الثلاثاء 14 ذو الحجة 1441 - 4 أغسطس 2020

نحو عيدٍ متميّزٍ خطبة عيد الفطر 1441هـ - 2020م

السبت 30 رمضان 1441 - 23 مايو 2020 243 حسن محمد الجاسم
نحو عيدٍ متميّزٍ خطبة عيد الفطر 1441هـ - 2020م

عناصر المادة

1- عيد في بيت النبوة2- العيد دواء الانفعالات النفسية والحواجز الدنيوية3- سنبتسم رغم الجراح؛ فاليوم عيد

مقدمة:

إن اكتمال النعمة على العبد وتمامها، سواء بانتصاره على نفسه، أو على عدوه في معركة، أو نجاح في دعوة، أو فراغ من موسم طاعة وُفِّق إليه العبد لما تيسر من العمل الصالح، كل ذلك يتحتم عليه عبادة عظيمة ألا وهي الشكر لله تعالى. 

لقد كان الشعور بمنة الله أمراً مستقراً في نفوس الصالحين، لهجت به ألسنتهم وتحركت به شفاههم، وظهر ذلك على أعمالهم، تأمل معي قول نبي الله يوسف عليه السلام بعد كل الذي حدث له وجمع الله شمله بأبويه وإخوته وتمت له النعمة: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].

إنك لتتعجب من هذا النبي الكريم الذي انتزع نفسه من فرحة اللقاء وأُنس الاجتماع ليلهج بهذه الدعوات المباركة، لهج الشاكرين الأواهين المنيبين، فإذا كان هذا حال يوسف عليه السلام، فغيره أمثالنا أحوج ما يكون إلى الشكر خصوصاً في ختام مواسم الطاعات، وها نحن نودع موسماً من أعظم المواسم، إنه رمضان الصيام والقيام، رمضان البر والإحسان، رمضان التربية والأخلاق.

قد جاءنا العيد طارقاً بابنا فماذا نحن فاعلون في خضم هذه الأحداث، والجرح النازف، والواقع المرير؟!

1- عيد في بيت النبوة

في يوم بهيج من أيام المدينة المنورة، وفي صباح عيد سعيد، كان البيت النبوي وما حوله يشهد مظاهر الاحتفال بالعيد على مرأى ومسمع وعلم من سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث كان الجميع يعبر عن فرحته بالعيد ويحرص أن تكون احتفاليته تلك بمشهد من الحبيب صلى الله عليه وسلم، حباً وشوقاً وتكريماً للحبيب، أما في داره الشريفة فتحدثنا عن ذلك أمنا عائشة رضي الله عنها فتقول: "دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ، فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: (دَعْهُمَا)، فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا". [ 1 ]

وغير بعيد من الحجرة الشريفة كانت هنالك احتفالية أخرى تحدثنا عنها أيضاً أمنا عائشة رضوان الله عليها متممةً لسياق حديثها المتقدم فتقول: وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ وَالحِرَابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَإِمَّا قَالَ: (تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟) فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: (دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ) حَتَّى إِذَا مَلِلْتُ، قَالَ: (حَسْبُكِ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: (فَاذْهَبِي). [ 2 ]

وفي موضع آخر قريب من الحجرة النبوية تنشأ احتفالية بهيجة بالعيد تولى شأنها عدد من الأطفال في أناشيد رائقة وبديعة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسًا فَسَمِعْنَا لَغَطًا وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَإِذَا حَبَشِيَّةٌ تَزْفِنُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا، فَقَالَ: (يَا عَائِشَةُ تَعَالَيْ فَانْظُرِي). فَجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا بَيْنَ المَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ لِي: (أَمَا شَبِعْتِ، أَمَا شَبِعْتِ). قَالَتْ: فَجَعَلْتُ أَقُولُ لَا لِأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ عُمَرُ، قَالَتْ: فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا: قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالجِنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ) قَالَتْ: فَرَجَعْتُ. [ 3 ]

وعندما نحاول معرفة طرف من تلك الأناشيد فإنها كانت بلغتهم حتى الحبيب كان يستفهم عن معانيها، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتِ الْحَبَشَةُ يَزْفِنُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيَرْقُصُونَ وَيَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ عَبْدٌ صَالِحٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا يَقُولُونَ؟) قَالُوا: يَقُولُونَ: مُحَمَّدٌ عَبْدٌ صَالِحٌ. [ 4 ]

يدل ذلك على إظهار منة الله علينا في هذا اليوم، ففي رواية: لما نهر الصدّيق الجاريتين، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا). [ 5 ]

وفي روايةٍ أخرى: (لَتَعْلَمُ يَهُودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيفِيَّةٍ سَمْحَةٍ). [ 6 ]

العيد في الإسلام ليس احتفالاً فردياً، بل هو فرح الأمة جميعاً، العيد شعيرة سامية متكاملة موفية لحاجات الروح والجسد، يأتي متوجاً لشعائر عظيمة جليلة بعد رمضان وبعد الحج والعشر من ذي الحجة، وتلك مبتغيات الروح.

{قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58].

عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟) قَالُوا: كُنَّا نَلْعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الْفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ). [ 7 ]

لقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم بكل أيامها ولحظاتها أيام عيد ولحظات ابتهاج وسرور لكل من يخالطه ويهتدي بنور شرعته، ولسوف تبقى هذه النعمة متاحة للبشرية جمعاء إلى يوم القيامة، وإنما يغنم ويربح من سار على النهج النبوي الشريف واقتفى أثره، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21].

2- العيد دواء الانفعالات النفسية والحواجز الدنيوية

كم هو جميل أن يكون في يوم العيد نبذ للتهاجر وحرص على التواصل وخاصة صلة الرحم، والإنسان الحصيف هو من يعمل بالصلة ويقابل بالإحسان، ففي الحديث: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ). [ 8 ]

فليكن العيد نقطة تحول في طيبة النفس وسلامة الصدر والتسامي على أوضار النفوس وشحها.

3- سنبتسم رغم الجراح؛ فاليوم عيد

لا شك أن الغيوم المتلبدة فوق سماء الأمة تشي بآلام عميقة لا تخفى على صاحب عقل، حروب ونزاعات، سجون ومعتقلات، أوبئة ومجاعات، نزوح واغتيالات، كورونا وجائحات، فقر وضعف وانهيار ودمار، ولكن... ما العمل؟

والعيد أتانا طارقاً الأبواب، قد جعله الله لنا نافذة فرح نطل بها على الآلام فنبتسم رغم الدموع، القلوب المهتمة بأمر الأمة قد شق عليها استقبال فرح في لجج حزن وآلام، وقلوب أُخر قد شغلتها هموم الدنيا هذا يشكو فقره والآخر يبكي حاله وثالث نازح محروم ورابع مريض جسداً وروحاً قد برّحت به الأحداث والشدائد، كيف يبتسم هؤلاء؟ يبتسمون كما ابتسم الحبيب الذي هجر من أحب البلاد إليه، يبتسمون كما ابتسم الحبيب الذي افتقد فلذات كبده، يبتسمون كما ابتسم الحبيب الذي افتقد سبعين من أجلة صحابته، مع ذلك أعلن للجبل الذي ضم رفاتهم: (إِنَّ أُحُدًا هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ). [ 9 ]

ابتسم كما ابتسم الحبيب الذي حوصر في الشعب، واجتمعت عليه الأحزاب في الخندق، ومع هذا قال: (اللَّهُ أَكْبَرُ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الشَّامِ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَهَا الْحُمْرَ مِنْ مَكَانِي هَذَا). [ 10 ]

وهي ما زالت إذ ذاك ترزح تحت ثقل الرومان، ابتسم.

من عمق هذا الليل ينبثق السنا وجراحنا في الأفق تعبق سوسنا

فاضت مآقينا دماً ومدامعاً لكنها تأبى لهم أن تذعنا

إن زاركم العيد يوماً فتبسَّموا افتحوا أبوابكم مشرعة للأمل

ألقوا السلام وتلقوه، زوروا الأرحام، أسعدوا الأطفال، أطعموا المحرومين، شاركوا البائسين والمشردين، أنفقوا ووزعوا فإن لم تجدوا، فأنفقوا ووزعوا ابتسامة مشرقة من محياكم، فإن توزيع الابتسامات على فقراء الأخلاق صدقة جارية في عالم القيم.

تحابّوا؛ علها أن تشرق شمس المحبة كل يوم على بيوت المسلمين، لنمسح دمعة الحزن والألم من وجنات المرضى والفقراء.

ختاماً: الحبيب صلى الله عليه وآله وسلم يحب التفاؤل، ويعجبه الفأل الحسن، فإذا لم نتفاءل بكلمة العيد فبمَ نتفاءل؟!

التفاؤل: انشراح صدر، واتساع قلب، وإحسان ظن، وتوقع خير، التفاؤل: يجلب السعادة والسرور، ويذهب الهم والقلق، التفاؤل: تقوية للعزائم، معونة على الظفر، تفاءل وأنقذ نفسك من شبح الماضي وخوف المستقبل، حزنك لا يرجع النهر إلى مصبه، ولا الشمس لمطلعها، ولا الطفل لبطن أمه، ولا اللبن للضرع ولا الدمعة للعين، ولا تخرجوا الأموات من قبورهم فاليوم عيد، ولا تستبق الأحداث، لا تجهض الحمل قبل تمامه، ولا تقطف الثمرة قبل نضجها، إن غداً مفقود لا حقيقة له فلماذا تشغل نفسك به؟!

يا مسلم! بعد الجوع شبع، بعد الظمأ ري، بعد السهر نوم، بعد المرض عافية بإذن الله تعالى، سوف يصل الغائب، ويهتدي الضال، ويفك العاني، وينقشع الظلام بإذن الله تعالى، {فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ} [المائدة: 52].

مع الدمعة بسمة، مع الخوف أمن، مع الفزع سكينة، النار لم تحرق الخليل، والسكِّين لم تذبح إسماعيل، أبشروا... وأملوا خيراً...

فاليوم عيدٌ، فاليوم عيدٌ، فاليوم عيدٌ.

1 - صحيح البخاري: 949

2 - صحيح البخاري: 950

3 - سنن الترمذي: 3691

4 - مسند الإمام أحمد: 12540

5 - صحيح البخاري: 952

6 - مسند الإمام أحمد: 24855

7 - مسند الإمام أحمد: 13622

8 - صحيح مسلم: 2558

9 - مسند الإمام أحمد: 8450

10 - مسند الإمام أحمد: 18694

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا