الثلاثاء 26 جمادى الأولى 1441 - 21 يناير 2020

الومَضَاتْ في عَدَدِ وأوّلِ الغَزَواتْ (3)

الأربعاء 19 جمادى الأولى 1441 - 15 يناير 2020 65 بلال فيصل البحر
الومَضَاتْ في عَدَدِ وأوّلِ الغَزَواتْ (3)

 

فصل

وأما المسألة الثانية التي يتعلق بـها حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه فهي كما تقدم عدد الغزوات التي غزاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه، وقد تنازع الناس في ذلك على أقوال، ساقها مرتبة الكنكوهي في «لامع الدراري»[8/247]:

القول الأول: وهو ما أفاده منطوق حديث زيد أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم غزا تسع عشرة غزوة.

ووافقه على ذلك بريدة بن الحصيب رضي الله عنه كما رواه مسلم {12/196 نووي} عنه أنه قال: «غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسع عشرة غزوة قاتل في ثمان منهن».

وروي هذا القول عن مقسم مولى ابن عباس رضي الله عنهما ذكره عبد الرزاق {9660} لكن مع الشك: هل هي ثماني عشرة أو تسع عشرة.

وقاله قتادة فيما رواه عنه أحمد في (مسنده) حكاه الحافظ ابن كثير.

القول الثاني: وهو قول جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فإنه نص على أنـها إحدى وعشرون غزوة، على ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي {1239} من طريق أبي الزبير عن جابر قال: (غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إحدى وعشرين غزوة) وصححه الحافظ في «الفتح» {7/328}.

القول الثالث: وهو قول سعيد بن المسيب فيما رواه عبد الرزاق [5/9659] والفسوي في (المعرفة والتاريخ) {3/261} عن معمر عن الزهري قال: سمعت ابن المسيب يقول: «غزا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثماني عشرة غزوة» قال الزهري: وسمعته مرة أخرى يقول: «أربعة وعشرين غزوة» فلا أدري أكان وهماً منه أو شيئاً سمعه بعد ذلك.

قال الحافظ في (الفتح) {7/328} «إسناده صحيح».

وعليه يكون لابن المسيب في عدد الغزوات قولين.

القول الرابع: وهو قول مكحول، ذكره يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ في (تاريخه) {3/261} عن الهيثم بن حميد أخبرني النعمان عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غزا ثمانية عشر غزوة قاتل في ثمان غزوات..» ثم عدّهن. 

وإسناده صحيح، رجاله ثقات، وهو مسلسل بالشاميين، وهو قولٌ لابن المسيب، وشكَّ فيه مقسم كما تقدّم. 

القول الخامس: وهو قول محمد بن إسحاق وجماهير علماء السيرة والتاريخ والمغازي كابن جرير الطبري وموسى بن عقبة وخليفة بن خياط والواقدي وابن سعد وأبي معشر وغيرهم من علماء الأخبار والسير والمغازي، أن غزواته صلى الله عليه وآله وسلم سبع وعشرون غزوة.

واختاره الحافظ شرف الدين الدمياطي والعراقي وغيرهم من متأخري أصحاب الحديث، وبه جزم أبو الفرج بن الجوزي.

القول السادس: نقله الزرقاني في (شرح المواهب) {2/220} عن المحب الطبري أنه ذكر في كتابه «خلاصة السير» أن المشهور من غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنـها اثنتان وعشرون غزوة.

وهذا جملة ما وقفت عليه من الأقوال في هذه المسألة.

فأما القول الأول فلا يدل على أن غزواته صلى الله عليه وآله وسلم محصورة بـهذا العدد؛ لأن مراد زيد بن أرقم أن الغزوات التي غزاها هو مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم تسع عشرة، بدليل ما رواه أبو يعلى الموصلي {2242} عن أبي إسحاق سمعت زيد بن أرقم يقول «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضع عشرة غزوة».

والمراد بالبضع هنا تسع عشرة بقرينة رواية الصحيحين عنه، فإنـها مفسرة للبضع بأنه تسع عشرة، والروايات كما تقرر يفسر بعضها بعضاً، والبضع في اللغة من الثلاثة إلى التسعة كما هو معلوم.

وأما قول بريدة رضي الله عنه الموافق لقول زيد فلا يمكن تأويله وحمله على ما حمل عليه قول زيد بن أرقم لما رواه مسلم عنه أنه غزا ست عشرة غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم {12/197 نووي}.

ولكنه أيضا لا يدل على انحصار الغزوات بـهذا العدد، بدليل أن استقراء سيرته عليه السلام ينبئ أن غزواته أكثر من تسعة عشر على القطع، فلا بد من تأويل قول بريدة هذا على أن هذا هو ما بلغه، أو أنه أدخل بعضَ الغزوات في بعض إما لتقاربـها أو لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج إليها خروجاً واحداً، لا سيما أن بريدة تأخر إسلامه عن الغزوات الأُوَل.

ويدل عليه ما وقع عن مسلم {12/19 نووي} عن حديث جابر قال «غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع عشرة غزوة، لم أشهد بدراً ولا أحداً، منعني أبي، فلما قُتل عبدُ الله يوم أحد لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة قط».

قال النووي رحمه الله: «هذا صريح بأن غزوات النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم تكن منحصرة في تسع عشرة، بل زائدة، وإنما مراد زيد بن أرقم وبريدة بقولهما تسع عشرة أن منها تسع عشرة...».

وبنحوه يجاب عن قول ابن المسيب والمحب الطبري أنـهما إنما ذكرا المشهور من الغزوات، وقد صرّح بذلك المحب نفسه، فالتحقيق ما ذهب إليه ابن إسحاق ومن معه من جمهور أهل العلم بالمغازي والسير والأثر، فإنه رحمه الله تتبعها وعدها فوجدها تبلغ سبعاً وعشرين غزوة، وهكذا عدّها الواقدي وتبعه ابن سعد واختاره النووي وغيره.

وأما من عدها دون ذلك فيحمل قوله على أن هذا الذي ذكره هو مشهور الغزوات كما ألمع إليه الطبري، أو أنه ضم بعض الغزوات إلى بعض لتقاربـهن، أو أنه لا يعتد بـها غزوة لعدم وقوع قتال فيها، أو لكونه عد الغزوتين واحدة لخروجه صلى الله عليه وآله وسلم فيهما خروجاً واحداً، أو لغير ذلك من الاعتبارات والاحتمالات الواردة.

فهذا موسى بن عقبة لما عدّ الغزوات التي قاتل فيهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يذكر قريظة، وعلل ذلك الحافظ ابن حجر بقوله «وأهمل غزوة قريظة لأنه ضمها إلى الأحزاب لكونـها كانت في إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة الأحزاب، وكذا وقع لغيره عدّ الطائف وحنين واحدة لتقاربـهما». اهـ.

وكذا وقع لابن هشام عدّها ستاً وعشرين لأنه أهمل غزوة وادي القرى، لوقوعها متّصلة بخيبر، فكأنه عدّهما غزوة واحدة كما قاله السهيلي.

وقال الكنكوهي {8/247} «وقد اختلف في عدد الغزوات، ومنشأ الاختلاف اعتبارات الرواة، فكم من راو جعل السفرة الواحدة من المدينة غزوةً واحدة، وإن تضمنت غزوات، فعدّ على رأيه هذا غزوةَ الفتح وطائفاً وحُنيناً وأوطاس واحدة، ولا ضير فيه، وآخر نظر إلى وقوع محاربة ولو قليلاً، إلى غير ذلك من الاختلاف مع أن مفهوم العدد لا معتبر به عند الثقات». اهـ.

وقال الزرقاني في «شرح المواهب» {2/220} «ويمكن الجمع على نحو ما قال السهيلي بأن من عدّها دون سبع وعشرين، نظر إلى شدة قرب بعض الغزوات من غيرها، فجمع بين غزوتين وعدّهما واحدة». اهـ.

فالصحيح في عدد مغازيه صلى الله عليه وآله وسلم أنـها سبع وعشرون غزوة كما قاله أهل السير، وبه يُعلم غلطُ شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الذي صنفه في نقض كلام ابن المطهر الحلي {4/81} فإنه أطلق أن قول القائل إن النبي صلى الله عليه وسلم غزا سبعاً وعشرين غزوة ليس بصحيح، وحكى إجماع أهل العلم بالسير على أنـها أقلّ من هذا العدد.! 

كذا قال، وقد عرفت ما فيه، على أن له رحمه الله في هذا التصنيف أوهاماً متكاثرة، تتبعه عليها جمع من الحفاظ منهم أبو بكر بن المحب الصامت وابن عبد الهادي والحافظ ابن حجر وغيرهم، والعذر له رحمه الله أنه إنما صنَّفه من حفظه حال كونه في السجن. 

وقد نظم عددَ غزواته عليه السلام الحافظُ العراقيُّ في (ألفية السيرة) فقال:

سبعاً وعشرين اعددنّ الغزوا.............أوّلـُها ودّانُ وهي الأبوا

ثمّ بواط بعدُ فالعُشيرا...............فبدرٌ الأولى، فبدرُ الكبرى

فقينقاع، فالسّويق، غطفانْ..........وهي فذو إمر، فغزو بحِرانْ

فأحدٌ بعدُ، فحمراءُ الأسدْ.........ثمّ بنو النّضير، ثَمَّ في العددْ

ذاتُ الرّقاع، ثمّ بدرُ الموعدِ.......فدومةٌ، فالخندقُ اذكرْ واعدُدِ

قريظةٌ، لحيانُ، ثمّ ذو قردْ.........ثمّ المريسيعُ على القول الأسَدْ

ثمّ تليها عمرةُ الحديبيهْ..................فخيبرٌ، فعمرةُ القضيّهْ

ففتحُ مكّةَ، حنينٌ، وتلا..............غزاةُ طائفٍ، تبوكٌ قاتلا

منها بتسع: أحدٍ، والخندقِ.........بدرٍ، بني قريظةَ، المصطلقِ

خيبرَ والفتحِ، حُنينٍ، طائفِ...وقد حكوا عن قول بعض السّلفِ

بأنّه قاتلَ في النّضيرِ..........وغابةٍ، وادي القرى المشهورِ

آخره

والحمد لله رب العالمين 

الحلقة الثانية هــــنا

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا