام الرسول ﷺ دولته على الشورى، وكان يشاور الصحابة في كل أمر، واتضح ذلك في غزوة أحد عندما نزل على رأي الأغلبية في الخروج إلى مقاتلة المشركين، مع أن المسلمين خسروا المعركة، وكان أحد أسباب خسارتهم عدم أخذهم برأي الرسول ﷺ، وقد نزل القرآن آمراً الرسول ﷺ أن يشاورهم مع أنهم تسببوا في خسارة المعركة فقال تعالى: "فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"(آل عمران، 159)

ووصفتهم آيات أخرى بعدة صفات، ومنها الشورى، فقال تعالى: "وأمرهم شورى بينهم"(الشورى، 38).

وقد أصبح أبوبكر الصديق رضي الله عنه رئيساً لدولة المسلمين عن طريق الشورى لأول مرة في التاريخ، كما جاء انتخاب عثمان بن عفان رضي الله عنه نتيجة شورى شاركت فيها جماهير المدينة المنورة حتى نساؤها.

وقد قامت في كثير من المراحل المجالس الشورية للأمور المالية والعسكرية والقضائية والإدارية في كثير من الدول الإسلامية وعلى رأسها دول المماليك، وسأوضح ذلك في كتابي القادم عن موضوع الإعجاز إن شاء الله.

الرابعة: دولة العدل والمساواة:

قامت الدولة المسلمة على العدل والمساواة، فلا تفرقة بين الأجناس والأعراق والقبائل، فقال رسول الله ﷺ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى"(مسند الإمام أحمد).

وقال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات، 13).

الخلاصة:

إن القرآن الكريم الذي هو كلام الله الأخير إلى البشرية، والذي أنزله تعالى على الرسول محمد ﷺ الذي هو آخر رسول إلى البشرية، معجز في مضمونه أولاً فقد بنى الرسول محمد ﷺ بهذا "المضمون المعجز" ثلاثة أمور معجزة هي "الصحابي" و"الأمة المسلمة" و"الدولة المسلمة"، وهي نماذج للبشرية إلى قيام الساعة، والمضمون "معجز" من ناحيتين: الأولى: بأن كل ما احتواه القرآن من حقائق عن الله –سبحانه وتعالى- واليوم الآخر والأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وخلق الكون والإنسان، وما احتواه من مبادئ وقيم ومفاهيم وأفكار وتشريعات إلخ ... حق وصواب من ناحية، وأن هذه الحقائق جاءت بقدر مناسب لبناء "فرد معجز" و"أمة معجزة" و"دولة معجزة" من جهة ثانية، وليس المقصود منه أن يكون القرآن الكريم كتاباً في التاريخ أو الفلك أو الطب إلخ.....

ثم إن هذا "المضمون المعجز" الذي بنى "فرداً معجزاً" و"أمة معجزة" و"دولة معجزة" لا يليق به أن يكون سرداً ككلام الآخرين، بل جاء معجزاً في مبناه ونَظْمِه وبلاغته ولغته وأسلوبه وأمثاله. 

وهذا "المضمون المعجز" مع "سنة الرسول" ﷺ ما زالا غضين طريين قادرين على بناء "إنسان معجز" و"أمة معجزة" و"دولة معجزة" في كل عصر إلى قيام الساعة، لأنهما محفوظان كما نزلا، وما زلنا قادرين على تكرار إيجاد تلك النماذج، وهذا هو المعنى الحقيقي لكون الرسول محمد ﷺ آخر الأنبياء، وكون رسالته هي الأخيرة للبشرية إلى قيام الساعة.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا