الجمعة 22 ذو الحجة 1440 - 23 أغسطس 2019

محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نموذج كامل للحضارة الراقية (1)

الأربعاء 6 ذو الحجة 1440 - 7 أغسطس 2019 90 العلامة عبد الحليم عويس
محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم نموذج كامل للحضارة الراقية (1)

هذا النبيُّ محمدُ بنُ عبدِ الله عليه الصلاة والسلام، جاءَ يطرحُ مفهوماً فَذًّا للحضارة.. جاء يجمع في ظلاله - على مستوى السلوك - وفي ظلاله - على مستوى التقعيد معنى مُتكاملاً للحضارة التي تاهَ في تحديدها المنظِّرون. 

• الحضارة - في ظلاله - مستوى إنساني يَنتظم كلَّ الجزئيات الفكريَّة والسلوكية. 

• مستوى إنساني ممتد في الزمن، يَربط بين الدنيا المحدودة والآخرةِ اللانهائيَّة. 

• مستوى إنساني ممتد في المكان، يُكَرِّم الإنسان، ويحدِّد حقوقه أنى كان، دون تفرقة على أساس لونٍ أو جنس...

• مستوى إنساني ممتد في الوقائع، فلا جزئيَّة فوق القانون، ولا جزئية لا مكان لها في القانون. 

• مستوى إنساني ممتد في المجتمع والفرد، والرجل والمرأة، والقوي والضعيف، والجسم والروح، والمادي واللامادي، والطبيعة وما وراء الطبيعة، دون انفصاميَّة مصطنعة، أو تشقيقيَّة قاتلة مدمِّرة. 

- والعجيب - الذي يمثِّل أبرز ظاهرة فرديَّة في التاريخ - أنَّ هذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد مثَّل - بحياته - كلَّ أطوار الحضارة في مراحل رقيها، حتى ليخيل للدارس أنَّ - حياته عليه الصلاة السلام - حضارة مُستقلة، تتجلى كشعاعٍ وهَّاجٍ لكل الحضارات الباحثة عن المستوى الإنساني السامي الجدير بالإنسانية المتحضِّرة.

إنه لا انفصام في حياته عليه الصلاة السلام بين قول وفعل، وظاهر وباطن، وجوانب شخصية وجوانب اجتماعية، وأعمال دنيويَّة، وأعمال أخرويَّة. 

إنها جميعها كلٌّ مُتَّسق لا تصطدم وسائله، ولا تتعارض غاياتُه، وهي كلها ناضجة بالمستوى الإنساني الذي يُشكِّل المضمون الحيَّ للحضارة. 

- ففي عالم الفكر كان طلب العلم فريضةً، وعبادةً، وسلوكاً.. 

- وفي عالم المادة كان بناء الحياة - بلا حدود رقيقة - تشريعاً وعبادة: قال عليه الصلاة والسلام: «إنْ قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليغرسها فله بذلك أجر» رواه البخاري وأحمد. 

- وفي عالم العلاقات الاجتماعيَّة الإنسانيَّة ثمَّة شمول يمتدُّ إلى كل صغيرة وكبيرة. وقد وضَّحها الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: «إنَّ أبواب الخير الكثيرة: التسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتسمع الأصم وتهدى الأعمى، وتهدي المستدل عن حاجته، وتسعى بشدة ساقين مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعين مع الضعيف. فهذا كله صدقة منك على نفسك، وتسبيحك في وجه أخيك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم من طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضحالة لك صدقة» (رواه مسلم) 

وحتى مع الحيوان وهو يُذبح ثمَّة سلوك حضاري أخلاقي لابدَّ أن يُتَّبع «فإن قتلتم فأحسنوا القِتْلة، وإن ذبحتم فأحسنوا الذِّبْحة وليحدَّ أحدُكم شفرتَه، وليرحْ ذبيحته» (رواه الستة ما عدا البخاري).

***

تبدأ الحضارة مسيرتها - في ظلال محمد صلى الله عليه وسلم - مُعتمدة على مُقوِّمين أساسيين هما: الأفكار والإنسان. 

- وبدون أفكار حضاريَّة تمثَّل الخميرة المعنويَّة، أو الطاقة النفسيَّة لا يمكن اشتعال مصباح حضارة. 

«إنَّ شعار لا إله الا الله الذي أمر محمد صلى الله عليه وسلم برفعه في وجه الجاهلية، جاء انقلاباً شاملاً على كل المستويات الدينيَّة والاجتماعيَّة، بنواحيها الفكريَّة والنفسيَّة والأخلاقية والسياسية والسلوكية. 

وهو إشعار واضح بضرورة ردِّ الأمرِ كلِّه إلى الله (الحاكم) و(المشرِّع)، وتجريد الإنسان فرداً وجماعة من الخضوع للغايات الجزئية القاصرة، واتِّباع (الهوى) و(الظن) في كل صغيرة وكبيرة. وكان هذا الشعار - وهو شعار ممتد في التاريخ امتداد الحقيقة السمحاء - أساساً فكرياً انطلقت منه فروع فكريَّة حدَّدت موقفاً حضارياً مُتميزاً يمثِّل الأساس الإسلامي للحضارة الإسلامية والإنسان المسلم! 

- وكان الإنسان الذي استخلصته الحضارة الإسلامية من بين التراب الجاهلي: هو الوعاء النظيف الحي... الذي جسَّد أفكار هذه الحضارة وأعطاها بُعدها الحياتي وأساسها الثاني الضروري. 

- ومن الالتحام بين الفكر والإنسان في الزمن - تمَّ ذلك الإبداع الذي أطلق عليه «الحضارة الإسلامية»، تلك التي برزت أسطع ما يكون البروز في ظلاله - عليه الصلاة والسلام -.

الخندق ميلاد حضارة:

من الخندق دائما تولد الحضارات المبدعة. 

ولم توجد حضارة ولدت قبل معاناة الحمل والوضع والتعرض لمبضع الجرَّاح. وكانت الفترة التي بدأت بالهجرة، وانتهت بالخندق هي الفترة التي تعرَّض المسلمون فيها لآلام الحمل كأشد ما تكون المعاناة. 

وثمة موقفان واضحا الدَّلالة على ميلاد الحضارة في الخندق - لم يلقيا حقَّهما من التحليل الكافي، برغم ورودهما في معظم مَصادر السيرة الزكيَّة: أولهما: يَرويه سلمان الفارسي رضي الله عنه - ودوره في الخندق مشهور - عندما غَلُظت عليه صخرة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قريباً منه – يقول سلمان رضي الله عنه : «كلما رآني أضرب، ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، قال، ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى، قال ثم ضرب به الثالثة، فلمعت تحته برقة أخرى، قال: قلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول، وأنت تضرب! قال - عليه الصلاة والسلام - أوقد رأيت ذلك يا سلمان !: قال: قلت نعم، قال: أما الأولى فإنَّ الله فتح عليَّ بها اليمن، وأما الثانية فإنَّ الله فتح عليَّ بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإنَّ الله فتح عليَّ بها المشرق» رواه الطبري. 

وثانيهما - تلك القولة القوية الدلالة التي قالها الرسول عليه الصلاة والسلام - لما انصرف عن الخندق: «لن تغزوَكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم»، فكان كذلك حتى فتح الله مكة وما بعدها (كما يقول ابن هشام والطبري). 

وهكذا في أصعب لحظات الصراع الدموي كانت تولد - في ظلال رؤية النبوة - الاستشرافات المستقبليَّة للحضارة الجديدة الممتدَّة التي ستدين على سعتها لفكر وسلوك النبي الكريم - عليه الصلاة والسلام - وللصفوة القادرة صانعة الخندق وحارسته.

وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم 

[وللمقالة تتمة]

المصدر: (مجلة الوعي الإسلامي، السنة السادسة عشرة، محرم 1400 - العدد 181).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا