الاثنين 30 جمادى الآخرة 1441 - 24 فبراير 2020

الأديان كافّة تدعو الناس إلى الاستقامة، فلماذا الدعوة إلى الإسلام تحديدًا؟ (2-17)

السبت 22 جمادى الأولى 1441 - 18 يناير 2020 125 جهاد بن عبدالوهاب خيتي
الأديان كافّة تدعو الناس إلى الاستقامة، فلماذا الدعوة إلى الإسلام تحديدًا؟ (2-17)

السؤال:

من الأسئلة الشائعة لدى غير المسلمين عن الإسلام: أنّ الأديان جميعها -في الأساس- تدعو أتباعها إلى الاستقامة والقيام بالأعمال الصالحة، فلماذا ينبغي على الشخص أن يتبع الإسلام وحده دون غيره؟

الجواب:

هناك اختلاف جوهري بين الإسلام وسائر الأديان (السماوية بصورتها الحالية، والوضعية) في المراد بالاستقامة والأعمال الصالحة، والتعاليم الكفيلة بتطبيقها وشيوعها في المجتمع. وبيان ذلك فيما يلي:

1- المراد بالاستقامة والأعمال الصالحة في الإسلام:

الاستقامةُ في الإسلام تعني الالتزام بتوحيد الله وطاعته، والأعمالُ الصالحةُ هي الخالصة لوجهه الكريم وفق شرعه الحكيم، وهذا فارق جوهري في معنى الاستقامة والأعمال الصالحة بين الإسلام وغيره من الأديان الموجودة الآن. 

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمن جاءه يسأله عن الإسلام: (قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، فَاسْتَقِمْ) (1). والمعنى في الآية والحديث متطابق، ففي الآية خبر بمعنى الأمر، أي آمِنوا واستقِيموا حتى الممات، وفي الحديث أمر مباشر بتوحيد الله والإيمان به والاستقامة على التوحيد، والالتزام بطاعة الله -سبحانه وتعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم.

فالاستقامة أول ما تُبنى على توحيد الله وعدم الشرك به، وعلى طاعة الله ورسوله. قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ} [فصلت: 6]، والأعمال الصالحة هي التي توافق شرع الله الذي أنزله ليعمل الناس به، قال سبحانه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا } [الكهف: 110].

2- الدافع للاستقامة والأعمال الصالحة في الإسلام:

ترتبط الاستقامة والعمل الصالح في المجتمعات الإنسانية بالمعايير الأخلاقية غالبًا، ويتفاوت الناس في مدى استقامتهم والتزامهم بالأعمال الصالحة بحسب نظرتهم للأخلاق. 

وفي المجتمعات التي تؤمن بالحياة الأخرى والحساب والجزاء بعد الموت: يكون السعي للسعادة فيها دافعًا أيضًا، لكنّه يرتبط بمدى التصوّر عن تلك الحياة وما يكون فيها.

أمّا في الإسلام: فإنّ الدوافع للاستقامة والعمل الصالح واضحة غاية الوضوح لكلّ مسلم، وهي أكبر وأشمل وأعمق من تلك التي يعتقدها غير المسلمين.

فالمسلم يعتقد أنّ الاستقامة والعمل الصالح حقّ لله تعالى؛ فهو الذي خلقنا ورزقنا وهدانا، ومن حقّه علينا أن نعبده ونطيعه ونستقيم على شرعه. عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى حِمَارٍ ... فَقَالَ: يَا مُعَاذُ! أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ وما حقُّ العبادِ عَلَى الله؟ قَالَ قُلْتُ: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللّهِ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ لاَ يُعَذِّبَ مَنْ لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً) (2).

والمسلم يؤمن أن الجزاء على الاستقامة والعمل الصالح كبيرٌ ومجزٍ، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} [فصلت: 30-32]. وهذا يشمل الأعمال الكبيرة والصغيرة، قال سبحانه: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة: 7-8] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ)(3). 

وفي المقابل يعلم أنّ ترك الاستقامة والعمل الصالح معصية قد يستحق عليها العذاب الشديد يوم القيامة، فإن كان الذنب شركًا فهو غير مغفور، والعقوبة عليه أبدية، وإن كان ذنبًا دون الشرك فقد يغفره الله تعالى، قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا } [النساء: 48].

3- الإسلام يدلنا على الطرق العملية للوصول إلى الاستقامة:

يرشدنا الإسلام إلى الطرق العملية للحصول على هذه الاستقامة وللتخلّص من الشر، سواء في حياتنا كأفراد، أو مجتمعات، ويأخذ الإسلام في الحسبان الطبيعة البشرية للمجتمع البشري وتعقيداته. فالإسلام هدي من الله الخالق سبحانه وتعالى، لذا يسمّى دين الفطرة؛ أي الدين الطبيعي للإنسانية.

فمثلاً: كل الديانات الرئيسة تعتبر السرقة عملًا خبيثًا غير طيّب، وكذلك الإسلام، لكن الاختلاف بين الإسلام والديانات الأخرى يكمن في أنّ الإسلام -إلى جانب تأكيده على أنّ السرقة عمل خبيث غير طيب- يُقدِّم طُرُقًا عمليّة في خلق بنية اجتماعية لا يُقْدِم الناس فيها على السرقة، ومن هذه الطرق:

أ‌. فرض الزكاة على الأغنياء:

يوجب الإسلام على الأغنياء أن يدفعوا زكاة أموالهم المدّخرة التي تزيد عن النصاب (وهو ما يعادل 85 جرامًا من الذهب) إذا حال عليها الحول (سنة قمرية واحدة)، ومقدار الزكاة: 2.5% من هذا المال، فإذا ما أدى كلّ شخص ثري في العالم زكاة ماله بإخلاص وعن طيب نفس، فإنّ الفقر سوف يُستأصل من هذا العالم، ولن يتعرّض أي إنسان للموت جوعًا، ولن يُقدم المحتاج على السرقة للحصول على المال.

ب‌. قطع اليد عقابًا لجريمة السرقة:

يقضي الإسلام بقطع يد السارق، إذا تحققت شروط إقامة الحد التي نصّ عليها العلماء، وهي شروطٌ شديدةٌ صارمة، كأن يكون السارق بالغًا عاقلًا مختارًا، وأخذ مقدارًا محدّدًا من المال، من مكان حفظه المعتاد، خِفْية، ولم يكن هناك ما يمنع إقامة الحدّ عليه كالمجاعة أو نحوها، قال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [المائدة: 38]. 

ومجرّد وجود هذا التشريع سيْردع ويمنع كثيرًا من اللصوص، ويجعلهم يتردّدون ويفكّرون كثيرًا قبل إقدامهم على السرقة.

وإذا ما أقدم أحدهم على السرقة وعوقب، فإنّ إنزال العقوبة به سيردع غيره من اللصوص عندما يرونه مقطوع اليد، لكن في المقابل: سيعيش الملايين من الناس حياة آمنة لا يقلقهم الخوف من السرقة.

من هنا نقول: إن الشريعة الإسلامية شريعة عملية، ذات نتائج فاعلة.

مثال آخر: يحرّم الإسلام التحرّش بالنساء واغتصابهن، وفي سبيل ذلك يقدّم إرشادات وتوجيهات لا لبس فيها في الكيفية التي يمكن للمجتمع أن يقطع -عند اتباعها- دابر هذه الجرائم، فهو يفرض الحجاب على المرأة، ويحرّم عليها الخلوة بالرجل الأجنبي عنها، ويأمر كلًا من الرجل والمرأة بغضّ البصر، ويقضي بإعدام من يدان بالاغتصاب.

وبعقد مقارنة سريعة بين الدول الإسلامية التي يلتزم فيها المسلمون بشرائع الإسلام، وبين الدول غير الإسلامية مثل أمريكا، سنجد أنّ الفارق كبير جدًا بين البلدين، حيث تقلّ في الأولى جرائم السرقة والتحرّش والاغتصاب حتى تكاد تنعدم، بينما تتجاوز في أمريكا -مثلًا- أعلى المعدلات في العالم أجمع.

(1) رواه مسلم (حديث رقم 38). 

(2) متفق عليه: البخاري (رقم الحديث 7373)، ومسلم (حديث رقم 30). 

(3) رواه البخاري (حديث رقم 652، ومسلم (حديث رقم 1914)..

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا