الخميس 15 ربيع الثاني 1441 - 12 ديسمبر 2019

احتفل .. أو لا تحتفل ..

الأحد 12 ربيع الأول 1441 - 10 نوفمبر 2019 93 عبد المجيد البيانوني
احتفل .. أو لا تحتفل ..

جاءت مناسبة المَولد النبويّ الشريف ، وجاء معها الجدل البيزنطيّ المَعهود : احتفلوا .. لا تحتفلوا .. يجوز .. لا يجوز .. بدعة حسنة .. بدعة غير حسنة .. وأغلظ من هذا القول وأشدّ .. ويغرق العامّة ، ويغرق معهم بعض الخاصّة .. حتّى ينتهي شهر ربيع الأوّل ... ليعود بعضهم للبحث عن جدليّة أخرى يشغلون بها الأمّة شهراً من الزمن أو يزيد .. وهم يحسبون أنّهم يخدمون دينهم ، ويحسنون صنعاً .. وبعيداً عن هذه الجدليّة المُملّة ، التي يرتع بها كثير من العامّة ، ممّن ليسوا أهلاً للبحث في مسائل العلم ، وهي إن دلّت على شيء ؛ فمن دلالاتها أنّها مؤشّر على تخلّف علميّ وثقافيّ وحضاريّ مشين .. بعيداً عن هذه الجدليّة أقول : إنّ ميلاد النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو ميلاد الإنسان من جديد ، حيث كان الإنسان .. ميلاد الإنسان بعدما عمّت الجاهليّة الأرض من أدناها إلى أقصاها ، فانحط الإنسان عن رتبة التكريم الإلهيّ الذي أوّل ما يتجلّى في اتّصاله بوحي السماء ، وتحقّقه بالعبوديّة لله تعالى .. وقد كان ذلك متجلّياً في الديانتين السماويّتين : اليهوديّة والنصرانيّة ، ولكن عوادي التحريف والتبديل ، والتخريف ودسّ الأباطيل عدت عليهما بفعل أبنائهما ، قبل فعل الأعداء .. والنتيجة أنّ الضحيّة هو الإنسان .. الذي لم يعد يعرف ربّه ، وأصبح يخبط في متاهات من الجهل والظلم ، والانقياد للشيطان ، الذي أفسد عليه حياته في كلّ شأن ..

فكان ميلاد النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نقطة تحوّل كبرى في حياة الإنسانيّة كلّها ، فلم يكن خاصّاً بأمّة من أمم الأرض ، ولا ببقعة من بقاعها ، ولا بحدث تاريخيّ كسائر أحداث التاريخ .. إنّه فليس من حقّ الأمّة الإسلاميّة أن تحتفل بهذا النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحدها ، بل من واجب الإنسانيّة كلّها أن تعلن يوماً ، بل أسبوعاً ، بل شهراً بكامله ، لتحتفل ، ليس احتفالاً « فولكلوريّاً » كما هو شأنّها في بعض المناسبات .. بل احتفال علميّ حضاريّ ، تنصف فيه الإنسانيّة ذاتها ، وتقوّم خطواتها في أيّ اتّجاه تسير ، وما المَآل الذي إليه تصير .. تنصف ذاتها بعدما عقّت هذا النبيّ الكريم قروناً طويلة ؛ فافترت على شخصه الكريم ، ودينه القويم ، فجنت على نفسها قبل كلّ شيء ، وظلمت أمّة هذا النبيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذ وضعتها في خانة الظلم والعدوان ، والافتراء والبهتان ، والتسلّط ونهب الخيرات .. ولا ننكر أنّ الأمّة ظلمت نفسها قبل أن يتسلّط عليها عدوّها ، فكانت قابليّتها للظلم أسوأ من الظلم نفسه ..

ولعلّ بعض الناس قد يستنكر هذا الطلب ، أو يستغربه : أن تحتفل الإنسانيّة بهذا النبيّ الكريم ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ..!! فأقول لهؤلاء : أنا أتحدّث عن الإنسانيّة .. التي تحمل قيم التكريم الإلهيّ ، بالفطرة السويّة ، بالعقل وحرّيّة الإنسان ، بعيداً عن العصبيّة بأيّ شكل من أشكالها ، وصورها وألوانها .. الإنسانيّة التي تبحث عن سعادتها الحقّة ، وتأبى أن تكون مسلوبة الإرادة ، مشلولة التفكير ، تسير كالقطيع وراء حمار من الحمير .. أتحدّث عن الإنسانيّة .. التي تحترم عظماءها ، أيّاً كانوا ، وفي أيّ باب من أبواب العلم ، أو الفكر ، أو الفنّ ، وتحتفي بهم ، وتعرف قدرهم ، لأنّهم أضافوا إضافة نوعيّة للبشريّة ، وكان عطاؤهم للإنسان حيث كان .. أفليست الإنسانيّة بذلك مُقصّرةً في حقّ نفسها ، ومُقصّرةً بحقّ هذا النبيّ الكريم ، أعظم العظماء .. الذي كتب لها إنسانيّتها من جديد ، وكان إنساناً كريماً ، وكان نبيّاً رسولاً ، وكان حامل أعظم رسالة من السماء ، بكلّ ما تحمل من الحقائق والمعاني ، وكانت رسالته تغييراً نوعيّاً كبيراً في مسيرتها الإنسانيّة ومآلاتها .. فإن أبت الإنسانيّة إلاّ أن تتعامى عن أوجب واجباتها فليس لها إلاّ ما قال الأوّلون من مثل : « على نفسها جنت براقش » .. وعليها أن ترقب غاية هذه الجناية .. وما يوم القصاص عنها ببعيد ..

وأختم كلمتي برسالة لأولئك المُحتفلين .. وأخرى للذين لا يحتفلون :

فأمّا المُحتفلون فأقول لهم : احتفلوا بطريقة تليق بقدر نبيّكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فأحيوا رسالته في أنفسكم ، وأهليكم ومجتمعاتكم ، وجدّدوا خطابكم ، وأبدعوا في أسلوبكم ، ولا تصرّوا على أسلوب يخدّر المَشاعر ، ولا يوقظ الضمائر ، ويستدعي تراث الدهر ، ولا يلائم العصر .. ويقف بالعامّة عند عتبة العواطف ، ولا يرقى بهم في حقائق المَعارف .. وقدّموا رسالته للإنسانيّة التائهة بصورة حضاريّة ، تصحّح لهم الصورة المُشوّشة الظالمة ، وتجذبهم إلى رحاب هذا الدين العظيم ..

وأمّا الذين لا يريدون أن يحتفلوا : فشأنكم وما اخترتم لأنفسكم ألاّ تحتفلوا بطريقة الآخرين .. ولكنّ لبّ الأمر وجوهره ، في هذه القضيّة حقيقة مؤلمَة ، لا صورة صادمة :

هو ماذا قدّمتم لنصرة نبيّكم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وخدمة دينه ، والدفاع عن شريعته .؟! بما يليق بمقام هذا النبيّ الكريم ، ورسالته للعالمين .؟!

ثمّ ألا تميّزون من حيث الواقع العمليّ بين نوع من الاحتفال ونوع ، ممّا ترونه بأمّ أعينكم .؟! فما لكم تلقون عليها جميعاً وصفاً واحداً ، وحكماً واحداً ، ممّا يضعف موقفكم وحجّتكم ، ويخرج بكم عن نزاهة الحكم ، والمَوضوعيّة والعدل ..؟؟!

ثمّ ألم يأن لكم أن تتّسع صدوركم لتقبّل الاختلاف العلميّ في مسألة اختلف فيها العلماء منذ ظهورها ..؟! إنّها أسئلة ملحّة تبحث عن إجابة عصيّة حتّى اليوم .. ولا يعسر فيها تحرير موضع النزاع ، والوصول إلى كلمة سواء ..

وأخيراً : إنّ على كلا الطرفين أن يقدّروا حجم مسئوليّتهم ، وهم يتنازعون في مسألة ، يبدئون فيها ويعيدون ، وأعداء الأمّة يتسلّلون في وضح النهار إلى عقول أبنائهم وبناتهم ، وإلى قلوبهم وعواطفهم ، يزرعون فيها الشبهات والأباطيل ، ولا يجدون من يقف في وجههم إلاّ من رحم ربّك .؟!

وما بعد الأخير سؤال للعامّة والخاصّة : هل علاقتنا بالحبيب المُصطفى عاماً بعد عام تتوثق وتزداد ، أم أنّ هذا الجدل العقيم يعكّر صفاء قلوبنا ، ويزيدها جفافاً على جفاء .؟ إذا كانت الثانية فعلينا أن نكثر على أنفسنا البكاء ، ويا ويلنا يوم الحساب والجزاء ..

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا