الجمعة 24 ربيع الأول 1441 - 22 نوفمبر 2019

حدث في الرابع عشر من صفر وفاة القاضي بهاء الدين 

الثلاثاء 16 صفر 1441 - 15 أكتوبر 2019 183 محمد زاهد أبو غدة
حدث في الرابع عشر من صفر وفاة القاضي بهاء الدين 

في الرابع عشر من صفر من سنة 632 توفي في حلب، عن 93 عاماً، القاضي بهاء الدين أبو المحاسن ابن شداد، يوسف بن رافع بن تميم بن عتبة الأسدي الموصلي الشافعي، القاضي الكبير والمؤرخ اللّماح، والسفير القدير، ومستشار صلاح الدين وأولاده من بعده.

ترجم له تلميذه الوفي ابن خلكان ترجمة وافية في وفيات الأعيان، ومنها استقيت كثيرا مما أوردته هنا، وحياة هذا العلم الجليل وحياة شيوخه ترجمة عملية للوحدة التي أظلت بلاد الإسلام وأثمرت - فيما أثمرت - هؤلاء العلماء الأعلام رحمات الله عليهم.

ولد ابن شداد في الموصل سنة 539، وتوفي أبوه وهو صغير السن، فنشأ عند أخواله بني شدّاد، وشداد جده لأمه، فنسب إليهم.

وحفظ ابن شداد القرآن الكريم في صغره، ثم قدم الشيخ أبو بكر يحيى بن سعدون القرطبي إلى الموصل قرابة سنة 556 فلازمه 11 سنة، وقرأ عليه بالطرق السبع، وأتقن عليه فن القراءات، ورواية الحديث وشروحه، والتفسير، وغالب كتب الأدب وغيره، وكان كتاب شرح الغريب لأبي عبيد القاسم بن سلام آخرَ ما قرأه عليه في سنة 567 قبل وفاة الشيخ القرطبي رحمه الله تعالى.

وحياة أستاذه الشيخ القرطبي عنوان لوحدة ديار الإسلام فقد ولد في قرطبة سنة 486، وخرج من الأندلس في العشرينات من عمره يطلب العلم، فقدم ديار مصر، فسمع الحديث بالإسكندرية وبالقاهرة، ثم رحل إلى بغداد سنة 517 وقرأ على علمائها القرآن والنحو، ثم أقام بدمشق مدة، واستوطن الموصل ورحل عنها إلى أصبهان، ثم عاد إلى الموصل سنة 556، فأخذ عليه أهلها ومن قصدها حتى توفي بها سنة 567.

وسمع ابن شداد سنة 558 الحديث على الشيخ مجد الدين أبي الفضل عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي الخطيب بالموصل، وكان مشهوراً بالرواية يُقصد لها من الآفاق، وتوفي سنة 578 عن 91 عاماً.

وفي سنة 559 أخذ ابن شداد إجازة بكافة مروياته من الحافظ مجد الدين أبو محمد عبد الله بن محمد بن عبد الله بن علي الأشيري الصنهاجي، المتوفى ببعلبك 561.

ودرس ابن شداد سنة 566 في الموصل الحديث والتفسير والفقه على قاضي البصرة الشيخ أبي البركات عبد الله بن الخضر المعروف بابن الشيرجي، والمتوفى سنة 574، وكان رحمه الله عالماً زاهداً متقشفاً.

وفي سنة 567 أجازه القاضي فخر الدين أبو الرضا سعيد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، بسماعه عليه مسند الشافعي رضي الله عنه، ومسند أبي عوانة، ومسند أبي يعلى الموصلي، وسنن أبي داود، والجامع الصحيح للترمذي.

وسمع ابن شداد الحديث عن آخرين مثل شهدة الكاتبة في بغداد، وأبي المغيث في الحربية، والشيخ رضي الدين القزويني المدرس بالنظامية، وغيرهم.

ثم اشتغل بالخلاف - وهو ما نسميه اليوم الفقه المقارن - على الضياء ابن أبي حازم صاحب محمد بن يحيى الشهيد النيسابوري، ثم تمرن في الخلاف مع أمثال الفخر النوقاني، محمد بن محمد بن أبي علي، المتوفى سنة 592 عن 76 عاماً، وكان بارعاً في الفقه والمنطق.

وبعد أن بلغ ابن شداد الأهلية من العلم، انحدر من الموصل إلى بغداد ونزل بالمدرسة النظامية وترتب فيها معيدا بعد وصوله إليها بقليل، وأقام معيدا نحو أربع سنين، ثم عاد إلى الموصل في سنة 569 فعين مدرسا في المدرسة التي أنشأها القاضي كمال الدين أبو الفضل محمد بن الشهرزوري وانكب على التدريس، وانتفع به جماعة من طلبة العلم، وكان في هذه الأثناء تحت رعاية ابن مؤسس المدرسة القاضي محيي الدين أبو حامد محمد بن كمال الدين محمد الشهرزورى، الذي كان صاحب الموصل عز الدين مسعود بن قطب الدين مودود بن زنكي يعتمد عليه في جميع الأمور، وأرسله مراراً رسولا إلى الخليفة في بغداد، وتمرس على يده ابن شداد بمهام السفارات فقد ذكر في كتابه ملجأ الحكام عند التباس الأحكام أنه كان في خدمة القاضي محيي الدين عند توجهه إلى بغداد في إحدى السفارات.

وكان أول لقاء لبهاء الدين ابن شداد بالسلطان صلاح الدين الأيوبي في سنة 579، ففي السنة السابقة قام صلاح الدين بمحاصرة الموصل رغبة في ضمها إلى مملكته، فقاومه ملكها عز الدين مسعود بن مودود بن عماد الدين زنكي، وانصرف عنها صلاح الدين، ثم أرسل الخليفة العباسي الناصر لدين الله بعثة للإصلاح بين السلطان صلاح الدين وبين عز الدين صاحب الموصل، وتكونت البعثة من شيخ الشيوخ صدر الدين عبد الرحيم بن إسماعيل وخادم الخليفة الخاص شهاب الدين بشير ومعهما القاضي محيي الدين أبو حامد محمد بن كمال الدين محمد الشهرزورى، الذي كان قاضي حلب ثم تولى قضاء الموصل، ومعهم بهاء الدين ابن شداد، فأقاموا مدة دون أن ينجحوا في التوصل لاتفاق.

وفي سنة 581 عاد صلاح الدين فحاصر الموصل، فأقام عليها مدة وكان الحر شديداً، فمرض مرضاً شديداً أشفى منه على الموت، فرحل إلى حرّان، ولما علم عز الدين مسعود بمرض السلطان وأنه رقيق القلب، انتهز الفرصة وأرسل القاضي ابن شداد إلى حران برسالة يلتمس فيها الصلح، فأجابه صلاح الدين إلى ذلك، وحلف له وقد تماثل للصحة، ولم يتغير عن تلك اليمين إلى أن مات رحمه الله تعالى.

وفي سنة 583 حجَّ ابن شداد وبعد الحج والزيارة رجع إلى دمشق لينطلق منها إلى زيارة بيت المقدس ومسجد إبراهيم الخليل، وفي طريقه مر على السلطان صلاح الدين الأيوبي وهو يحاصر قلعة كوكب، وكانت قلعة حصينة في هضبة الجولان ثم هدمها صلاح الدين، فسمع صلاح الدين بوصوله فاستدعاه إليه، وقابله بالإكرام التام، وسأله أن يسمع عليه جزءاً من الحديث، فأخرج له جزءا جمع فيه أذكار البخاري، وقرأه عليه بنفسه، فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب الأصفهاني وقال له: السلطان يقول لك: إذا عدت من زيارة المسجد الأقصى، وعزمت على العود تعرفنا بذلك، فلنا إليك مهم - أي تكليف - فأجابه بالسمع والطاعة.

فلما عاد عرّفه بوصوله فاستدعاه، وجمع له ابن شداد في تلك المدة كتابا يشتمل على فضائل الجهاد وما أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين، يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة، وكان صلاح الدين آنذاك يحاصر قلعة الحصن، فقدم له الكتاب الذي جمعه، وأخبره بعزمه على الانقطاع والتفرغ للعلم والعبادة في مشهد بظاهر الموصل إذا وصل إليها.

ثم إن صلاح الدين ولاه في سنة 584 قضاء العسكر والحكم بالقدس الشريف، واستصحبه معه في بعض غزواته، فدون وقائعه وكثيرا من أخباره في كتاب أسماه النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، يشير إليه المؤرخون بتاريخ ابن شداد، وهو فيه شاهد عيان لكثير من الجوانب الشخصية في حياة صلاح الدين تعامله مع الأحداث التي مرت عليهن وقد اهتم به المؤرخون الغربيون فترجموه إلى الإنجليزية.

وفي سنة 585 وصلت الأخبار إلى صلاح الدين أن حملة صليبية جديدة يتزعمها ملك الألمان فريدريك الأول قد وصلت إلى قسطنطينية في ثلاثمئة ألف مقاتل متجهة إلى بلاد الإسلام، فاستنفر صلاح الدين الجيوش والعساكر من كل جهة، وأرسل القاضي بهاء الدين ابن شداد - وهو ابن تلك الديار - إلى الخليفة الناصر لدين الله في بغداد وإلى أمراء العراق في سنجار والموصل وإربل يستدعيهم بأنفسهم وعساكرهم، فمكث ابن شداد في تلك المناطق مدة ستة أشهر مندوباً عن صلاح الدين، وأدى المهمة بنجاح، ووصل أمراء سنجار والموصل على رأس جيوشهم في ربيع الأول لعام 586، وساهم الخليفة بإمداد صلاح الدين بحِمْل من النفط الطيار وحِملين من القَنا، وتوقيع بعشرين ألف دينار يقبض على الديوان العزيز من التجار، وخمسة من الزّراقين المتخصصين في إشعال النفط في الأبراج.

وكانت حول صلاح الدين ثلةٌ من العلماء يستشيرها فيما يعرض له من أمور الدين والدنيا والسياسة، وكان القاضي ابن شداد من أقربهم إليه، وروى لنا القصة التالية التي تبين تقوى السلطان ومستشاره، ففي سنة 588 همّ الإفرنج بمهاجمة القدس لاسترجاعها من المسلمين وسار الملك جودفري إلى صور وطرابلس وعكا يستنفر الناس، فقرر صلاح الدين الأيوبي البقاء في القدس والدفاع عنها، وهيأ القدس وحصنها للحصار، وأفسد المياه التي بظاهر القدس كلها، وجمع الأمراء للمشورة.

قال القاضي بهاء الدّين بن شداد: فأمرني أن أحثهم على الجهاد، فذكرتُ ما يسر الله تعالى، وقلت إن النبي صلى الله عليه وسلم لما اشتد به الأمر بايع الصحابة على الموت، ونحن أول من تأسى به، نجتمع عند الصخرة، ونتحالف على الموت.

فوافقوا على ذلك وسكت السلطان طويلاً والناس كأن على رؤوسهم الطير، ثمّ قال: الحمد لله والصلاة على رسول الله، واعلموا أنكم جند الإسلام اليوم ومنعته، وأنتم تعلمون أن دماء المسلمين وأموالهم وذراريهم متعلقة في ذمتكم، وإن هذا العدو ليس له من يلقه غيركم، فلو لويتم أعنتكم، والعياذ بالله، طوى البلاد، وكان هذا من ذمتكم، فإنكم أنتم الذين تصديتم لهذا، وأكلتم بيت مال المسلمين لحفظ حوزتهم.

فأجابه الأمير سيف الدّين المشطوب، وكان من شجعان الأمراء، وقال: نحن مماليكك وعبيدك، وأنت الذي أنعمت علينا وعظمتنا، وليس لنا إلاّ رقابنا، وهي بين يديك؛ والله ما يرجع أحد منا عن نصرتك إلى أن نموت. وقال الجماعة مثل ما قال، فانبسطت نفس السّلطان وأطعمهم، ثمّ انصرفوا.

فلما كان عشاء الآخرة جمعنا في خدمته على العادة وسمرنا وهو غير منبسط، ثمّ صلينا العشاء وأخذنا في الإنصراف فاستدعاني وقال: أعلمت ما تجدد؟ قلت: لا. قال: إن الأمير أبا الهيجاء السمين تقدم إليَّ اليوم وقال: اجتمع اليوم عنده الأمراء، وأنكروا موافقتنا على الحصار، وقالوا لا مصلحة في ذلك، فإنَّا نُحصر ويجري علينا ما جرى على أهل عكا، وعند ذلك تؤخذ بلاد الإسلام أجمع. والرأي أن نواجههم في المصاف، فإن هزمناهم ملكنا بقية بلادهم، وإن تكن الأخرى سلم العسكر وذهب القدس، وقد حفظت بلاد الإسلام وعساكرها مدة بغير القدس. وكان مما قالوه في الرسالة: إنك إن أردتنا أن نقيم بالقدس فتكون أنت معنا أو بعض أهلك، فالأكراد لا يدينون للأتراك، ولا الأتراك يدينون للأكراد.

قال ابن شداد: وكان السّلطان رحمه الله عنده من القدس أمر عظيم لا تحمله الجبال، فشقت عليه الرسالة، وكان رحمه الهل يحدِّث نفسه بالمقام، ثمّ امتنع من ذلك لما فيه من خطر للإسلام، واستقر رأيه أن يضم من أهله الملك الأمجد صاحب بعلبك، وقمت تلك الليلة في خدمته إلى الصباح، وهي من الليالي التي أحياها في سبيل الله، فلما صلينا الصبح قلت له: ينبغي أن ترجع إلى الله تعالى وهذا يوم جمعة، وفيه دعوة مُستجابة، ونحن في أبرك موضع. فالسّلطان يغتسل غسل الجمعة ويتصدق بشيء سراً، وتصلي بين الأذان والإقامة ركعتين تناجي فيهما ربك وتفوض مقاليد أمورك إليه، وتعترف بعجزك عما تصديت له، فلعله يرحمك ويستجيب لك.

قال ابن شداد: وكان رحمه الله حسن الاعتقاد، تام الإيمان، يتلقى الأمور الشرعية بأحسن انقياد،فلما كان وقت الجمعة صليت إلى جانبه في الأقصى، وصلى ركعتين، ورأيته ساجداً ودموعه تتقاطر، فلما كان العشي وصلت رقعة من عز الدّين جرديك، وكان في اليزك - أي الاستطلاع - يقول فيها: إن القوم قد ركبوا بأسرهم، ووقفوا في البر على ظهر، ثمّ عادوا إلى خيامهم، وقد سيرنا جواسيس تكشف أخبارهم.

ويكمل ابن شداد أن الإفرنج ما لبثوا أن اختلفوا ثم انسحبوا في اليوم التالي، فسُرَّ بذلك السلطان صلاح الدين والمسلمون، وكفى الله المؤمنين القتال.

وكان صلاح الدين يبث شجونه للقاضي بهاء الدّين بن شداد، فقد روى رحمه الله: قال لي السّلطان في بعض محاوراته في الصلح: أخاف أن أصالح، وما أدري أي شيء يكون مني - يعني في طول العمر - فيقوى هذا العدو، وقد بقيت لهم بلادٌ فيخرجون لاستعادة ما في أيدي المسلمين، وترى كل واحد من هؤلاء: يعني أخاه وأولاده وأولاد أخيه، قد قعد في رأس قلعته، وقال لا أنزل. ويهلك المسلمون. ثم عقّب ابن شداد: فكان والله كما قال. توفي عن قريبٍ، واشتغل كل واحدٍ من أهل بيته بناحية، ووقع الخُلف بينهم.

ولما توفي صلاح الدين سنة 589 كان ابن شداد حاضرا في دمشق، وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الإخوة أولاد صلاح الدين، وتحليف بعضهم لبعض أن يحترموا قسمة أبيهم للبلاد بينهم ولا يعتدي أحد منهم على الآخر، وأرسل الملك الظاهر غياث الدين بن صلاح الدين صاحب حلب كتاباً إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين صاحب دمشق، يطلب منه إرسال ابن شداد إليه، فأجابه إلى ذلك، فأرسله الملك الظاهر من حلب إلى مصر في مهمة لاستحلاف أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح الدين، وعرض الظاهر على ابن شداد أن يوليه القضاء بحلب فلم يوافق.

وعاد ابن شداد إلى حلب من مهمته في مصر سنة 591، وكان منصب القاضي بحلب قد شغر لأن الملك الظاهر عزل قاضيها زين الدين أبا البيان نبا ابن البانياسي، ففاتح ابن شداد في تولي المنصب فقبل، فولاه قضاءها وأوقافها، وأصبح من المقربين إليه في الوزارة والمشاورة.

وكانت أولى مهام ابن شداد الدبلوماسية مع الملك الظاهر هي الإصلاح سنة 593 بينه وبين أخيه الملك العزيز في مصر، فقد أرسله الملك الظاهر إلى القاهرة مع غرس الدين قليج، ونجحت المهمة وانعقد الصلح بين الأخوين على أن تقام الخطبة للعزيز بحلب، وتضرب السكة باسمه.

وفي سنة 608 سافر ابن شداد من حلب إلى القاهرة يخطب صفية خاتون ابنة العادل شقيقة الكامل، لابن عمها الظاهر، فأجيب إلى ذلك، وعاد مكرّما، وزال ما كان بين الأخوين من الإحن، وكان المهر خمسين ألف دينار.

وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس، وليس بها من العلماء إلا نفر يسير، فاعتنى ابن شداد بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها، وعمرت في أيامه المدارس الكثيرة. وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعا جيدا يحصل منه جملة مستكثرة، ولم يكن له مصروف كثير، فإنه لم يولد له ولا كان له أقارب، فتوفر له شيء كثير، فعمر في سنة 601 مدرسة بالقرب من باب العراق، عرفت بالمدرسة الصاحبية، وكانت قبالة مدرسة الشافعية التي بناها نور الدين محمود بن زنكي رحمه الله تعالى، ثم عمر في جوارها داراً للحديث النبوي، ووقف عليهما أوقافاً منها كفر سلوان في أعزاز، وجعل ابن شداد بين المدرستين تربة ليدفن فيها، ولها بابان: باب إلى المدرسة وباب إلى دار الحديث، وشباكان إلى الجهتين، وهما متقابلان بحيث إن الذي يقف في أحد المكانين يرى من يكون في المكان الآخر. قال ابن الوردي في تاريخه: قال بعض الناس: هذه تربة بين روضتين. ورجا أن تشمله بركة العلم مَيتا كما شملته حيا وأن يكون في قبره من سماع الحديث والفقه بين الرّيّ والريا.

رُبمَا أنعش المحب عيان ... من بعيد أو زورة من خيال

أو حديث وإن أريد سواه ... فسماع الحديث نوع وصال

قال الأستاذ الشيخ محمد راغب الطباخ رحمه الله في إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء، في تحديد موضع المدرسة ودار الحديث: موضعهما بين محلة السفاحية ومحلة ساحة بزة... وقد دثرتا، ولم يبق منهما سوى حجرة كبيرة بنيت منذ عهد قريب في جدار قصير في داخله آثار قبور، ولعل بينهما قبر الواقف رحمه الله، ثم نقل الأستاذ كتابة قديمة على الحجرة: هذه دار حديث أنشأها لقراءة الحديث وإقرائه وحفظه وسماعه وإسماعه وتلقين القرآن العظيم وإقامة الصلوات الخمس... ثم نقل الأستاذ ما يبين أن المدرسة ودار الحديث كانتا عامرتين في القرن العاشر، ثم قال: ولعلمها خربتا في الزلزلة التي حصلت سنة 1237، والله أعلم.

وتتابع إنشاء المدارس في حلب فأنشأ الأمير سيف الدين عليّ بن عَلَم الدين سليمان بن جندر المدرسة السَيْفية، وانتهى بناؤها سنة 617، ويدرّس فيها مذهبا الشافعي وأبي حنيفة، وأوّل من درّس بها مذهب الإمام الشافعي القاضي بهاء الدين ابن شدّاد ولم يزل بها مدرّساً قريباً من سنة، ثم استقلّ بها بعده نائبه بها القاضي زين الدين أبو محمد عبد الله بن الشيخ الحافظ عبد الرحمن الأسدي.

وأنشأ السلطان الملك الظاهر غياث الدين غازي بن يوسف بن أيّوب صاحب حلب المدرسة الظاهرية بظاهر حلب، وانتهت عمارتها في 610، وفوّض النظر في المدرسة إلى القاضي بهاء الدين ابن شدّاد وشرف الدين أبي طالب بن العجميّ وشرط أن يكون مشاركاً للقاضي بهاء الدين مدّة حياته وأن يستقلّ بها بعد وفاته ثمّ لعقبه.

ولما صارت هذه المدارس وغيرها بحلب قصدها الفقهاء من البلاد وحصل بها الاشتغال والاستفادة، وكثر الجمع بها، حتى قال عنها ابن خلكان وقد أتى إليها ودرس فيها على يد القاضي ابن شداد: وهي إذ ذاك أم البلاد مشحونة بالعلماء والمشتغلين من طلبة العلم... وكان للفقهاء في أيامه حرمة تامة ورعاية كبيرة خصوصا جماعة مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون في شهر رمضان على سماطه.

ولابن شداد تلاميذ كثر لا يكادون يحصون، فقد بارك الله في وقته وفسح له في أجله، وتواردت عليه طلبة العلم في بلديه الأول والثاني: الموصل وحلب، قال السبكي في طبقات الشافعية: وصار ابن شداد يكثر الإفضال على طلبة العلم، والطلبة تقصده من البلاد لثلاث اجتمعن فيه؛ العلم والمال والجاه، وهو لا يبخل بشيء منها.

وكان ابن شداد رحمه الله بعلم الطلبة بسلوكه إلى جانب تدريسهم العلوم، وقد أورد أبو الحسن علي بن عبد الرحمن بن هذيل في كتابه عين الأدب والسياسة قصة جرت مع كمال الدين ابن العديم تبين ذلك، فقد مرض القاضي ابن شداد فمشى لعيادته في جماعة من الشبان المبتدئين في القراءة والظهور، قال ابن العديم: فعندما دخلنا عليه قام لنا، جعلنا نحلف أن لا يفعل، فقال: يا سبحان الله، تتفكرون في مرضي، وتتعنون من أماكنكم إلى منزلي، ثم أبخل عليكم بقومة؟ هذا والله غير طريق المروءة! ثم قال: يا أولادي، لقد دخلت على كبير وأنا في سنكم فلم يحتفل بي، فإلى الآن ما أذكر ذلكم إلا أسأت ذكره. ثم قال ابن شداد: وكنت أتردد إلى مجلس كمال الدين بن يغمور وهو نائب السلطنة بالشام، وكان يقوم لي كلما دخلت عليه، فدخلت يوماً فإذا به مضطجع فلم يقم، وأخذ فيما كان يأخذ فيه، فلما دخلت عليه في اليوم الثاني قام ثم جلس، ثم قام ثم جلس، وقال: هذه الأخيرة قومةُ أمس، كانت عليّ ديناً لعذر تتفضل بقبوله دون مطالبة بذكره. قال ابن العديم: فتعجبت من فضله، وقلت ما سار لهذا الرجل ما سار في الآفاق من باطل.

ومن تلاميذ ابن شداد الإمام العلامة الفقيه المهندس المعمار، الصاحب محيي الدين ابن النحاس، محمد بن يعقوب بن إبراهيم الأسدي الحلبي الحنفي المتوفى في دمشق سنة 695.

ومنهم القاضي ضياء الدين أبو البركات محمّد بن المنصور بن القاسم الشَهْرَزُوريّ الموصليّ تفقّه بالموصل على القاضي بهاء الدين بن شدّاد، ثم أتى إلى حلب وتولّى نيابة الحكم بها عن القاضي بهاء الدين بن شدّاد، ودرّس في المدرية النورية ولم يزل مدرّساً بها إلى أن تُوّفي في سنة 601.

ومنهم العلامة شمس الدين محمد أبو عبد الله بن مَعْن ابن سلطان الشيباني الدمشقي تفقه بحلب على ابن شداد، وسمع وحدث ودرس بالظاهرية البرانية بدمشق، وتوفي سنة 604.

وروى تلميذه ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان قصة قدومه هو من الموصل إلى حلب سنة 626، وهو في الثامنة عشرة لطلب العلم فقال:

وكان بين والدي، رحمه الله تعالى، وبين القاضي أبي المحاسن ابن شداد مؤانسة كثيرة وصحبة صحيحة المودة من زمن الاشتغال بالموصل، فجئت إليه، وكان أخي قد سبقني بمدة قليلة، وكتب سلطان بلدنا الملك المعظم مظفر الدين أبو سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، رحمه الله تعالى كتابا بليغا في حقنا يقول فيه: أنت تعلم ما يلزم من أمر هذين الولدين، وأنهما ولدا أخي وولدا أخيك، ولا حاجة مع هذا إلى تأكيد وصية، وأطال القول في ذلك.

فتفضل القاضي أبو المحاسن وتلقانا بالقبول والإكرام وأحسن حسب الإمكان وعمل ما يليق بمثله، وأنزلنا في مدرسته ورتب لنا أعلى الوظائف، وألحقنا بالكبار، مع الشبيبة في السن والابتداء في الاشتغال، ولم نزل عنده إلى أن توفي، ولم يكن بمدرسته في ذلك الزمان درس عام، لأنه كان المدرس بنفسه، وكان قد طعن في السن وضعف عن الحركة وحفظ الدروس وإلقائها، فرتب أربعة من الفقهاء الفضلاء برسم الإعادة، والجماعة يشتغلون عليهم.

وكنت أنا وأخي نقرأ على الشيخ جمال الدين أبي بكر الماهاني، لأنه كان من بلدنا، ورفيق والدنا في أيام الدراسة، فمات في سنة 627، وقد نيف على 80 سنة، فترددت إلى الشيخ نجم الدين أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن علي المعروف بابن الخباز الموصلي الفقيه الإمام، وهو إذ ذاك مدرس المدرسة السيفية، فقرأت عليه من أول كتاب الوجيز للغزالي إلى الإقرار.

ومع هذا التواضع والاهتمام بطلبة العلم، كان القاضي ابن شداد يراعي الأبهة اللازمة لمنصبه ومكانته، قال تلميذه ابن خلكان: سلك طريق البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم، وحتى إنه كان يلبس ملبوسهم، والرؤساء الذين يترددون إليه كانوا ينزلون عن دوابهم على قدر أقدارهم، لكل واحد منهم مكان معين لا يتعداه!

وكان بين ابن شداد وبين بعض شعراء عصره وأدبائه مداعبات لطيفة، ومن ذلك ما جرى بينه وبين الشاعر نظام الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف بن مسعود القيسي القرطبي، المعروف بابن خروف، والمتوفى بحلب سنة 604. كتب ابن خروف رسالة إلى ابن شداد في أولها أبيات يستجديه فروة:

بهاءَ الدين والدنيا ... ونورَ المجد والحسب

طلبتُ مخافةَ الأنواء من نُعماك جلدَ أبي

وفضلُك عالمٌ أني ... خروفٌ بارع الأدب

حلبتُ الدهر أشطُرَه ... وفي حلب صفا حَلبي

وفي سنة 613 مرض الملك الظاهر مرضاً أشفى معه على الموت، وأوصى بالملك لابنه الصغير وقسم أهم المناصب بين أهل ثقته وجعل شمس الدين ابن أبي يعلى الموصلي وزيراً كما كان، ولا يخرج أحد عن أمره، وكان القاضي بهاء الدين ابن شدّاد مسافراً بمهمة إلى الملك العادل بمصر، فقدِم بعد ثلاثٍ، وكان الوزير مريضاً، فحلّ جميع ذلك بالتدريج والخِفْية، فلما عُوفيَ الملك الظاهر وجد الأمور مختلفة، وبرزت مهارات القاضي ابن شداد في الحكم والإدارة مع نظافة اليد والإنصاف والعدل.

ثم لبث الملك الظاهر بعدها أشهراً وتوفي عن 44 عاماً، وكان ابن شداد آنذاك في القاهرة مرسلاً من الملك الظاهر إلى أخيه الملك العادل، والطريف أن الملك العادل عندما سمع بمرض الملك الظاهر رتب بريداً من حلب إلى مصر يطالعه بخبره، فأتاه نعيه قبل كل أحد، فأحضر الملك العادل القاضي ابن شداد، وقال له: ياقاضي! صاحبك قد مات في ساعة كذا من يوم كذا. فعاد ابن شداد إلى حلب.

ونُصِّب في السلطنة ابنه محمد البالغ سنتين من العمر، بعهد من أبيه، وسمي بالملك العزيز وهو ابن ضيفة خاتون بنت الملك العادل ابن صلاح الدين، وكان السلطان في حِجْر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل، وهو أتابكه - أي مربيه - ومتولي تدبير الدولة بإشارة القاضي ابن شداد لا يخرج عنهما شيء من الأمور، وبيد القاضي حل الأمور وعقدها، لم يكن لأحد معه في الدولة كلام.

وبقي القاضي ابن شداد على هذه الحال 15 عاماً إلى سنة 629، فقد سافر في أولها إلى مصر لإحضار ابنة الملك الكامل ابن الملك العادل التي زُوِجت للملك العزيز صاحب حلب، ولما عاد بها في شهر رمضان من السنة، وجد الأمور قد تغيرت تغيراً كبيراً في غيابه، فقد بلغ الملك العزيز سن الرُشد ورفعت عنه الوصاية، ونزل الأتابك طغرل من القلعة إلى داره، وأصبح الملك يمارس صلاحياته، ولكن الملك الشاب جمع حوله مجموعة من الشباب الذين كانوا يعاشرونه ويجالسونه، فانصرف إليهم وأقبل عليهم.

ولم ير القاضي وهو في التسعين من عمره في هذه البطانة من الشباب الأغرار وجها يرتضيه، ولم يعد الملك الشاب يستشيره في الأمور، وما عاد للقاضي حديث في الدولة، فلازم داره إلى حين وفاته، وهو باق على الحكم وإقطاعه جار عليه، وصار يفتح بابه لإسماع الحديث كل يوم بين الصلاتين، يتردد إليه طلبة العلم، وأدركه الهرم وأثر فيه حتى صار كفرخ الطائر من الضعف، لا يقدر على الحركة للصلاة وغيرها إلا بمشقة عظيمة؛ وكانت يشكو دائماً من البرد، ويجلس في بيته في قبة مغلقة في الصيف والشتاء، وفي الشتاء يكون عنده منقل كبير عليه من الفحم والنار شيء كثير، ومع هذا كله فلا يزال مزكوما وعليه الفرو والثياب الكثيرة، وتحته الطراحة الوثيرة فوق البسط ذوات الخمائل الثخينة، والطلبة في حر وكرب، وهو لا يشعر به لكثرة استيلاء البرودة عليه من الضعف، وكان لا يخرج لصلاة الجمعة إلا في شدة القيظ، وإذا قام إلى الصلاة بعد الجهد يكاد يسقط.

وظهر عليه الخرف قبل وفاته بمديدة بحيث إنه صار إذا جاءه الإنسان لا يعرفه، وإذا عاد قام يسأل عنه ولا يعرفه، ثم مرض أياما قلائل وتوفي في الرابع عشر من صفر سنة632، ودفن في تربته التي أعدها، رحمه الله تعالى، وجعل داره خانقاه للصوفية، وجعل في وصيته عند كل شباك سبعة قراء يقرأ كل منهم نصف سُبع بعد صلاة العشاء، بغرض أن يقرأوا عند قبره ختمة تامة كل ليلة.

لابن شداد رحمه الله مؤلفات في التاريخ والقضاء والحديث، أهمها كتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية، في سيرة السلطان صلاح الدين الأيوبي، وكتاب دلائل الأحكام، في فقه الحديث تكلم فيه على الأحاديث المستنبط منها الأحكام، وكتاب ملجأ الحكام عند التباس الأحكام، في القضاء، وفضل الجهاد، وكتاب الموجز الباهر، في فروع الفقه الشافعي، وكتاب العصا، وكتاب أسماء الرجال الذين في المهذب لأبي إسحاق الشيرازي، في الرجال.

كان ابن شداد رحمه الله جامعاً للمحاسن، فهو إمام تقي فقيه قاض خطيب سفير، وكان إلى ذلك كله حسن المحاضرة، جميل المذاكرة، يغلب عليه الأدب والشعر، وكان كثيرا ما ينشد في مجالسه:

إن السلامة من ليلى وجارتها ... أن لا تمر على حال بناديها

وكان يتمثل أيضا كثيرا بقول صردر الشاعر:

وعهودهم بالرمل قد نُقِضتْ ... وكذاك ما يٌبنى على الرملِ

فأنشده في بعض الأيام، فقال له بعض أصحابنا الحاضرين: يا مولانا قد استعمل ابن المعلم العراقي هذا المعنى استعمالا مليحا. فقال: ابن المعلم هو أبو الغنائم؟ فقال: نعم، فقال: صاحبَنا كان، كيف قال؟ فأنشده:

نقضوا العهود، وحقُّ ما يبنى على ... رمل اللِوى بيد الهوى أن يُنقضا

فقال: ما أقصر، ولقد تلطف في قوله "بيد الهوى"، فقال له: يا مولانا وقد استعمله في قصيدة أخرى، فقال: هات، فأنشده:

ولم يُبْنَ على الرمل ... فكيف انتقضَ العهدُ؟!

فاستحسنه. وابن المعلم هو محمد بن علي بن فارس الواسطي شاعر رقيق توفي سنة 592 عن 91 عاماً.

وكان ابن شداد كثيرا ما ينشد أبيات أبي الفوارس سعد بن محمد المعروف بحيص بيص، وكان يقول إنه سمعها منه ويرويها عنه:

لا تضع من عظيمِ قدرٍ وإن كنت مشارا إليه بالتعظيم

فالشريف الكريم ينقص قدراً ... بالتعدي على الشريف الكريم

وكان ابن شداد رحمه الله تعالى كلما نظر إلى نفسه على تلك الحال من الضعف والعجز عن القيام والقعود والصلاة وسائر الحركات، ينشد بيتي أبي إسحاق إبراهيم بن نصر بن عسكر الموصلي:

من يَتَمَنَّ العُمر فليدَّرِع ... صبراً على فقد أحبائهِ

ومن يُعمّرْ يَسْرِ في نفسه ... ما يتمناه لأعدائه

وجاء إلى حلب في آخر حياة ابن شداد أديب أندلسي فاضل ومؤرخ كبير هو أبو الحجاج البياسي يوسف بن محمدبن إبراهيم الأنصاري البياسي، المولود ببياسة سنة 573 والمتوفى بتونس سنة 653، وكان في أول رحلته من الأندلس، وكان فاضلا في الأدب والحكمة، فزار ابن شداد فلما رآه على تلك الهيئة من الـهُزال والنحافة أنشده:

لو يعلم الناسُ ما في أنْ تعيشَ لهم ... بكوا لأنك من ثوب الصِبا عاري

ولو أطاقوا انتقاصا من حياتهم ... لما فدوك بشيء غير أعمار

فأعجبه ذلك ودمعت عيناه وشكر له.

رحمهما الله رحمة واسعة.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا