الثلاثاء 2 رجب 1441 - 25 فبراير 2020

من يرتعْ حول الحمى يُوشك أن يقعَ فيه

الخميس 20 جمادى الأولى 1441 - 16 يناير 2020 80 العلامة عبد الوهاب حمودة
من يرتعْ حول الحمى يُوشك أن يقعَ فيه

عن النعمانِ بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحلال بيِّن، والحرامُ بيِّن، وبينهما أمور مشتبِهاتٌ، فمن ترك ما شُبِّه عليه من الإثم كان لما استبان أتْركَ، ومن اجترأَ على ما يشكُّ فيه من الإثم أوشكَ أن يواقع ما استبان، والمعاصي حِمَى الله، من يرتع حول الحِمَى يوشك أن يقعَ فيه) رواه البخاري برقم 2051ومسلم برقم 1599.

المعنى:

الحلالُ ظاهرٌ بَيِّن، والحرامُ واضحٌ معروف.

ألا ترى إلى الشاة تضع لها حُزمة البرسيم فتقف بجانبك تأكلها وهي ساكنة مطمئنة حتى إذا ما حدَّثتها نفسه بخطف حُزمة أخرى ليست لها أسرعت إلى الهرب وأخذت تعدو في الفلاة؟

وهناك الهرَّة تقف تتمسَّح بك، فإذا ما منحتها قطعةَ اللحم جلست تنهشها وتتمتَّع بها، فإذا دفعها الشرَهُ إلى خطف قطعة من أعلى المائدة أو طرفها فرَّت بعيداً وقفزت سريعاً.

فمن أعلم هذه الهرَّة أنَّ ما صنعته حرام يعرضها للعقوبة؟

ومن أدرى تلك الشاة أن ما فعلته منكر يجب أن تهرُب من عقابه وتفر من جزائه؟

إنما هو الخالق جلَّ شأنه، خلق الإنسان والحيوان، وأودع فيهما الشعور بالحلال والحرام، وغرس في نفوسهما الوجدان يمنعهما من الظلم والعدوان.

قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد:10]، وقال تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس:8]. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (استفتِ قلبَك ولو أفتاك الناس وأفتَوك) [أحمد والدارمي وأبو يعلى في مسانيدهم، والطبراني في الكبير، وأبو نُعيم في الحلية، من حديث أيوب بن عبد اللَّه بن مكرز عن وابصة به مرفوعا].

والحيوان كالإنسان في إدراك ما له وما ليس له من طريق الغريزة والإلهام، قال تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا} {النحل:68-69}.

فهو سبحانه قد أعطى مخلوقاتِه كلَّ شيء يحتاجون إليه، ويَرتفقون به، قال تعالى:{قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50].

وروى الإمام أحمد عن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى شاتين تنتطحان، فقال: يا أبا ذر، أتدري فيم تَنتطحان؟ قلتُ: لا، قال: ولكن الله يدري، وسيقضي بينهما يوم القيامة).

وقال أبو هريرة رضي الله عنه في قولِه عزَّ وجلَّ: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام:38]: أنَّه يحشر الخلق كلهم يوم القيامة: البهائم والدواب والطير، وكل شيء، فيبلغ من عدل الله تعالى أن يأخذ للجمَّاء من القَرْناء، والجَمَّاء: هي التي لا قرون لها، والقَرْناء: هي التي لها قرون طويلة).

فهذا الحديث إنما يحثُّ على تَرْك الشبهات، واجتناب المريبات؛ لأنَّ من اعتاد التساهل في الأخذ بالشبهات، ولم يتورَّع في البُعد عن المشكوكات أدَّى به ذلك إلى الهجوم على الحرام، والوقوع في المعاصي والآثام.

لذلك أجمع العلماء على عظم وقع هذا الحديث، وجليل فوائده، وأنَّه أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، بل قال جماعة منهم: إنَّه ثُلث الإسلام، وإنَّ الإسلام يدور عليه وعلى حديث: (إنما الأعمال بالنيات) وعلى حديث: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يَعنيه).

وسبب عظيم موقع هذا الحديث أنه صلى الله عليه وآله وسلم نبَّه فيه على ترك المشتبهات حمايةً للدين وسلامة للعِرْض.

روى الترمذي مَرْفوعاً: (لا يبلغُ العبد أن يكون من المتقين حتى يدَعَ ما لا بأس به حذراً مما به بأس).

وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: (مرَّ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بتمرة مسقوطة فقال: لولا أن تكون صدقة لأكلتها)، فورع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حمله على تجنب أكل التمرة لاحتمال أنها من تمر الصدقة.

ومكث الإمام النووي رحمه الله تعالى مدَّة إقامته بالشام لا يأكل من ثمارها، لما قيل إن في بساتينها بستاناً ليتيم قد اغتصب.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه مسلم: (اجعلوا بينكم وبين الحرام سُترة من الحلال).

وأوضح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هذا المعنى في الحديث بالتمثيل بالحمى، والحمى: هي المكان المخصِب الذي يُحفظ لرعي الماشية، ويُعاقب من يرعى فيه بغير إذن صاحبه، فمثَّل الرسول صلوات الله عليه للعرب بما هو مشهور عندهم، فالخائف من العقوبة يبعد عن ذلك الحمى خشية أن يقع فيه، وغير الخائف يقترب من الحمى ويرعى من جوانبه فلا يملك أن تزلَّ به قدمه ويقع فيه.

وحمى الله تعالى محارمُه فلا يصحُّ أن يَقْترب الإنسان منها، والمحارمُ: هي المعاصي، فمن دخلها بالتلبُّس بشيء منها فقد استحقَّ العقوبةَ.

فمثَّل النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم المكلَّف بالراعي والنفس بالأنعام، والشبهات بالمراعي التي حول الحمى، وشبَّه المحارم بالحمى، وجعل فعل الشبهات مثل الراعي حول الحمى، ووجه الشبه حصول العقاب، فكما أنَّ الراعي إذا جرَّه رعيه حول الحمى إلى الوقوع فيه استحقَّ العقوبة، كذلك من أكثر من فعل الشبهات وعدم التحرز منها ولم يحتط لنفسه وقع في الحرام فاستحق العذاب. قال صلى الله عليه وآله وسلم: (دع ما يَريبك إلى ما لا يَريبك).

فالحديث يحثُّ على الورع والأخذ بالحيطة، وهي قاعدة جليلة في التشريع الإسلامي لها أثرٌ كبير في كثير من الأحكام.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه: (إعلام الموقِّعين): ( إذا حرَّم الربُّ تعالى شيئاً وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقاً لتحريمه وتثبيتاً له ومنعاً أن يقرب حماه، ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضاً للتحريم وإغراء للنفوس به.

وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك، فإنَّ أحدهم إذا منع جنده أو رعيَّته أو أهل بيته من شيء، ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه عُدَّ مُتناقضاً، وحصل من رعيته وجنده ضدَّ مقصوده.

وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يريدون إصلاحه، فما الظنُّ بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة، ومن مصادرها ومواردها علم أنَّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم سدَّ الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها).

والذريعة: ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء.

وإليك أمثلة على صِحَّة هذا النهج وتطبيق هذا المبدأ، مبدأ سد الذرائع:

قال تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام:108].

فحرَّم الله تعالى سبَّ آلهة المشركين مع كون السب غيظاً وحمية وإهانة لآلهتهم، لكونه ذريعة إلى سبهم الله تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبَّته تعالى أرجح من مصلحة سبِّنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سبباً في فعل ما لا يجوز.

قال تعالى: {وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ} [النور:31]، فمنعهنَّ من الضرب بالأرجل وإن كان جائزاً في نفسه لئلا يكون سبباً إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهنَّ.

إنَّه تعالى نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح لئلا يكون انتصارهم ذريعةً إلى وقوع ما هو أعظم مفسدة من مفسدة الإعفاء واحتمال الضيم، ومصلحةُ حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة بالمثل.

إنَّ النبي صلوات الله عليه كان يكفُّ عن قتل المنافقين مع كونه مصلحة؛ لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم إنَّ محمداً يقتل أصحابه، فإنَّ هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه ومن لم يدخل فيه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل.

إنَّه صلى الله عليه وآله وسلم حرَّم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن، والسفر بها ولو في الحج وزيارة الوالدين، سداً لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبة الطباع.

إنَّ الله تعالى أمر بغضِّ البصر وإن كان إنما يقع على محاسن الخِلْقَة والتفكُّر في صنع الله تعالى، سداً لذريعة الإرادة والشهوة المفضية إلى المحظور.

إنَّه نهى صلى الله عليه وآله وسلم المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيَّب أو تصيب بخوراً، وذلك لأنَّه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوفهم إليها؛ فإنَّ رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها.

فأمرها أن لا تتطيَّب، وأن تقف خلف الرجال، وأن لا تسبِّح في الصلاة إذا نابها شيء، بل تصفق بباطن كفها على ظهر الأخرى، كل ذلك سداً للذريعة، وحماية عن المفسدة.

وبعد، فهذه كلمة خالصة نوجهها إلى الغلاة في تقدير شأن المرأة ويريدون لها حقوق الرجل السياسية، فيدفعونها بذلك إلى مآزق ومحن ومفاسد وفتن، نقول لهم: (إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح) وهذه قاعدة جليلة يدفع بها كثير من البلاء، ويتقى بها سبل المضار.

فإذا كان في المرأة مزايا جديرة بأن تجعل من بعضهم من هي أهل لتلك المساواة السياسية، فإن في تجنيبها ذلك درأ لها، ونجاة لشر كثير يصلها ويجرحها، وفيه أيضاً محافظة على وظيفتها الأولى، وإجحاف بحقِّها الأسمى من بناء مجتمع مثالي، وتنشئة جيلٍ قَوي.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

المصدر: مجلة لواء الإسلام العدد الثامن من السنة السابعة 1373=1953

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا