الأحد 22 محرم 1441 - 22 سبتمبر 2019

لماذا نصوم حر هذه الأيام؟

الاثنين 20 رمضان 1431 - 30 أغسطس 2010 1100

الشيخ : أحمد النعسان

 

مقدمة الخطبة:
الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, أما بعد:
فيا أيها الإخوة الصائمون كلُّكم يعلم ويحفظ قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}. كلُّنا يصوم مع طول النهار وشدة الحر ـ ونسأل الله تعالى أن يخفف الحرَّ عن أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ـ كلُّنا يصوم مع الجهد والمشقة ومع شدة العطش ـ ونسأل الله تعالى أن يجيرنا من حرِّ نار جهنم ـ كلُّنا يصوم ولله الحمد, ولكن يجب علينا أن نتدبَّر هذه الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}. ماذا نتقي بهذا الصوم؟
أولاً: نتقي بهذا الصوم حرَّ نار جهنم:
أيها الإخوة الكرام: إذا سُئلت هذا السؤال: لماذا تصوم حرَّ هذا اليوم مع طوله؟ وماذا تتقي بهذا الصوم؟ قل بكلِّ صراحة ووضوح: أصوم حرَّ هذا اليوم مع طوله امتثالاً لأمر الله تعالى الخالق, الذي أنا في قبضته وإليه مآلي, أصوم لأن ربي أمرني بالصيام فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}. فأنا مؤمن, وشرفي عظيم عندما يأمرني مولاي بهذا الأمر, وأنا أعلم علم اليقين بأن خير هذا الأمر عائد علي لا على الذي أمرني.
قل: أنا أصوم هذا اليوم لأن الله تعالى أمرني بصيامه, وحتى أتقي بهذا الصوم حرَّ نار جهنم, لأن الله أمرني أن أتقي حر النار وأن آمر أهلي, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون}.
أصوم حرَّ هذا اليوم لأتقي حرَّ نار جهنم التي حدثنا عنها الصادق المصدوق بقوله صلى الله عليه وسلم: (أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ, ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ, ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ, فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ) رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.
وفي شعب الإيمان للبيهقي عن أنس رضي الله عنه قال: (قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ}. فقال: أوقد عليها ألف سنة حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت وألف عام حتى اسودَّت, فهي سوداء مظلمة لا يطفأ لهبها, قال: وبين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل أسود يهتف بالبكاء, فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد، من هذا الباكي بين يديك؟ قال: رجل من الحبشة وأثنى عليه معروفاً, قال: فإن الله عز وجل يقول: وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي، لا تبكي عين عبد في الدنيا من مخافتي، إلا أكثرت ضحكه معي في الجنة).
وفي رواية أخرى للبيهقي: (بلغني يا أمير المؤمنين أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أتيتك بخبر من أمر الله تعالى ذكره بمفاتيح النار، فوضعت على النار تسعر إلى يوم القيامة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صف لي النار ، فقال : إن الله تعالى ذكره أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرَّت ، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اصفرت ، ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت ، فهي سوداء مظلمة ، لا يطفأ لهبها ولا جمرها ، والذي بعثك بالحق لو أن ثوباً من ثياب أهل النار ظهر لأهل الأرض لماتوا جميعاً، ولو أن ذَنوباً من شرابها صُب في مياه أهل الأرض جميعاً لقتل من ذاقه، ولو أن ذراعاً من السلسلة التي ذكرها الله عز وجل وضع على جبال الأرض لذابت وما اشتعلت، ولو أن رجلاً أُدخل النار ثم أخرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه وتشويه خلقه وعظمه، فبكى النبي صلى الله عليه وسلم، وبكى جبريل لبكائه فقال: بلى يا محمد، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ولم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين، أمين الله على وحيه؟ فقال: إني أخاف أن أُبتلى بمثل ما ابتلي به هاروت وماروت، فهو الذي منعني من اتكالي على منزلتي عند ربي عز وجل، فأكون قد أمنت مكره، فلم يزالا يبكيان حتى نودي من السماء: أن يا جبريل ويا محمد، إن الله عز وجل قد أمنكما أن تعصياه فيعذبكم). وأخرجه ابن أبي الدنيا فيه هكذا بغير إسناد.
أصوم حرَّ هذا اليوم لأتقي حرَّ نار جهنم التي أذن لها أن تتنفس نفسين, عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اشْتَكَتْ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا وَقَالَتْ: أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا, فَجَعَلَ لَهَا نَفَسَيْنِ, نَفَسًا فِي الشِّتَاءِ, وَنَفَسًا فِي الصَّيْفِ, فَأَمَّا نَفَسُهَا فِي الشِّتَاءِ فَزَمْهَرِيرٌ, وَأَمَّا نَفَسُهَا فِي الصَّيْفِ فَسَمُومٌ) رواه الترمذي.
اللهم أجرنا من حرِّ نار جهنم, لا إله إلا الله, ما أشدَّ حرَّ هذا اليوم, فنسألك يا ربنا أن تصرف عنا حرَّ ولهيب وزمهرير جهنم برحمتك يا أرحم الراحمين.
ثانياً: نتَّقي بهذا الصوم حرَّ الموقف يوم القيامة:
أيها الإخوة الكرام: إن سُئلتم لماذا تصومون حرَّ هذه الأيام مع شدَّة طولها مع الجهد والتعب, مع شدَّة العطش؟ قولوا لمن سأل: نصوم حرَّ هذه الأيام حتى نتَّقي حرَّ الموقف يوم القيامة حيث تُدنى الشمس من رؤوس الخلائق بمقدار ميل, كما جاء في الحديث الشريف الصحيح الذي رواه الإمام مسلم عن الْمِقْدَادُ بْنُ الأَسْوَدِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ ـ قَالَ سُلَيْمُ بْنُ عَامِرٍ: فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا يَعْنِي بِالْمِيلِ أَمَسَافَةَ الأَرْضِ أَمْ الْمِيلَ الَّذِي تُكْتَحَلُ بِهِ الْعَيْنُ ـ قَالَ: فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ, فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ, وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا, قَالَ: وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ).
أيها الإخوة نصوم حرَّ هذه الأيام لنتَّقي حرَّ ذاك اليوم, مع العلم بأنَّ حرَّ هذه الأيام يمكن أن نتَّقيه بالمراوح والمكيفات وفي الظل الظليل, نتَّقي حرَّ هذه الأيام بسكب الماء على أجسادنا بالوضوء إلى ما هنالك من أسباب الوقاية.
أما حرُّ الموقف في أرض المحشر فلا وقاية منه إلا في ظل عرش الرحمن, ولا صرف للعطش بسبب شدَّة الحرِّ والعرق إلا من حوض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم, كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمْ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ...... وعد منهم: وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللَّهِ).
فيا أيها الشباب: عليكم بطاعة الله, عليكم بالمحافظة على الصيام مع شدَّة الحرِّ, لأن من شبَّ على شيء شاب عليه, وطوبى لمن شبَّ وشاب في طاعة الله عز وجل.
فنحن نصوم حرَّ هذه الأيام لنتَّقي حرَّ ذاك اليوم بظلِّ عرش الرحمن, نسأل الله تعالى أن يظلنا جميعاً تحت ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه.
نصوم حرَّ هذه الأيام مع شدَّة العطش طمعاً في أن نشرب من حوض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده الشريفة إن شاء الله تعالى.
أيها الإخوة الصائمون: كم هو شرف عظيم وأنت في أرض المحشر, والناس يخوضون في عرقهم, وأنت تتقدَّم من حوض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والملائكة ترحِّب بك وتتلقاك, ويستقبلك سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسقيك بيده الشريفة من حوضه الشريف, هل هناك شرف أعظم من هذا الشرف؟ وهل هناك كرامة أعظم من هذه الكرامة؟ وهل هناك سرور أعظم من هذا السرور؟
كم هي حسرة هؤلاء الذين أفطروا في شهر رمضان من غير عذر ولا رخصة؟ كم هي حسرة هؤلاء في أرض المحشر؟كم هي حسرة هؤلاء عندما تردُّهم الملائكة عن حوض سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كم هي حسرة هؤلاء عندما يشفع لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقال له: (إنَّكَ لا تَدْرِي مَا عَمِلُوا بَعْدَكَ, فيقول صلى الله عليه وسلم عليه وسلم: سُحْقًا سُحْقًا)؟ كم هي حسرة هؤلاء عندما يتمنَّى أحدهم لو أنه سلك طريق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ كم هي حسرة هؤلاء عندما يعضُّون على أيديهم كما قال تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً}.
ثالثاً: نتقي بهذا الصوم سخط الله تبارك وتعالى:
أيها الإخوة الصائمون: إن سئلتم لماذا تصومون حرَّ هذه الأيام فقولوا لهم: حتى نتَّقي سخط الله عز وجل, حتى يغفر الله عز وجل لنا, لأن الشقي المحروم هو الذي أدرك شهر رمضان ولم يغفر الله عز وجل له.
روى الحاكم عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احضروا المنبر», فحضرنا, فلما ارتقى درجة قال: «آمين»، فلما ارتقى الدرجة الثانية قال: «آمين» فلما ارتقى الدرجة الثالثة قال: «آمين»، فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه, قال: «إن جبريل عليه الصلاة والسلام عرض لي فقال: بعداً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له, قلت: آمين، فلما رقيت الثانية قال: بعداً لمن ذُكرتَ عنده فلم يصلِّ عليك, قلت: آمين، فلما رقيت الثالثة قال: بعداً لمن أدرك أبواه الكبر عنده أو أحدُهما فلم يُدخلاه الجنة, قلت: آمين».
نعم نصوم حرَّ هذه الأيام لنفوز بمغفرة الله عز وجل, ومغفرة الله تعالى لها ثمن, وثمنُها غال, وفي سبيلها يرخص الغالي والرخيص, ويُبذل في سبيلها النفيس فضلاً عن الخسيس, كما جاء في الحديث الشريف: عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال: قال رسول اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: (مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ المَنْزلَ, ألا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَاليةٌ، أَلا إِنَّ سِلْعةَ اللَّهِ الجَنَّةُ) رواه الترمذي.
أيها الإخوة الكرام: الحمد لله الذي جعلنا على بصيرة من أمرنا, الحمد لله الذي عرَّفنا الغاية من خلقنا, الحمد لله الذي عرفنا الهدف الذي ينبغي أن نصل إليه.
نعم لقد خُلقنا للعبادة, قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون}. وعرَّفنا الهدف الذي نصبو إليه, وهو جنة عرضها السموات والأرض, قال تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِين}.
خاتمة نسأل الله تعالى حسنها:
أيها الإخوة الصائمون: قولوا لمن حُرم هذه النعمة العظيمة: نحن نصوم امتثالاً لأمر الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}. نصوم ولو كان الحر شديداً لعلنا بهذا الصوم نتَّقي سخط الله تعالى, ونتَّقي حرَّ الموقف يوم القيامة, ونتَّقي حرَّ نار جهنم, قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون}. نسأل الله تعالى أن يمنَّ علينا بعتق رقابنا من النار مع أصولنا وفروعنا وأزواجنا والمسلمين من النار. آمين.
أقول هذا القول وكل منا يستغفر الله فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم
 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا