الأربعاء 18 محرم 1441 - 18 سبتمبر 2019

بين سقوط وارتفاع

الثلاثاء 16 رمضان 1440 - 21 مايو 2019 185 محمد سعيد بكر
بين سقوط وارتفاع

المحاور:

يقولون بأنه ليس للصعود سقف، وليس للهبوط قاع.

في وقت يكرم فيه رب العزة أهل العلم برفعهم وتبجيلهم وتقديرهم (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) (المجادلة:11)، يأبى بعض من رفعهم الله بما آتاهم من علم وآيات إلا وأن يهبطوا بأنفسهم إلى أسفل سافلين (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الأعراف: 176).

تعد المواقف بالنسبة للعلماء والدعاة والمصلحين والنخب خافضة رافعة، فهي تخفض من يتراجع وينكص على عقبيه، ويتنكر لتاريخه ويدوس برجله كل قيمة كان يدعو لها، وترفع الثابتين بالقول والفعل الثابت مهما كلفهم ثباتهم من تضحيات.

لقد شكل غلام الأخدود أنموذجاً رائعاً في الثبات جعل ذكره مرفوعاً عبر الأزمنة حتى خلده القرآن العظيم.

لعل إنساناً بسيطاً لا يملك من رصيد التجربة ولا العلم ولا حتى المواقع والجاه والنفوذ، يصدر عنه سلوك رفيع في موقف عابر يخلده التاريخ ويرتفع ذكره في العالمين، فالعبرة بإثبات الذات وانتفاضة الروح عند الملمات وعدم الرضا عن المنكرات.

للسقوط أسباب؛ منها ما يتعلق بعوامل الضغط ومنها ما يتعلق بعوامل الضخ (خوفاً وطمعاً)، وللمسلم عند الضغط رخصة إن كان قلبه مطمئن بالإيمان، وإلا فإن أخذه بالعزيمة أولى، وهذا منهج الكبار كأمثال سمية وياسر وابن حنبل وابن تيمية عليهم رحمة الله، أما الضخ بالمديح والثناء والمال والهدايا والعطايا فلا تبرر لصاحبها السقوط في مراتع النفاق للمستبدين وتسهيل مهمة المحتلين.

الأمة تنظر وتترقب ردود أقوال وأفعال دعاتها وعلمائها عند الأزمات والملمات، فإن ثبتوا ثبات الشم الرواسي ثبتت الأمة بثباتهم، وإلا فلا عاصم للأمة عند سقوطهم إلا الله.

أسوأ أنواع السقوط؛ هو السقوط الديني الأخلاقي، والذي يحمل معاني الردة عن الحق والحقيقة، ولعله من علامات زماننا، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ؛ يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيْهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً؛ يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) رواه مسلم.

ومن أنواع السقوط القبيح؛ سقوط الأقنعة عن وجوه كانت تتستر باللحية والحجاب، إذ بها كالذي يعبد الله على حرف (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) (الحج: 11). 

لحوم الساقطين من العلماء والنخب والمصلحين، ليست مسمومة، فهم لم يجبوا الغيبة عن أنفسهم، بل جلبوا السبة لهذه النفوس المنتنة.

تفرح النفس لرؤية نجوم ترتفع في سماء الأمة لتضيء لنا وتكشف الطريق (وعلامات وبالنجم هم يهتدون)، وتحزن كلما سقط ساقط كانت ترجو منه خيراً وتعول عليه الآمال.

يحرص أعداء الأمة على إسقاط نجومنا، بقولهم للواحد منهم: إلحق بنا نواسك، فإذا استجاب ولحق، خسر الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.

يبدو للوهلة الأولى أن كلفة الصعود أكبر من كلفة الهبوط، ولكن عندما يستقر الآمر يكتشف الساقطون أن سقوطهم مكلف للغاية.

وحدهم المرتفعون الصاعدون صعوداً حقيقياً يعز عليهم الهبوط فيقاومونه باستماتة، أما المرتفعون ارتفاع زور وبهتان عبر حركات تلميع إعلامية مزورة فلا يأبهون لهبوط مهما سفل.

لم استغرب أن يكون مصير المنافقين في الدرك الأسفل من النار لأن البشرية لم تعرف أعنف هبوطاً وسفولاً وسقوطاً من سقوطهم، لا سيما أولئك الذين (يسحجون) للفاسدين ويشرعنون استبداد المستبدين، فلا كرامة لهم عند الله وعند الناس أجمعين (ومن يهن الله فما له من مكرم).

رؤوسنا ترتفع برؤوسنا التي تسقط في ميادين العز والشهادة، مثلما تسقط تلك الرؤوس في ميادين الخسة والنذالة.

من أطاع الهوى هوى، ومن أطاع المولى عز وعلا.

إذا رأيت ساقطاً زلّت به قدمه فعليك بما يأتي:

١. لا تشمت به فلعل الله يعافيه ويبتليك.

٢. تأكد من خبر سقوطه، فلربما هي فبركات تشويشية، أو كبوة جواد سرعان ما يقوم بعدها.

٣. حاول انقاذه وتخليصه.

٤. اسأل ربك العافية مما ابتلاه به.

٥. أخرجه من حياتك إن وجدته مستكبراً متعالياً على الرغم من كونه في أسفل سافلين.

وإذا رأيت نجماً ساطعاً فعليك بما يأتي:

١. تأكد من سطوعه فلعله نيزك لا علاقة له بالنجوم. 

٢. ابحث عن أسباب علوه وتعلم منها الدروس. 

٣. اسأل ربك صحبته، ففي صحبة الصاعدين صعود. 

٤. ادع الله له بالثبات؛ فالثبات في عالم النجوم عزيز.

صنفان من العلماء والدعاة والمصلحين في زماننا لزموا سبيل العلو فعلو، وصنفان آخران سفلوا وهبطوا. 

أما الصنفان الأولان: فمنهم من نطق بالحق صريحاً (عزيمة)، ومنهم من نطق به تلميحاً (رخصة)، وأما الآخران فمنهم من سكت عن الحق (شيطان أخرس) ومنهم من نطق بالباطل (كلب يعوي).

لكرامة ولا رفعة لعميل خائن نصّبه العدو زعيماً على قومه، فاستمد من العدو قوته وجبروته .. لا كرامة ولا علو له حتى عند من نصّبه، لأنه بمثابة حذاء يمتطيه من شاء ثم يخلعه، ولا يصلح سوى أن يكون حذاءً. 

من أعظم المعينات على الثبات في حالة صعود وارتفاع؛ تمكين العقيدة في النفس لأن الإنسان يخشى على نفسه الفقدان ويعده الشيطان ويمنيه حتى يصيبه بما أصاب أبويه، وقد جعلهما يهبطان من دار الخلد وملك لا يبلى، إلى دار الهوان والنعمة الزائلة (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة: 38). 

الذين رباهم النبي صلى الله عليه وسلم على صفات العلو والشموخ والاعتزاز بالدين، لم يقبلوا أن يروا حتى منه هو موقفاً اعتقدوا أن فيه دنو وإهانة، فجاء عمر رضي الله عنه يسأله عن شروط الصلح (صلح الحديبية) المهينة (فيما يرون) قائلاً: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! .. حتى استبان له الأمر فسكت. 

لا يليق بمن ينتمي لله العزيز أن يكون ذليلاً، ولا يليق بمن ينتمي لله القوي أن يكون ضعيفاً، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين. 

في معركة الأقصى والأسرى، وفي صور التدافع بين الحق والباطل كلها، وفي عموم معارك المسلمين اليوم ترتفع أسماء وتسقط أخرى، والعاصم هو الله، (فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى).

وختاماً:

نحن أمة عنوانها وقدرها ومصيرها الارتفاع؛ لأننا أمة من قال له رب العزة: (ورفعنا لك ذكرك)، وواجبنا لا يقف عند حدود الرقي والارتفاع بأنفسنا عبر تمكين علاقتنا بكتاب ربنا فحسب (يقال لقارئ القرآن اقرأ وارق)، بل واجبنا الارتفاع بالبشرية كلها عن سفاسف الأمور وتوافه الأفعال، والرقي في مراقي الكرامة (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وإلا فكل من طلب العلو بالنفوذ السياسي المجرد عن الدين والخلق، وتباهى بما يجري من تحته (وهذه الأنهار تجري من تحتي) جعله الله فوقه وأغرقه، وكل من طلب العلو بالمال المجرد عن شكر النعمة كان مصيره السقوط على مرأى من كان يتباهى عليهم (فخسفنا به وبداره الأرض).

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا