الخميس 6 ذو القعدة 1439 - 19 يوليو 2018

مصعب بن عمير رضي الله عنه

الأحد 8 رجب 1439 - 25 مارس 2018 219 الأستاذ محمد عادل فارس
مصعب بن عمير رضي الله عنه

 

إنّه من أكرم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن السابقين الأولين إلى الإسلام، ومن أصحاب هجرة الحبشة والهجرة إلى المدينة المنورة، ومن أعظم الدعاة وأحسنهم أسلوباً، وأكثرهم بركة، وممن أبْلَوا بلاء حسناً في الجهاد في سبيل الله.

إنه مصعب بن عمير بن هاشم العبدري (من بني عبد الدار)، وأمّه خُناس بنت مالك، وكانت امرأة ثرية وتحب أولادها وتدلّلهم، وكانت قوية الشخصية كما كانت متعصبة لعقائد قومها الباطلة، لذلك كانت تبذل كل جهد لتمنع ابنها من دخول الإسلام، بينما لا نكاد نجد لزوجها عُمير ذِكراً بهذا الشأن!.

كان مصعب من أجمل فتيان مكة، وأكثرهم رفاهية، وكان يوصف بأنه أعطر أهل مكة، وأراد الله به خيراً فحفظ قلبَه من تقليد الآباء على غير وعي، وهيّأ له سبيل الهداية، فما إن سمع بدعوة الإسلام حتى هُرع إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتلقى الهدى على يديه. وكان يعلم تعصُّبَ قريش لأصنامها، كما يعلم تصلّبَ أمّه وعنادها، لذلك راح يتردد إلى دار الأرقم خفيةً، بعيداً عن أعين الرقباء، لكن عثمان بن طلحة النهدي لمحه ذات مرة وهو يصلي فأذاع سرّه، وبدأت المحن تتوالى عليه، فقد منع أبواه عنه المال حتى انقلب فقيراً بعد غنى، وبائساً بعد بُلَهْنِيَة، بل إن قريشاً، بتحريض من أمّه، سجنته، وأقامت عليه الحراسة، لعلّ ذلك يردّه عن دينه الجديد!.

ولما أذِن النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، تمكّنَ مصعب من الإفلات من سجنه، وهاجر مع من هاجر. ولما عاد إلى مكة كانت معالم الفقر والعِوَز بادية عليه، وعليه ثياب رثّة. فلما رآه الصحابة نكسوا رؤوسهم له. ليس عندهم ما يغيّرون عنه!. ورآه الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: "انظروا إلى هذا الفتى الذي نوّر الله قلبه. لقد رأيته بين أبوين يغذوانه بأطيب الطعام والشراب. ولقد رأيت عليه حُلّة شراؤها بمئتي درهم، فدعاه حب الله ورسوله إلى ما ترون". رواه البيهقي وغيره، عن عمر بن الخطاب.

ثم بدأت بشائر الفرج بإسلام ستة نفر من أهل يثرب في موسم الحج، في السنة الحادية عشرة للبعثة المشرفة، وواعدوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يبلّغوا رسالة الإسلام إلى قومهم، وصدَقوا الوعد، فلما كانت السنة الثانية عشرة جاء من القوم اثنا عشر رجلاً بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الأولى، فأرسل معهم مصعباً ليفقّههم ويقرئهم القرآن. ومَن أجدر مِن مصعب لهذا؟! ومَن أعظمُ من النبي صلى الله عليهوسلم في معرفة مواهب أصحابه وكفاءاتهم؟!.

ونزل مصعب على سعد بن زرارة فكان يأتي القومَ في دُورهم فيدعوهم إلى الإسلام، فيُسلم الرجل والرجلان حتى فشا الإسلام في المدينة، وأسلم أشرافها كسعد بن معاذ، وسعد بن عُبادة، وأُسيد بن حُضير، وعمرو بن الجموح...

روى ابن اسحاق أن أسعد بن زرارة، وهو ابن خالة سعد بن معاذ، خرج بمصعب فدخل به بستاناً لبني عبد الأشهل، فلما سمع به سعد بن معاذ وأسيد بن حضير، وهما سيدا بني عبد الأشهل، وكانا مشركين، قال سعد لأسيد: انطلق بنا إلى هذين الرجلين أسعد ومصعب اللذين أتيا يسفّهان ضعفاءنا فازجرهما، فإنه لولا أن أسعد ابن خالتي كفيتك ذلك. فأخذ أسيد حربته ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد قال لمصعب: هذا سيد قومه، وقد جاءك فاصدُقِ الله فيه. ووقف أسيد مهدّداً: ما جاء بكما إلينا؟ اعتزلانا إنْ كانت لكما بأنفسكما حاجة!. فقال له مصعب باسماً: أو تجلس فتسمع؟ فإن رضيتَ أمراً قبِلْته، وإن كرهته كُفّ عنك ما تكره. قال أسيد: أنصفْتَ. ثم جلس يسمع من مصعب عن الإسلام وآيات من القرآن، وأخذ النور يشعّ في وجهه، وينفذ إلى قلبه، فقال: ما أحسن هذا وأجمله!. ثم شهد شهادة الحق، ثم قال: إن ورائي رجلاً إن اتّبعكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه. إنه سعد بن معاذ. ثم إنه تلطّفَ وتمكّن من إحضار سعد، فحصل مع سعد مثل الذي حصل مع أسيد. ورجع سعد إلى قومه فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا!. وهكذا حتى لم يبق بيت من بيوت المدينة إلا وفيه مسلمون.

ولقد خرج مصعب إلى مكة، ولقي النبي صلى الله عليه وسلم وراح يخبره عن دخول القوم في الإسلام. وعلمتْ أم مصعب بقدوم ابنها، فأرسلت إليه: يا عاقّ، أتقْدُمُ بلداً أنا فيه، ولا تبدأ بي؟ فذهب إليها وقال: ما كنتُ لأبدأ بأحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالت: أما زلتَ على ما أنت عليه من الصبَأة؟ قال: أنا على دين الإسلام الذي رضيه الله، وإني لك ناصح، وعليك شفيق، فاشهدي أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. قالت: والثواقب [أي الكواكب]، لا أدخل في دينك فيُزرى برأيي، ولكني أدَعُك وما أنت عليه.

وفي غزوة بدر كان مصعب حامل لواء المسلمين، وكان أخوه أبو عزيز/ زرارة بن عمير حامل لواء المشركين، وعقب الغزوة رأى مصعب أخاه أبا عزيز أسيراً بيد أبي اليُسْر الأنصاري، فقال لأبي اليسر: شُدّ يدك به، فإن أمه ذات متاع، لعلها تفديه منك! فقال له أبو عزيز: يا أخي، أهذه وصاتك بي؟! قال مصعب: إنه أخي دونك. وقد أسلم أبو عزيز بعدئذ.

وفي غزوة أُحد كان مصعب حامل اللواء فثبت ثبوت الرواسي، فأقبل عليه ابن قميئة الفارس القرشي فتمكن من قتله، ورآه النبي صلى الله عليه وسلم مضرّجاً بدمه، فنظر إليه وتذكر أيامه الماضيات فقال: "لقد رأيتك بمكة، وما بها من أحد أرق حُلّة، ولا أحسنُ لُمّة منك، ثم أنت مشعث الرأس في بردة!".

وكان عُمُر مصعب يوم استُشهد أربعين سنة.

وفتحت البلدان على المسلمين، ووقف خباب بن الأرت في المسجد النبوي يقول: هاجرنا نلتمس وجه الله، فوجب أجرنا على الله. فمنا من لم يأكل من أجره شيئاً، منهم مصعب بن عمير، قتل يوم أحد، فلم نجد ما نكفنه فيه إلا بردة، إن غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإن غطينا رجليه خرج رأسه، فأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نغطي رأسه، وأن نجعل على رجليه من الإذخر [حشيش معروف، طيب الرائحة]، ثم قال صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس ائتوهم فزوروهم، وسلّموا عليهم، فوالذي نفسي بيده لا يُسَلّم عليهم أحد إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه السلام".

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا