الثلاثاء 8 شعبان 1441 - 31 مارس 2020

كشف الكربة زمن الغربة

السبت 14 جمادى الآخرة 1441 - 8 فبراير 2020 229 رابطة خطباء الشام
كشف الكربة زمن الغربة

عناصر المادة

1- معنى الغربة وأنواعها2- وسائل الإصلاح ودفع الغربة3- ثناء القرآن على الغرباء4- طوبى للغرباء

مقدمة:

إنّ المؤمن الصّادق في الدّنيا كالغريب، لا يسخط من ذلّها ولا ينافس في عزّها، فله حالٌ مختلفٌ عن حال غيره من النّاس، ولذا تجده يقبل على ربّه عندما يعرض عنه الآخرون، ويصدق في عمله عندما يكذب الباقون، ويخلص لله دينه حينما يرائي المراؤون، ولا شكّ أنّنا نعيش في زمنٍ أصبح فيه الإسلام غريباً، فالأمّة مشتّتة، والأحوال متقلّبة، والأعداء بها متربّصون، فكان من الواجب على أبناء الإسلام الغرباء أن يتماسكوا ويعملوا على إعزاز الدّين، ورفع رايته، وحفظ حدوده، رغم كلّ العقبات والصّعوبات، وليس الأمر من السّهولة بمكانٍ، بل كما أخبر النّبيّ صلى الله عليه وسلم حينما قال: (يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ). [ 1 ]

وهذا هو واقع الأمّة اليوم، واقعٌ أليمٌ، وخطبٌ جسيمٌ، لأنّها غيّرت وبدّلت، وفي جميع جوانب الحياة لشرع الله تنكّرت، وتنصّل الكثير من المسلمين عن دينهم، طلبوا العزّة والمجد في حضارة غيرهم، فأصبح الإسلام غريباً في بلاد المسلمين، وهذا هو ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحذّر منه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ). [ 2 ]

1- معنى الغربة وأنواعها

الغربة لها معانٍ عديدةٌ، فمن معانيها: البعد والنّوى، ومنها: الاغتراب عن الوطن، وغالباً ما تشير إلى المشاعر السّلبيّة المرافقة للانقطاع عن الأهل والأجواء المعتادة، والاغتراب عن الوطن اقتلاع المرء من جذوره، وتحوّله إلى بيئةٍ أخرى قريبةٍ أو بعيدةٍ، وهو إمّا أن يكون قسريّاً أو اختياريّاً، بعيداً عن مكان ولادته وطفولته وذكرياته، وإنّه لامتحانٌ صعبٌ وقاسٍ ينتج عنه أبعادٌ مباشرةٌ وغير مباشرةٍ، والمتبادر هنا من لفظة الحديث: (غريباً) أنّها من الغربة لا من الغرابة، لأنّ لفظة الغرباء هي: جمع غريبٍ، ولقد جمعت السّنّة النّبويّة بين نوعين من أنواع الغربة، وهما: الغربة الحسّيّة، والغربة المعنويّة، فأمّا الغربة الحسّيّة فهي الّتي أشار إليها النّبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يرويه الصّحابيّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ). [ 3 ]

وبذلك قد وصف النّبيّ صلى الله عليه وسلم حال المؤمن في الدّنيا بحال الغريب في دار الغربة والوحشة، لأنّ الدّنيا دار ممرٍّ لا دار مقرٍّ، والغريب أو عابر السّبيل يتعلّق قلبه بوطنه الأصليّ، ويشعر بالوحشة في بلاد الغربة.

هل يعلم الصّحب أنّي بعد فرقتهم=أبيت أرعى نجوم اللّيل سهرانا

أقضي الزّمان ولا أقضي به وطراً=وأقطع الدّهر أشواقاً وأشجانا

ولا قريبٌ إذا أصبحت في حزنٍ=إنّ الغريب حزينٌ حيثما كانا

وأمّا الغربة المعنويّة؛ فهي غربة الدّين، وتنقسم إلى أقسامٍ:

أوّلاً: غربة أهل الإسلام في أهل الأديان: وهذه حقيقةٌ ثابتة ٌشرعاً وقدراً، قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ} [ص: 24].

وقال سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103].

وكثيرٌ من الآيات والأحاديث الّتي تدلّ على الغربة في أهل الأديان.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قُبَّةٍ، فَقَالَ: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الجَنَّةِ)، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الجَنَّةِ)، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: (أَتَرْضَوْنَ أَنْ تَكُونُوا شَطْرَ أَهْلِ الجَنَّةِ)، قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الجَنَّةَ لاَ يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَمَا أَنْتُمْ فِي أَهْلِ الشِّرْكِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ البَيْضَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَسْوَدِ، أَوْ كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ الثَّوْرِ الأَحْمَرِ). [ 4 ]

ثانياً: غربة أهل السّنّة في أهل الملّة: فالمؤمن الصّادق المتّبع لسنّة النّبيّ صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً وهدياً وسمتاً وأخلاقاً ومنهجاً فهو غريبٌ، وتزداد غربته إذا عاداه أهل ملّته وأهل دينه، ما هذه اللحية؟ وما هذا اللّباس؟ وما هذا النّقاب؟ وما هذا الأمر؟ وما ذاك؟ وتزداد الكارثة إذا شعر بالغربة في بيته وفي أهله فذلك الجرح الّذي لا يندمل، وليس عجباً أن يكون المسلمون غرباء بين ملل الكفر والإلحاد، بل العجب الّذي لا ينقضي من غربة المسلمين بين أهل الإسلام، بل ويحار العقل عندما يرى من يدّعي الإسلام وينسب نفسه إليه، يرى ما يحلّ بأهل الشّام عامّةً، وبأهل إدلب وريفها، وريف حلب، من قتلٍ وحرقٍ وتهجيٍر وتدميرٍ وسفكٍ للدّماء واعتداءٍ على الممتلكات، يرى ذلك كلّه ولا يحرّك ساكنا وهو يستطيع، بل الأعجب من هذا حال من وقف في صفّ المجرم الكافر الظالم الغاشم وزبانيته وحلفائه، فأيّ غربةٍ أشدّ من أن يكون عددنا أكثر من مليار مسلمٍ، ومع ذلك فنحن أقلّ شأناً في نظر عدوّنا من كلّ الملل والنّحل؟

أيّ غربةٍ أكثر من تسلّط النّصيريّين والشّيعة والشّيوعيّين والملاحدة الكافرين على بلادنا؛ بلاد الشّام الّذين أسلم أهلها لله ربّ العالمين؟ صار أعداؤهم يتحكّمون في مصيرهم، وينهبون خيرات بلادهم، بل ويهاجمون المدن والقرى ويقتلون العزّل من النّساء والأطفال والرّجال تحت ستار دعاوي كاذبةٍ، وتهمٍ باطلةٍ، وقضايا مفتعلةٍ، نعم حدث هذا عندما خان الأمّة بعض رجالها، وعندما أقصي الأمين بل وحورب وطرد وربّما قُتل، وتكلم السّفيه والتّافه بأمر العامّة، كما أخبر بذلك النّبي صلى الله عليه وسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ)، قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: (السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ). [ 5 ]

2- وسائل الإصلاح ودفع الغربة

أوّلاً: تحقيق الإيمان بالله تعالى: فالإسلام عقيدةٌ تنبثق منها شريعةٌ، وهذه الشّريعة تنظّم كلّ شؤون الحياة، ولا يقبل الله من قومٍ عبادتهم إلّا إذا صحّت عقيدتهم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ). [ 6 ]

فالمؤمنون الصّادقون ناجون في الدّين والآخرة، قال تعالى: {وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [النّمل: 53].

فنور الإيمان يضيء زوايا القلب فيستنير ويفيض على الجوارح، بينما المعاصي والذّنوب غيومٌ داكنةٌ سوداء تحجب نور الإيمان عن القلب فيسود ظلام المعصية بدلاً من نور الطّاعة.

ثانياً: الأخوّة الإيمانيّة: المؤمن قويٌّ بأخيه مستأنسٌ به، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10].

والمؤمن يقوّي عزيمة أخيه المؤمن ويشدّ من أزره، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ. [ 7 ]

وما آخى النّبيّ صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فور وصوله إلى المدينة إلّا لتزول الغربة الّتي لحقتهم من ترك الأوطان.

ثالثاً: العمل بفهمٍ وعلمٍ: قال الله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمّد: 19].

فمن سلك طريقاً بغير دليلٍ ضلّ، ومن تمسّك بغير الأصول ذلّ، والدّليل المنير في الظّلماء والأصل العاصم من الأهواء هو العمل بفهمٍ وعلمٍ، فهل ورّثنا العلم خشية الله؟ وهل ورّثنا العلم أخلاق رسول الله؟

رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: "يَا حَمَلَةَ الْعِلْمِ، اعْمَلُوا بِهِ؛ فَإِنَّمَا الْعَالِمُ مَنْ عَلِمَ ثُمَّ عَمِلَ وَوَافَقَ عَمَلُهُ عِلْمَهُ". [ 8 ]

ألا فلنعلم أنّ السبيل لدفع غربة الإسلام في كلّ وقتٍ هو: العلم ثمّ العمل ببصيرة، فقد قال تعالى: {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي} [يوسف: 108].

رابعاً: الصّبر والثّبات: لا بدّ من الصّبر وتحمّل المصاعب والعقبات الّتي تعترض المسلم في مسيرته إلى الله تعالى، وواجبٌ عليه أن يثبت أمام كلّ الابتلاءات الّتي يُبتلى بها، قال تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 2-3].

ولننظر إلى من سبقونا من السّلف الصّالح لتزداد الهمّة واليقين والثقة بوعد الله تعالى، فلا يليق بالمسلم اليأس والقنوط، فكم من نكبةٍ مرّت بها الأمّة كان بداخلها أسباب النّصر، ولكن للأسف فإنّ الأمّة الآن مهزومةٌ نفسيّاً، فلقد استولت التّتار على بغداد ومنعوا صلاة الجماعة بالمساجد أربعين يوماً، وأثناء الحملة الصّليبيّة عُلّق الصّليب على بيت المقدس ومُنعت فيه الصّلاة تسعين يوماً، ولكنّ الله تعالى بدّل الحال والواقع {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

فلِمَ اليأس والقنوط؟ فليس هناك أغيَر على الحقّ من الله، فعلينا العمل، والنّتائج ليست من شأننا.

خامساً: الالتزام بالجماعة ونبذ الفرقة: إنّ الإسلام ما حرص على شيءٍ بعد كلمة التّوحيد كما حرص على توحيد الكلمة، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران 103].

فالاجتماع والائتلاف من أعظم أسباب القوّة، والفرقة والاختلاف من أعظم أسباب الفشل وذهاب القوّة، وهذا ما يفرح أعداء الله، لأنّ المسلمين بتراحمهم كالحزمة من الحطب لا يستطيع أحد كسرها، فإذا فرّقت عن بعضها كسرت، فالجماعة رحمةٌ، والفرقة عذابٌ، والفتنة نائمةٌ لعن الله من أيقظها.

3- ثناء القرآن على الغرباء

يؤكّد القرآن في كثير من الآيات القرآنيّة أنّ أكثر أهل الأرض مجرمون معرضون عن منهج القرآن والحقّ، وتبقى القلّة القليلة مستقيمةً على صراط الله تعالى رغم ما يعترضها من عقباتٍ وصعوباتٍ في سيرها إلى الله تعالى، فلقد قال ربّنا سبحانه: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام:116].

وعندما يقرأ المسلم هذه الآية وأمثالها يستوحش من قلّة السّالكين معه في الطّريق، حتّى إنّه لتأخذه الحيرة والدّهشة فيقول في نفسه متسائلاً متعجّباً: أصحيحٌ أنّ كلّ هؤلاء النّاس على ضلالٍ وانحرافٍ وأنا على حقٍّ وصوابٍ؟! ولكنّ هذا الشّعور بالحيرة والاستغراب سرعان ما يزول عندما تتدبّر قوله تعالى في الآية الأخرى: {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ} [هود: 116].

حيث تنصّ الآية على أنّ الفساد قد ظهر وعمّ العباد والبلاد ومعتنقوه كثيرون، والقلّة القليلة تنهى عن هذا الفساد ولربّما تُتّهم في عقلها وخروجها عن المنطق السّليم من قبل بقيّة النّاس ويصفونها بالتّيه والطّيش، وربّما نالهم شيءٌ من العذاب المعنويّ بل والجسديّ أيضاً، ولكنّ كلّ ذلك لا تأثير له إن تسلّحوا بسلاح التّقوى والصّبر، وهذا ما أشار إليه بيان الله تعالى بقوله: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186].

4- طوبى للغرباء

(طوبى للغرباء) بشارةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعوة للغرباء المتمسّكين بدين الله عز وجل في زمنٍ عمّ فيه الفساد، فكأنّه يقول: هنيئاً لكم يامن تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر في زمنٍ نكّست فيه المفاهيم البشريّة، وأصبحت المعصية حرّيّةً شخصيّةً، وصار المنكر مصبوغاً بالضّوابط الشّرعيّة، وأمسى الباطل تحميه قوانين غربيّة، فلا عليكم فأنتم بعد الله تعالى سببٌ لنجاة العباد والبلاد، قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود 117].

ولم يقل صالحون، بل هم صالحون في أنفسهم مصلحون لغيرهم.

طوبى لكم أيّها الغرباء: يامن لازلتم ترون الحقّ حقّا والباطل باطلاً، فتمسّكتم بالحقّ رغم فقد المعينين، ونصحتم النّاس رغم انعدام الطّائعين، ونهيتم عن المنكر، ولم تحابوا أو تجاملوا أحداً على حساب الدّين، أو تتلوّنوا مع المتلوّنين؛ الّذين داهنوا ومالوا للنّظام المجرم ووالوه ووقفوا معه، ولكنّكم أنتم لم تتنازلوا عن المبادئ والقيم الرّاسخة الثّابتة، فلقد ثبّتكم الله تعالى في الوقت الّذي تغيّرت فيه الأحوال، واختلطت فيه النّساء بالرّجال دون حجابٍ ولا ستارٍ ولا استغرابٍ أو إنكارٍ.

طوبى لكم أيّها الغرباء: ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ يبشّركم بعودة الإسلام بعد غربته الثّانية حينما قال: (وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا)، فكما كان بعد الغربة الأولى رفعةٌ للمسلمين وانتشارٌ لدين الإسلام، فكذا سيكون له بعد الغربة الثّانية -بإذن الله تعالى- نصرٌ ورفعةٌ وتمكينٌ في الأرض، كما أشار إلى ذلك ربنا سبحانه، حيث قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النّور: 55].

وختاماً: علينا أن نتأسّى بمن كان قبلنا من الأنبياء والمرسلين والعلماء الصّادقين زمن الغربة والقلّة، روى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: (عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطَ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلَ، وَالرَّجُلَيْنِ وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ). [ 9 ]

فحريٌّ بالمسلمين الصّادقين أن يثبتوا -رغم غربتهم- فإنّ ثباتهم يؤهّلهم إلى أن يسودوا العالم، ويقودوا الأمم، ويرموا أثقال الغربة عن كاهلهم، وليقرؤوا سيرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ليجدوا أنّه ما سئم صلى الله عليه وسلم وما يئس، وما أضناه التّعب في سبيل الله، وما أضعف عزمه عن الدّعوة إلى الله سبحانه همٌّ ولا غمٌّ، لأنّه يعلم طبيعة الطّريق الصّعبة الّتي يسير عليها إلى الله عز وجل، ولنا في رسول الله قدوةٌ، فعلينا أن نصبر وأن نتحمّل ولا نيأس، ولنستبشر خيراً بأنّه مهما تمادى الباطل وانتشر ظلامه، ومهما تلاطمت أمواج الغواية، وكثرت الفتن والشّهوات والشّبهات فإنّه لا بدّ أن تظهر وردةٌ فوّاحةٌ تغيّر هذا الفساد، وتعمل على إصلاحه، وتلكم هي طائفةٌ من الدّعاة المصلحين النّاصحين، طائفةٌ ثابتةٌ على الحقّ منصورون، لا يضرّهم من خذلهم حتّى يلاقوا ربّهم سبحانه، ففي الحديث عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ). [ 10 ]

فالحذر الحذر من اليأس والقنوط، فإنّ الله تعالى يقول: {وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87].

 

1 - سنن التّرمذيّ: 2260

2 - صحيح مسلم: 145

3 - صحيح البخاريّ: 6416

4 - صحيح البخاريّ: 6528

5 - مسند الإمام أحمد: 7912

6 - صحيح مسلم: 2564

7 - صحيح البخاريّ: 481

8 - جامع بيان العلم وفضله، ص696

9 - مسند الإمام أحمد: 2448

10 - مسند الإمام أحمد: 16957

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا