السبت 12 ربيع الثاني 1442 - 28 نوفمبر 2020

حدث في الخامس عشر من رمضان ميلاد سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه

الاثنين 18 رمضان 1441 - 11 مايو 2020 290 محمد زاهد أبو غدة
حدث في الخامس عشر من رمضان ميلاد سيدنا الحسن بن علي رضي الله عنه

في الخامس عشر من رمضان للسنة الثالثة من الهجرة، ولد في المدينة المنورة الإمام الجليل الحسن بن علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي،‎ ‎حفيد رسول الله صلى الله ‏عليه وسلم وابن بنته فاطمة، وابن ابن عمه علي‎ ‎بن أبي طالب، رضي الله عنهما.

وأسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن، فعن علي رضي الله عنه قال: لما ولد الحسن جاء رسول الله صلى الله‎ ‎عليه وسلم فقال‏:‏ أروني ابني، ما ‏سميتموه؟ قلت: سميته حرباً. قال: بل هو حسن. فلما ولد الحسين قال‏:‏ أروني‏‎ ‎ابني، ما سميتموه؟ قلت: ‏سميته حرباً. قال: بل هو حسين. فلما ولد الثالث جاء النبي صلى الله‎ ‎عليه وسلم فقال‏:‏ أروني ابني، ما ‏سميتموه؟ قلت: حرباً. قال‏:‏ بل هو محسن‏‏.‏

وفي اليوم السابع من مولد الحسن عقَّ عنه‏‎ ‎رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبش، وحلق ‏رأسه وأمر أن يُتصدق بزنة شعره‎ ‎فضة‏، وأرضعته أم الفضل لُبابَة الكبرى؛ لبابة بِنت الحَارِث وهي زوجة العباس بن عبد المطلب، وأخت ميمونة زوج النبِي صلى الله عليه وسلم، ‏وخالة خالد بن الوليد، ولها من الأولاد: الفضل، وعبد الله، ومعَبْد، وعُبَيْد الله، ‏وقُثَم - الكثير العطاء - وعبد الرحمن، وغيرهم من بني العباس، ويقال: إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة، وكان النبِي ‏صلى الله عليه وسلم يزورها ويَقيل عندها، روى الإمام أحمد قالت أم الفضل: رأيت كأن في بيتي عضوا من أعضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجزِعتُ من ذلك فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقال: خيراً؛ تلد فاطمة غلاما فترضعينه بلبن ابنك قُثَم. قالت: فولِدتْ حسنا فأُعطيته فأرضعتُه حتى تحرك أو فطمته، ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسته في حجره، فبال على بطنه، فرأيت البول يسيل على بطنه، فضربت بين كتفيه، فقال: ارفقي بابني رحمك الله، أو أصلحك الله، أوجعتِ ابني. قالت: قلت: يا رسول الله، اخلع إزارك والبس ثوبا غيره حتى أغسله. قال: إنما يُغسل بول الجارية، ويُنضح بول الغلام.

وروى البخاري والترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين ويقول: إن أباكما إبراهيم كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامَّة، ومن كل عين لامَّة.

وكان الحسن رضي الله عنه يشبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، روى البخاري عن أنس بن مالك قال: لم يكن فيهم أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم من الحسن‏ بن علي. وروى البخاري ‏عن عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر رضي الله عنه العصر، ثم خرج يمشي، فرأى الحسن يلعب ‏مع الصبيان فحمله على عاتقه، وقال: بأبي، شبيهٌ بالنبي لا شبيه بعلي. وعليٌّ يضحك.‏

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يداعب الحسن وهو صغير بما يناسب سنه، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حاملَ الحسن على عاتقه، فقال رجل: نِعمَ ‏المركَبُ ركبتَ يا غلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ونعم الراكب هو.‏

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يخفي محبته للحسن رغم تقاليد الجفاء التي كان يسير عليها بعض كبار القوم من العرب، روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: دخل الأقرع بن حابس التميمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه يقبل الحسن فقال له: لا تقبله يا رسول الله، لقد ولد لي عشرة ما قبلت أحدا منهم! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من لا يَرحَم لا يُرحم.

بل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعبر عن محبته للحسن والحسين وهو في جمهور الصحابة وعلى المنبر، فعن بُريدة بن حصيب الأسلمي قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين، عليهما قميصان ‏أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر، فحملهما ووضعهما بين ‏يديه، ثم قال: صدق الله ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾،‏ ‏نظرتُ إلى هذين ‏الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما.‏

وتكرر ذلك في مناسبات مختلفة رواها عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، فعن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعاً الحسن بن عليّ على عاتقه، وهو يقول: اللهم، إني أحبُه فأحِبَه. وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:‏‎ ‎‏ خرج النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة ‏النهار، لا يكلمني ولا أكلمه، حتى أتى سوق بني قينقاع، فجلس بفناء بيت فاطمة، فقال: أثم ‏لُكَع؟ أثم لكع؟ - الصغير - فحبسته شيئاً، فظننت أنها تلبسه سِخابا - قلادة من خرز - أو تغسله، فجاء يشتد حتى اعتنق كل ‏واحد منهما صاحبه وقبّله، وقال: اللهم إني أحبه فأحبه، وأحب من يحبه.‏

وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: طرقت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج إلي وهو ‏مشتمل علي شيء لا أدري ما هو، فلما فرغتُ من حاجتي قلت: ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ ‏فكشفه فإذا حسن وحسين على وركيه، فقال: هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبهما، ‏وأحب من يحبهما.‏

عن عمر بن أبي سلمة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم قال: نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه ‏وسلم ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‏﴾ في بيت أم سلمة، فدعا ‏النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة وحسناً وحسيناً، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين ‏فدخل معه، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، وعليٌّ خلف ظهره، ثم قال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهِب عنهم ‏الرجس وطهرهم تطهيراً. قالت أم سلمة: وأنا معهم يا رسول الله؟ قال: أنتِ على مكانك، أنت ‏إلى خير.‏ ويبدو أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها شهدت ذلك فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عنها قالت: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غداةً وعليه مِرطٌ مُرحَّلٌ من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فدخل معه، ثم جاءت فاطمة، فأدخلها ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا‏﴾.

وروى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: لقد قدت بنبي الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين، بغلته ‏الشهباء، حتى أدخلتهم حجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذا قدامه وهذا خلفه.‏

وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والحسن صبي صغير، ولكنه كان واعياً لما يجري حوله، قال أبو الحوراء ربيعة بن شيبان السعدي: قلت للحسن بن علي: مثلَ من كنت يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم وما تعقل عنه؟ قال: عَقَلتُ أن رجلا جاءه يوما فسأله عن شئ فقال: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الشر يريبك، وإن الخير طمأنينة.

وعقلتُ منه أني مررت يوما بين يديه في جُرن من جِران تمر الصدقة، فأخذت تمرة وطرحتها في فيَّ فأخذ بقفاي، ثم أدخل يده في فيَّ فانتزعها بلعابها، ثم طرحها في الجرن، فقال أصحابه: يا رسول الله، ما كان عليك من هذه التمرة؟ لو تركت الغلام فأكلها، فقال: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة.

قال الحسن رضي الله عنه: وعلمني كلمات أدعو بهن في آخر القنوت: اللهم اهدني فيمن هديت، وتولني فيمن توليت، وعافني فيمن عافيت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت.

عن عمير بن مأمون، قال: سمعت الحسن بن علي يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ‏من صلى صلاة الغداة فجلس في مصلاه حتى تطلع الشمس كان له حجاب من النار، أو قال: ستر ‏من النار.‏

وروى عن الحسن رضي الله عائشة أم المؤمنين، والشعبي، وسويد بن غفلة، وشقيق بن سلمة، وهبيرة بن يريم، والمسيب بن نجبة، ‏والأصبغ بن نُباتة، وأبو الحوراء السعدي وهب بن عبد الله السوائي، ومعاوية بن حديج، وإسحاق بن بشار، ومحمد بن سيرين، وغيرهم.‏

وكان الحسن رضوان الله عليه من المبادرين إلى نصرة عثمان لما حوصر، كثير الذب عنه، ثم ترك الدفاع عنه لما أمر عثمان رضي الله عنه من كان في بيته بالانصراف، ولما اغتال عبد الرحمن بن ملجم الإمام علياً رضي الله عنه في 17 رمضان من سنة 40، بايع الصحابة الحسن خليفة لوالده، وأول من بايعه قيس بن سعد بن عبادة ومعه ‏أكثر من أربعين ألفاً، كانوا قد بايعوا الإمام علياً على الموت، وكانوا أطوع للحسن، وأحب له.

ونتوقف هنا لنذكر أن علياً رضي الله عنه لما تولى الخلافة سنة 35 عزل معاوية عن ولاية الشام، فعصاه معاوية، فاقتتلا مئة وعشرة أيام، قتل فيها من الفريقين سبعون ألفا، وانتهت بتحكيم أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، فاتفقا سرا على خلع علي ومعاوية، وأعلن أبو موسى ذلك، وخالفه عمرو فأقر معاوية، فافترق المسلمون ثلاثة أقسام: الأول بايع لمعاوية وهم أهل الشام، والثاني حافظ على بيعته لعلي وهم أهل الكوفة، والثالث اعتزلهما ونقم على عليٍّ رضاه بالتحكيم، وكانت وقعة النهروان سنة 38 بين علي وأباة التحكيم، وكانوا قد كفّروا عليا ودعوه إلى التوبة واجتمعوا جمهرة، فقاتلهم فقتلوا كلهم، وأقام علي بالكوفة دار خلافته إلى أن قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي غيلة في مؤامرة 17 رمضان المشهورة.

وورث الحسن خلاف والده مع معاوية بن أبي سفيان بالشام، وبقي نحو ‏سبعة أشهر خليفة بالعراق وما وراءه من خراسان والحجاز واليمن وغير ذلك، ثم سار معاوية إليه ‏من الشام، وسار هو إلى معاوية، ونزل الحسن وجيشه بالمدائن، وتذكر روايةٌ وقوع حادثة بينت للحسن هشاشة من كانوا في جيشه وسهولة انفضاضهم من حوله، فقد سرت في الجيش شائعة أن قيس بن سعد بن عبادة قد قُتل، فشدَّ الغوغاء من الجيش على حجرة الحسن، فنهبوها حتى انتُهِبت بُسطه، وأخذوا رداءه، وطعنه رجل من بني أسد في ظهره بخنجر مسموم في أليته، فتحول، ونزل قصر كسرى الأبيض وقال: عليكم لعنة الله من أهل قرية، قد علمت أن لا خير فيكم، قتلتم أبي بالامس، واليوم تفعلون بي هذا.

وتقول رواية أخرى أن الجيشان لما تقاربا تبين أنه لن تغلب إحدى الطائفتين حتى يُقتَل أكثر ‏الأخرى، وتذكر أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها. وكان معاوية رجلاً حكيماً فقال له: أي عمرو، إن قتلَ هؤلاءِ هؤلاء، وهؤلاءِ هؤلاء، من لي بأمور الناس! من ‏لي بنسائهم! من لي بضيعتهم؟ فبعث معاوية رجلين من قريش من بني عبد شمس؛ عبد الرحمن بن سَمُرة ‏وعبد الله بن عامر بن كريز، فقال: اذهبا إلى هذا الرجل، فاعرضا عليه، وقولا له، واطلبا إليه.‏

فأتيا الحسن رضي الله عنه فدخلا عليه، فتكلما وقالا له، فطلبا إليه، فقال لهما الحسن: إنا بنو عبد المطلب، قد ‏أصبنا من هذا‎ ‎المال، وإن هذه الأمة قد عاثت في دمائها. قالا: فإنه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب ‏إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلا قالا: نحن لك به. فصالحه.

ولم يصالح الحسن معاوية إلا بعد استشارة أصحابه، فقد قام الحسن فيهم خطيباً فقال بعد حمد الله عز وجل: إنا والله ما ثنانا عن أهل الشام ‏شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر، فسُلِبت السلامةُ بالعداوة، والصبرُ بالجزع، ‏وكنتم في منتدبكم إلى صِفِّين ودينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم، ألا وإنا لكم ‏كما كنا، ولستم لنا كما كنتم، ألا وقد أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصِفِّين تبكون له، وقتيل بالنهروان ‏تطلبون بثأره، فأما الباقي فخاذل، وأما الباكي فثائر، ألا وإن معاوية دعانا إلى أمر ليس فيه عز ولا ‏نَصَفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبا السيوف، وإن أردتم الحياة ‏قبلناه وأخذنا لكم الرضا. فناداه القوم من كل جانب: البقية البقية. فلما أفردوه أمضى الصلح.‏

ولما تم الصلح في 25 ربيع الأول سنة 41 قال الحسن البصري: لقد سمعت أبا بكرة الثقفي يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، ‏والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقْبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: إن ابني هذا سيد، ولعل ‏الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين.‏

ولما دخل معاوية الكوفة وبايعه الناس قال عمرو بن العاص لمعاوية: لتأمر الحسن ليخطب. فقال: لا ‏حاجة بنا إلى ذلك. فقال عمرو: لكني أريد ذلك ليبدو عيه، فإنه لا يدري هذه الأمور. فقال له ‏معاوية: قم يا حسن فكلِّم الناس فيما جرى بيننا. فقام الحسن في أمر لم يرو فيه، فحمد الله وأثنى ‏عليه، ثم قال في بديهته: أما بعد، أيها الناس، فإن الله هداكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، ألا إن ‏أكيس الكَيْسِ التُقى، وإن أعجز العَجز الفجور، وإن هذا الأمر الذي أختلف أنا ومعاوية فيه: إما أن ‏يكون أحق به مني، وإما أن يكون حقي تركته لله عز وجل، ولإصلاح أمة محمد صلى الله عليه وسلم و‏حقن دمائكم. ثم التفت إلى معاوية وقال الآية من سورة الأنبياء: ﴿ وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾. فأمره معاوية ‏بالنزول، وقال لعمرو: ما أردتَ إلا هذا!‏

ثم جرى الصلح بين قيس بن سعد ومعاوية وذلك أن قيس بن سعد كان على شرطة جيش علي رضي الله عنه، وهم أربعون ألفاً فتعاقدوا هم وهو على قتال معاوية حتى يشترط لشيعة علي رضي الله عنه على أموالهم ودمائهم وما أصابوا في الفتنة، فأرسل معاوية إلى قيس يذكره الله تعالى، ويقول: على طاعة من تقاتل؟ وقد بايعني الذي أعطيتَه طاعتك! فأبى أن يلين له، فأرسل إليه معاوية بسجل قد ختم عليه في أسفله، وقال: اكتب في هذا السجل ما شئت فهو لك. وكان عمرو بن العاص قد قال لمعاوية: لا تعطه، وقاتله. فقال: على رسلك، فإنا لا نخلص إلى قتال هؤلاء حتى يقتلوا أعدادهم من أهل الشام، فما خير العيش بعد ذلك، وإنى لا أقاتله حتى لا أجد بداً من قتاله.

فلما بعث إليه معاوية ذلك السجل اشترط لنفسه ولشيعة عليٍّ ما أصابوا من الدماء والأموال، ولم يسأل معاوية في سجله مالاً، وأعطاه معاوية ما سأل، فدخل قيس بن سعد ومن معه في طاعة معاوية.

وعاد الحسن رضي الله عنه مع أخيه الحسين إلى المدينة، فأمضى بها قرابة 10 سنوات حتى توفي في سنة 50 على إثر مرض، رجح الحسن أنه كان بفعل سمٍّ دُسَّ في طعامه أو شرابه، روى محمد بن إسحاق قال: دخلت أنا ورجل على الحسن نعوده، فقال: قد ألقيتُ طائفة من كبدي، وإني قد سُقيت السم مراراً فلم أُسق مثل هذه المرة! ثم دخلت عليه من الغد وهو يجود بنفسه، والحسين عند رأسه، فقال: يا أخي من تتهم؟ قال: لِـمَ، لتقتُلَه؟ قال: نعم. قال: إن يكن الذي أظن فالله أشد بأساً وأشد تنكيلاً، وإن لم يكن فلا أحب أن يُقتل بي بريء. ثم قضى رضي الله عنه.

وكان الحسن في مرضه قد قال لأخيه الحسين رضوان الله عليهما: يا أخي إن أبانا رحمه الله تعالى لما قُبِضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم استشرف لهذا الأمر، ورجا أن يكون صاحبه، فصرفه الله عنه ووليها أبو بكر، فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوّف لها أيضاً، فصُرفت عنه إلى عمر، فلما احتُضر عمرُ جعلها شورى بين ستة هو أحدهم، فلم يشك أنها لا تعدوه، فصرفت عنه إلى عثمان، فلما هلك عثمان بويع ثم نوزع حتى جرد السيف، وطلبها فما صفا له شيء منها، وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهلَ البيت؛ النبوة والخلافة، فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك.

وقد كنت طلبتُ إلى عائشة إذا مت أن تأذن لي فأُدفَن في بيتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت نعم. وإني لا أدري لعلها كان ذلك منها حياء، فإذا أنا مُت فاطلب ذلك إليها، فإن طابت نفسها فادفنّي في بيتها، وما أظن القوم إلا سيمنعونك إذا أردتَ ذلك، فإن فعلوا فلا تراجعهم في ذلك، وادفني في بقيع الغرقد فإن فيمن فيه أسوة.

فلما مات الحسن أتى الحسين عائشة فطلب ذلك إليها، فقالت: نعم وكرامة. فبلغ ذلك مروان بن الحكم فقال: كذب وكذبَتْ، والله لا يدفن هناك أبداً! والله ما كنت لادع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد دُفِن عثمان بالبقيع.

فبلغ ذلك الحسين، فدخل هو ومن معه في السلاح، فبلغ ذلك مروان فاستلأم - أي لبس درعه - في الحديد أيضاً، فبلغ ذلك أبا هريرة فقال: والله ما هو إلا ظلم! يُمنع الحسنُ أن يدفن مع أبيه! والله إنه لابن رسول الله صلى الله عليه وسلم! ثم انطلق إلى الحسين فكلمه وناشده الله، وقال له: أليس قد قال أخوك إن خفتَ أن يكون قتال فردوني إلى مقبرة المسلمين؟ فلم يزل به حتى فعل وحمله إلى البقيع فلم يشهده يومئذ من بني أمية إلا سعيد بن العاص، وكان يومئذ أميراً على المدينة، فقدَّمه الحسين للصلاة عليه وقال: هي السنة. ودفن الحسن إلى جانب أمه فاطمة رضوان الله عليها وعلى بنيها أجمعين.

وتذكر روايات متهافتة أن عائشة رضي الله عنها رفضت دفن الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف يكون ذلك وقد روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال أبو بكر: ارقبوا محمدا صلى الله عليه وسلم في أهل بيته.

تزوج الحسن في كثير من قبائل العرب، وله من الولد تسعة عشر ذكراً، وثمان بنات. وبنوه هم: الحسن، وزيد، وطلحة، والقاسم، وأبو بكر، وعبد الله، وهؤلاء قتلوا بكربلاء مع عمهم الشهيد الحسين. وعمرو، وعبد الرحمن، والحسين، ومحمد، ويعقوب، وإسماعيل، والقاسم، وإسماعيل، وعبد الله، وإبراهيم، وزيد، وإسحاق، وعلي رضي الله عنهم. ولم يعقب منهم سوى الحسن وزيد، وللحسن بن الحسن خمسة أولاد أعقبوا، ولزيد ابن وهو الحسن بن زيد، فلا عقب له إلا منه، ولي إمرة المدينة، وهو والد الست نفيسة.

كان الحسن رضوان الله عليه من العبادة بمكان، قيل إنه حجَّ عدة حجات ماشياً، وكان يقول: إن لأستحي من ربي أن ألقاه ولم ‏أمش إلى بيته، وقاسم الله تعالى مالَه ثلاث مرات حتى أنه كان يترك نعلاً ويأخذ نعلا، وتصدق بماله كله ‏مرتين. وكان حليماً كريماً ورعاً، دعاه ورعه ‏وفضله إلى أن ترك الملك والدنيا، رغبة فيما عند الله تعالى.

وقيل للحسن: إن أبا ذر يقول: الفقر أحب إلي من الغنى، والسقم أحب إلي من الصحة. فقال: رحم الله أبا ذر. أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له، لم يتمن شيئا. قال الإمام الذهبي: وهذا حد الوقوف على الرضى بما تصرف به القضاء.‏

رضي الله عن الحسن والحسين. روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحسن والحسين سيدا شباب أهل ‏الجنة.‏

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات