الخميس 24 ربيع الأول 1441 - 21 نوفمبر 2019

فقه السيرة (61) غــزوة حنين والطـــائف (8هـ)

السبت 13 صفر 1441 - 12 أكتوبر 2019 172 عمر جبه جي
فقه السيرة (61) غــزوة حنين والطـــائف (8هـ)

أسباب الغزوة . 

لما فتح الله مكة على رسوله والمؤمنين، وخضعت له قريش ، خافت هوازن وثقيف وقالوا: قد فرغ محمد لقتالنا، فلنغزه قبل أن يغزونا، وأجمعوا أمرهم على هذا، وولوا عليهم مالك بن عوف النصري، فاجتمع إليه هوازن، وثقيف وبنو هلال ولم يحضرها من هوازن كعب وكلاب ، وكان معهم دريد بن الصمة، وكان معروفًا بشدة البأس في الحرب وأصالة الرأي، إلا أنه كان كبيرًا فلم يكن له إلا الرأي والمشورة. 

وكان رأي مالك بن عوف أن يخرجوا وراءهم النساء والذراري والأموال حتى لا يفروا، فلما علم بذلك دريد سأله: لم ذلك؟ فقال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم، فقال دريد: راعي ضأن والله، وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ولكنه لم يستمع لمشورته. 

أهم أحداث غزوة حنين . 

تحرك المسلمون باتجاه حنين في اليوم الخامس من شوال ووصلوا حنين في مساء العاشر من شوال وقد استخلف الرسول صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد على مكة عند خروجه، وكان عدد جيش المسلمين اثني عشر ألفا من المسلمين ، أما عدد هوازن وثقيف فكانوا ضعف عدد المسلمين أو أكثر، ولما رأى بعض الطلقاء جيش المسلمين قالوا: لن نغلب اليوم من قلة ، ودخل الإعجاب في النفوس. 

التعبئة التي اتخذها مالك بن عوف زعيم هوازن وثقيف. 

اتخذ مالك بن عوف زعيم قبائل هوازن وثقيف تعبئة مرت بمراحل: 

1- رفع الروح المعنوية لدى جنوده: وقف مالك خطيبًا في جيشه وحثهم على الثبات والاستبسال، ومما قال في هذا الجمع الحاشد: إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب فيُنصر عليهم. 

2- حشر ذراري المقاتلين وأموالهم خلف الجيش: أمر قائد هوازن بحشد نساء المقاتلين وأطفالهم وأموالهم خلفهم، وقد قصد من وراء هذا التصرف، دفع المقاتلين إلى الاستبسال والثبات أمام أعدائهم؛ لأن المقاتل -من وجهة نظره- إذا شعر أن أعز ما يملك وراءه في المعركة صعب عليه أن يلوذ بالفرار مخلفا ما وراءه في ميدان المعركة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: افتتحنا مكة، ثم غزونا حنينًا ، فجاء المشركون بحنين بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم صفت النعم. 

3- تجريد السيوف وكسر أجفانها: جرت عادة العرب في حروبهم أن يكسروا أجفان سيوفهم قبل بدء القتال، وهذا التصرف يؤذن بإصرار المقاتل على الثبات أمام الخصم حتى النصر أو الموت، وقد أمر مالك جنده بذلك تحقيقًا لهذا ، بدليل قولهم: إذا أنتم رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم وشدوا شدة رجل واحد عليهم. 

4- وضع الكمائن لمباغتة جيش المسلمين والانقضاض عليهم: كانت عند مالك بن عوف النصري معلومات وافية عن الأرض التي ستدور عليها المعركة، ولهذا رأى أن يستغل هذه الظروف الطبيعية لصالح جيشه، فعمل -بمشورة الفارس المحنك دريد بن الصمة- في نصب الكمائن لجيوش المسلمين، وقد كادت هذه الخطة تقضي على قوات المسلمين لولا لطف الله سبحانه وتعالى وعنايته. 

5- الأخذ بزمام المبادرة في الهجوم على المسلمين: كان ضمن الخطة التي رسمها القائد الهوازني ، الأخذ بزمام المبادرة ومهاجمة المسلمين؛ لأن النصر في الغالب يكون للمهاجم، أما المدافع فغالبا ما يكون في مركز الضعف، ولهذا آتت هذه الخطة ثمارها بعض الوقت، ثم انقلبت موازين القوى بفضل الله تعالى ثم بثبات رسول الله صلى الله عليه وسلم, حيث كسب المسلمون الجولة وانتصروا على أعدائهم. 

6- شن الحرب النفسية ضد المسلمين: كان من ضمن بنود الخطة الحربية التي رسمها القائد مالك بن عوف الهوازني، استعمال سلاح معنوي له تأثير كبير في النفوس، فقد شن الحرب النفسية ضد المسلمين من أجل إلقاء الخوف في نفوسهم، وذلك بأن عمد إلى عشرات الآلاف من الجمال التي صحبها معه في الميدان فجعلها وراء جيشه ثم أركب عليها النساء، فكان لذلك المشهد منظر مهيب يحسب من يراه أن هذا الجيش مائة ألف مقاتل، وهو ليس كذلك. 

خطوات الرسول صلى الله عليه وسلم لصد هذه الحشود . 

لما بلغ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عزم هوازن على حربه بعد أن تم له فتح مكة -شرفها الله- قام بالآتي: 

1- أرسل عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي حتى يوافيه بخبر هوازن:

فذهب رضي الله عنه ومكث بينهم يومًا أو يومين ثم عاد وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بما رأى. 

ولقد ذهب عبد الله إلى حيث أمره الرسول صلى الله عليه وسلم وعاد على وجه السرعة بخبر هؤلاء الأعداء, إلا أنه قصر رضي الله عنه في أداء هذا الواجب حيث لم يختلط بهوازن اختلاطًا كاملاً بحيث يسمع ويرى ما يدبر ضد المسلمين هناك، وكان من أهم ما يجب أن يُعنى به معرفة مواقع المشركين التي احتلوها، وقد فوجئ المسلمون باختفاء تلك الكمائن التي نصبها الأعداء في منحنيات الوادي حتى استطاعوا أن يمطروا المسلمين بوابل من سهامهم فانهزموا في الجولة الأولى، فكان الجهل بهذه الكمائن أحد الأسباب الرئيسية وراء هزيمة المسلمين في أول المعركة ، وما حدث نتيجة لهذا الخطأ لا يقدح في العصمة الثابتة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن هذا الأمر ليس وحيًا من الله سبحانه وتعالى، وإنما هو من باب الاجتهاد في الأمور العسكرية، وقد بذل النبي صلى الله عليه وسلم جهده في سبيل الحصول على أدق المعلومات وأوفاها لكي يضع على ضوئها الخطة العسكرية المناسبة لمجابهة العدو. 

2- عدة الجيش واستعارة الدروع والرماح .

أعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشًا قوامه عشرة آلاف -وهم من خرجوا معه من المدينة- وألفان من مسلمة الفتح؛ فكان عدد من خرج في تلك الغزوة اثني عشر ألفا، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان بذراريهم ونَعمهم ومع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء وهم ألفان ، وسعى صلى الله عليه وسلم لتأمين عدة الجيش فطلب من ابن عمه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة آلاف رمح إعارة، وطلب من صفوان بن أمية دروعًا ، وتكفل صلى الله عليه وسلم بالضمان ، وكان نوفل وصفوان لا يزالان على شركهما، عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أتتك رسلي فأعطهم -أو قال فادفع إليهم- ثلاثين درعا وثلاثين بعيرا، أو أقل من ذلك» فقال له: العارية مؤداة يا رسول الله، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نعم» وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه يوم حنين دروعا فقال: أغصبًا يا محمد؟ قال: «لا ، بل عارية مضمونة» قال: فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضعها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله في الإسلام أرغب، قال أبو داود: وكان أعاره قبل أن يسلم ثم أسلم. 

3- ثباته صلى الله عليه وسلم وأثره في كسب المعركة .

سبقت هوازن المسلمين إلى وادي حنين، واختاروا مواقعهم ، وبثوا كتائبهم في شعابه ومنعطفاته وأشجاره، وكانت خطتهم تتمثل في مباغتة المسلمين بالسهام أثناء تقدمهم في وادي حنين المنحدر. 

لقد باغت المشركون المسلمين وأمطرهم الأعداء من جميع الجهات، فاضطربت صفوفهم، وماج بعضهم في بعض، ونتيجة لهول هذا الموقف انهزم معظم الجيش ولاذوا بالفرار، كل يطلب النجاة لنفسه، وبقي الرسول صلى الله عليه وسلم ونفر قليل في الميدان يتصدون لهجمات المشركين ، ونترك العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم يصف لنا ذلك المشهد المهيب حيث يقول: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له بيضاء، فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قِبَل الكفار، قال العباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة ألا تسرع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أي عباس، نادِ أصحاب السمرة» فقال العباس -وكان رجلا صيتًا-: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك! قال: فاقتلوا الكفار، والدعوة في الأنصار، يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، قال: ثم قصرت الدعوة على بني الحارث من الخزرج ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته، كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا حين حمي الوطيس». 

لقد أيد الله نبيه صلى الله عليه وسلم يوم حنين بأمور منها:

* نزول الملائكة من السماء. 

* سلاح الرعب. 

مطاردة فلول الفارين إلى أوطاس والطائف . 

أ- قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: لما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس, فلقي دُريد بن الصمة، فقتل دريد، وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر، فرُمي أبو عامر في ركبته، رماه جُشمي بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه فقلت: يا عم من رماك؟ فأشار إليَّ فقال: ذاك قاتلي الذي رماني، فقصدت له، فلحقته، فلما رآني ولى فأتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألا تثبت؟ فكف، فاختلفنا ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء. 

قال: يا ابن أخي أقرئ النبي صلى الله عليه وسلم السلام وقل له: استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم في بيته على سرير مُرمل وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقوله: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ، ثم رفع يديه فقال: «اللهم اغفر لعبيد أبي عامر» ورأيت بياض إبطيه، ثم قال: «اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من الناس» فقلت: ولي فاستغفر، فقال: «اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريمًا». 

قال أبو بردة: إحداهما لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى. 

حصار الطائف .

حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ، واستخدم أساليب متنوعة في القتال والحصار، ومارس الشورى، واختار المكان المناسب عند الحصار، واستخدم الحرب النفسية والدعاية في صفوف الأعداء.. ومن هذه الأساليب: 

1- استخدامه صلى الله عليه وسلم أسلوبا جديدا في القتال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم في حصاره للطائف أسلحة جديدة لم يسبق له أن استعملها من قبل, وهذه الأسلحة هي: 

* المنجنيق: فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل هذا السلاح عند حصاره لحصن ثقيف بالطائف، فعن مكحول رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نصب المنجنيق على أهل الطائف. 

والمنجنيق من أسلحة الحصار الثقيلة ذات التأثير الفعال على من وجهت إليه, فبحجارته تهدم الحصون والأبراج ، وبقنابله تحرق الدور والمعسكرات، وهذا النوع يحتاج إلى عدد من الجنود في إدارته واستخدامه عند القتال. 

* الدبابة: ومن أسلحة الحصار الثقيلة التي استعملها الرسول صلى الله عليه وسلم لأول مرة في حصار الطائف: الدبابة؛ والدبابة على شكل بيت صغير تعمل من الخشب وتتخذ للوقاية من سهام الأعداء، عندما يراد نقض جدار الحصن، بحيث إذا دخلها الجنود كان سقفها حرزًا لهم من الرمي. 

* الحسك الشائك: من الأسلحة الجديدة التي استعملها الرسول صلى الله عليه وسلم في حصاره لأهل الطائف: الحسك الشائك؛ وهو من وسائل الدفاع الثابتة، ويعمل من خشبتين تسمران على هيئة الصليب، حتى تتألف منهما أربع شعب مدببة، وإذا رمى في الأرض بقيت شعبة منه بارزة تتعثر بها أقدام الخيل والمشاة، فتتعطل حركة السير السريعة المطلوبة في ميدان القتال. 

وقد ذكر أصحاب المغازي والسير أن الرسول صلى الله عليه وسلم استعمل هذا السلاح في حصاره لأهل الطائف، حيث أمر جنده بنشر الحسك الشائك حول حصن ثقيف ، وفي هذا إشارة إلى قادة الأمة خصوصًا، والمسلمين عموما، ألا يعطلوا عقولهم وتفكيرهم من أجل الاستفادة من النافع والجديد الذي يحقق للأمة مصلحة الدارين، ويدفع عنها شرور أعدائها.

2- اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانًا مناسبًا عند القتال: نزل الجيش في مكان مكشوف قريب من الحصن، وما كاد الجند يضعون رحالهم حتى أمطرهم الأعداء بوابل من السهام؛ فأصيب من جراء ذلك ناس كثيرون ، وحينئذ عرض الحباب بن المنذر على الرسول صلى الله عليه وسلم فكرة التحول من هذا الموقع إلى مكان آمن من سهام أهل الطائف، فقبل صلى الله عليه وسلم هذه المشورة وكلف الحباب -لكونه من ذوي الخبرات الحربية الواسعة في هذا المجال- بالبحث عن موقع ملائم لنزول الجند، فذهب رضي الله عنه ثم حدد المكان المناسب ، وعاد فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم جيشه بالتحول إلى المكان الجديد، وهذا شاهد عيان يحدثنا عما رأى؛ قال عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه: لقد أطلع علينا من نبلهم ساعة نزلنا شيء الله به عليم كأنه رجل جراد ، وترسنا لهم حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الحباب فقال: «انظر مكانًا مرتفعًا مستأخرًا عن القوم» فخرج الحباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف خارج من القرية فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحولوا. 

3- استخدام الحرب النفسية والدعاية: لما اشتدت مقاومة أهل الطائف وقتلوا مجموعة من المسلمين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق بساتين العنب والنخل في ضواحي الطائف للضغط على ثقيف، ثم أوقف هذا العمل بعد أثره في معنوياتهم وإضعافه روح المقاومة، وبعد أن ناشدته ثقيف بالله والرحم أن يترك هذا العمل ، ووجه النبي صلى الله عليه وسلم نداء لعبيد الطائف أن من ينزل من الحصن ويخرج إلى المسلمين فهو حر، فخرج ثلاثة وعشرون من العبيد منهم أبو بكرة الثقفي فأسلموا، فأعتقهم ولم يعدهم إلى ثقيف بعد إسلامهم. 

4- الحكمة من رفع الحصار: كانت حكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رفع الحصار واضحة؛ فالمنطقة المحيطة بها لم تعد تابعة لها، بل صارت ضمن سيادة الدولة الإسلامية، ولم تعد تستمد قوتها إلا من امتناع حصونها، فحصارها ورفعه سواء أمام القائد المحنك، وقد استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم من حوله في عملية الحصار فقال نوفل بن معاوية الديلي: ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل، فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل، ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فاغدوا على القتال» فغدوا فأصبت المسلمين جراحات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنا قافلون غدا إن شاء الله» فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فلما ارتحلوا واستقلوا، قال: «قولوا: آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون» وقيل: يا رسول الله ادع الله على ثقيف, فقال: «اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم»

الإعجاب بالكثرة يحجب نصر الله

الإعجاب بالكثرة حجب عن المسلمين النصر في بداية المعركة وقد عبر القرآن الكريم عن ذلك بقوله: ( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) [التوبة: 25]. 

وقد نبه إلى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أوضح أنه لا حول ولا قوة إلا بالله فيقول: «اللهم بك أحول وبك أصول، وبك أقاتل». 

وهكذا أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يراقب المسلمين ويقوِّم ما يظهر من انحرافات في التصور والسلوك ، حتى في أخطر ظروف المواجهة مع خصومه العتاة. 

وعلى الرغم من الهزيمة التي لحقت بالمسلمين في بداية غزوة حنين وفرار معظم المسلمين في ميدان المعركة؛ لأنهم فوجئوا بما لم يتوقعوه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف أحدا ممن فرَّ عنه, حتى حينما طالبه بعض المسلمين بأن يقتل الطلقاء لأنهم فروا, لم يوافق على هذا.

الغنائم وسيلة لتأليف القلوب .

رأى صلى الله عليه وسلم أن يتألف الطلقاء والأعراب بالغنائم تأليفًا لقلوبهم لحداثة عهدهم بالإسلام ، فأعطى لزعماء قريش وغطفان وتميم عطاء عظيمًا ، إذ كانت عطية الواحد منهم مائة من الإبل ، ومن هؤلاء: أبو سفيان بن حرب، وسهيل بن عمرو ، وحكيم بن حزام، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس، ومعاوية ويزيد ابنا أبي سفيان، وقيس ابن عدي. 

وكان الهدف من هذا العطاء المجزي هو تحويل قلوبهم من حب الدنيا إلى حب الإسلام ، أو كما قال أنس بن مالك: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. 

وعبر عن هذا صفوان بن أمية بقوله: لقد أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إليَّ فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إليَّ. 

وقد تأثر حدثاء الأنصار من هذا العطاء بحكم طبيعتهم البشرية ، وترددت بينهم مقالة ، فراعى صلى الله عليه وسلم هذا الاعتراض وعمل على إزالة التوتر ، وبين لهم الحكمة في تقسيم الغنائم ، وخاطب الأنصار خطابًا إيمانيًّا عقليًّا عاطفيًّا وجدانيًّا، ما يملك القارئ المسلم على مر الدهور وكر العصور وتوالي الزمان إلا البكاء عندما يمر بهذا الحدث العظيم، فعندما دخل سعد على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: «فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة؟» قال: فجاء رجال من المهاجرين، فتركهم، فدخلوا وجاء آخرون فردَّهم، فلما اجتمعوا أتى سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضُلاَّلا فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله بي، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: الله ورسوله أمنُّ وأفضل، ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟» قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله، لله ولرسوله المن والفضل. قال: «أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدَقْتم ولصُدِّقتُم: أتيتنا مكذَّبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم عليَّ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفتُ بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به، ولولا الهجرة، لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وواديًا، وسلكتْ الأنصار شعبًا وواديًا لسلكتُ شعب الأنصار وواديها، الأنصار شعار والناس دثار اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار»، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسمًا وحظًّا ، ثم انصرف رسول الله وتفرقوا وفي رواية: «إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض»

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن هذه المقالة لم تصدر من الأنصار كلهم، وإنما قالها حديثو السن منهم؛ بدليل ما ورد في الصحيحين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن ناسًا من الأنصار قالوا يوم حنين: أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالاً من قريش المائة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس بن مالك: فحُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم من قولهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «ما حديث بلغني عنكم؟» فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئًا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم قالوا: يغفر الله لرسول الله! يعطي قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم». 

ويوضح الشيخ محمد الغزالي حقيقة هذا الأمر في مثال محسوس فيقول:... إن في الدنيا أقوامًا كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظل تمد إليه فمها، حتى تدخل حظيرتها آمنة، فكذلك هذه الأصناف من البشر تحتاج إلى فنون الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهش له. 

إن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب للأنصار صورة مؤثرة: قوم يبشرون بالإيمان يقابلهم قوم يبشرون بالجِمال، وقوم يصحبهم رسول الله يقابلهم قوم يصحبهم الشاة والبعير، لقد أيقظتهم تلك الصور، وأدركوا أنهم وقعوا في خطأ ما كان لأمثالهم أن يقع فيه، فانطلقت حناجرهم بالبكاء ومآقيهم بالدموع ، وألسنتهم بالرضا، وبذلك طابت نفوسهم واطمأنت قلوبهم بفضل سياسة النبي صلى الله عليه وسلم الحكيمة في مخاطبة الأنصار.

 

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا