الثلاثاء 6 ربيع الأول 1440 - 13 نوفمبر 2018

كلمات في القرآن (14)(بلغ ومشتقاتها)

الاثنين 26 جمادى الأولى 1439 - 12 فبراير 2018 252 د.عثمان قدري مكانسي
كلمات في القرآن (14)(بلغ ومشتقاتها)

يقول صاحب الصحاح في معنى بلغ

بَلَغْتَ المكان بُلوغاً: وصلت إليه، وكذلك إذا شارفتَ عليه. ومنه قوله تعالى: " فإذا بلَغْنَ أَجَلَهُنَّ " أي قارَبْنَهُ. وبَلَغَ الغلامُ: أدرك. والإِبْلاغُ: الإيصالُ، وكذلك التَبْليغُ، والاسمُ منه البَلاغُ. والبَلاغُ أيضاً: الكفايةُ ، وبَلَّغْتُ الرسالةَ أوصلتها. وبَلَّغَ الفارسُ، إذا مَدَّ يدَه بعنان فرسه ليزيد في جَرْيه. وشيءٌ بالِغٌ، أي جيِّدٌ. وقد بَلَغَ في الجودة مَبْلَغاً. ويقال: أمرُ اللهِ بَلْغٌ بفتح الباء، أي بالِغٌ من قوله تعالى: " إنّ اللهَ بالِغٌ أَمْرُهُ " . وقولهم: أَحْمَقُ بِلْغٌ بكسر الباء، أي هو مع حماقته يَبْلُغُ ما يريد.

والبَلاغَةُ: الفصاحةُ. وبَلُغَ الرجلُ بضم العين ، أي صار بَلِيغاً. والبَلاغاتُ، كالوشاياتِ. والبُِلَغينُ: الداهية. وفي الحديث أن عائشة قالت لعليّ رضي الله عنهما حين أُخِذَتْ: " بَلَغْتَ مِنَّا البُِلَغينَ " . وبالَغَ فلانٌ في أمري، إذا لم يقصِّر فيه. والبُلْغَةُ:ما يُتَبَلَّغُ به من العَيش. وتَبَلَّغَ بكذا، أي اكتفَى به. وَتَبَلَّغَتْ به العِلَّةُ أي اشتدّتْ. والبالِغاءُ: الأكارعُ في لغة أهل المدينة.

وقد وردت كلمة بلغ ومشتقاتها في القرآن الكريم قريب الثمانين مرة بالمعاني التي ذكرناها وبمعان أخرى لا تبعد عنها ، وهي :

1- الدعوة إلى الله تعالى كقوله سبحانه في سورة الأعراف " أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم " وقوله في السورة نفسها " أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين " ففي الآية الأولى يستمر في تقديم النصح لهم ، فهذا دأب المصلحين الذين يريدون الخير للناس جميعا ، وفي الآية الثانية يعلل ما يفعله سوى الناصح المحب الأمين في تبليغ الرسالة . .. ونرى الدعوة إلى الله في سورة المائدة في قوله " فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين " ثم يقول في السورة نفسها " ما على الرسول إلا البلاغ " ففي الآية الأولى يستعمل أسلوب القصر – إنما _ خشية أن يشكوا

فيتولّوا ، وفي الثانية يستعمل أسلوب الاستثناء ليثبت عمل الرسل في البشرية . وجاءت الكلمة بهذا المعنى في القرآن كثيراً .

2- قد تأتي بمعنى شبّ وصار رجلاً كقوله تعالى يحكي عن يوسف عليه السلام في سورته " ولمّا بلغ أشدّه آتيناه حكماً وعلماً " وكقوله تعالى يحكي عن موسى عليه السلام في سورة القصص " ولما بلغ أشدّه واستوى آتيناه حكماً وعلماً " . ونجد الاستواء في الحديث عن موسى لأنه سيتحمل الصعاب غريباً مطارداً وسيعود برسالة ثقيلة إلى فرعون الظالم ، فلا بد أن يكون قوياً متمرساً . وكقوله تعالى في سورة النور " وإذا بلغ الأطفال منكم الحُلُم فليستأذنوا .." والحُلم أول مرحلة الشباب وبناء الأسرة ، يعضد هذا قوله تعالى في سورة النساء " حتى إذا بلغوا النكاح ، فإن آنستم منه رشداً فادفعوا إليهم أموالهم ..." وحين يبلغ الرجل النكاح يشعر باستقلاله والرغبة في تحمل المسؤولية . فاليتيم حين يبلغ النكاح لن يعود يتيماً ، وهذا ما نراه واضحاً في قوله تعالى في سورتي الأنعام والإسراء " ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده " فإن شب وبلغ أشده كان أهلاً لتحمل مسؤولية أسرته التي نشأ فيها وليكوّن أسرة تخصه . والرجل الصالح في سورة الكهف أقام الجدار بأمر الله تعالى " فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك " 

3- وقد تكون بمعنى الكمال الإنساني كقوله تعالى في سورة الأحقاف يحكي قصة المؤمن السويّ الذي بلغ سن الأربعين " ووصينا الإنسان بوالديه إحساناً ... حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال : ربي؛ أوزعني أن أشكر نعمتك عليّ وعلى والديّ ... " وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم في سن الأربعين وهو سن الكمال البشري . والدعاء نفسه دعا به سليمان عليه السلام حين سمع قول النملة تحذر قومها من جيشه في سورة النمل " .. رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى والديّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين " . تأتي الكلمة كذلك بمعنى التمام والكمال في قوله تعالى في سورة الأنعام " قل فلله الحُجّة البالغة " الكاملة التامة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها . 

4- وتأتي هذه الكلمة بمعنى الهرم والضعف كقوله تعالى في سورة آل عمران حكاية على لسان زكريا عليه السلام " قال ربّ أنّى يكون لي غلام ، وقد بلغنيَ الكبر وامرأتي عاقر ؟! " فهو يستغرب أن تحمل زوجته منه وهي عقيم ، وقد صارت عجوزاً وسبقها هو بالضعف وكبر السنّ . والمعنى نفسه نجده في سورة مريم " وكانت امرأتي عاقراً ، وقد بلغتُ من الكبر عِتيّاً " . ونجد هذا المعنى في سورة الإسراء يرشدنا ربنا تبارك وتعالى إلى توقير الوالدين والرحمة بهما " إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ، وقل لهما قولاً كريما " 

5- وتأتي الكلمة – بلغ- بمعنى التحدي ، مثال ذلك في قوله تعالى في سورة الإسراء منبهاً كل من تكبر وتجبر وتعالى على البشر " ولا تمش في الأرض مرحاً ؛ إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً " فعلام هذه الغطرسة وهذا التفاخر الكاذب؟! ونجد ذلك في قوله تعالى في سورة الرعد " والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال " فإذا كانت الآلهة المزعومة لا تنفع غيرها بله أن تنفع نفسها فلم يعبدها هؤلاء المغفّلون ؟.. ونجد التهديد ظاهراً في الإنذار الدعوي في كثير من الآيات نذكر بعضها في قوله تعالى في سورة آل عمران " وإن تولّوا فإنما عليك البلاغ " وفي سورة لإبراهيم عليه السلام " هذا بلاغ للناس ، ولِيُنذروا به " وفي سورة الشورى " فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً ، إن عليك إلا البلاغ " فمن لم يستجب للدعوة فقد أساء لنفسه ، وقد أعذر من أنذر .ونجد ذلك واضحاً في قوله تعالى في سورة النساء يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يهدد الكافرين " فأعرض عنهم وعظهم ، وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً " . ونجد ذلك في التقرير الإلهي الذي يجزي المؤمن المتوكل عليه خير الجزاء ، في سورة الطلاق " ومن يتوكل على الله فهو حسبه ، إن الله بالغ أمره " ومن يقف أمام أمر الله وإرادته وقوته – سبحانه - ؟ 

6- وتأتي بمعنى تمام الأمر وانتهائه ، والتبليغ للدعوة يعني لإتمامها كما أمر ربنا ، وهذا نجده كثيراً في القرآن . من أمثلته قوله تعالى في سورة الأحزاب يمدح الرسل وحاملي الدعوة إلى الناس " الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ، ولا يخشون أحداً إلا الله " . ومن أمثلة انتهاء الأمر الحديث عن عدة النساء ، مثاله قوله تعالى في سورة البقرة " ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله " فإذا انتهت عدة الأرملة يبدأ نكاحها من رجل آخر ، ونرى هذا في الطلاق تحكيه بداية سورة الطلاق " فإذا بلغن أجلهنّ فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف " أما أن يكون الأمر بيد الرجل كما يحب دون رابط ، يعذب زوجته بطلاق ثم إعادة إلى ما شاء فلا يجوز هذا الظلم في دين الله . ونرى تمام الأمر وانتهاءه في حلق الرؤوس في الحج بعد بلوغ الهدي مكان الأضحية به ، يقول الله تعالى في سورة البقرة " ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدْيُ محِلّه " 

7- وتأتي الكلمة بلغ بمعنى الوصول إلى الهدف ، ففي قصة ذي القرنين في سورة الكهف نجده يبلغ مغرب الشمس ، ومطلعها ، وبين السدين . ونرى قبل هذه الآيات سيدنا موسى يصر على بلوغ مجمع البحرين ، وننبه أن البلوغ أمتن وأوثق من الوصول ، فالبلوغ يعني الثبات والامتزاج والرسوخ . أما الوصول فلا يعني ذلك ، والدليل على ذلك أن القرآن يستعمل البلوغ وليس الوصول كقوله تعالى في سورة الأحقاف " بلاغ ... فهل يُهلك إلا القوم الفاسقون؟! " ولم يقل : وصول . وعلى ذلك فقِسْ . وفرعون يريد أن يرى الله ، قالها ساخراً من موسى عليه السلام فأشار إلى وزيره هامان يقول له مستهزئاً بموسى " .. ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى ..." والأمثلة في هذا المعنى كثيرة في القرآن . 

8- وقد تعني الكلمةُ الخوفَ . ومثاله قوله تعالى في سورة الأحزاب يصف إحاطة المشركين واليهود بالمسلمين والخوف الذي تسرب بقوة بادئ الأمر إلى قلوب المسلمين " وإذ زاغت الأبصار ، وبلغت القلوب الحناجر " ولا تبلغ القلوب الحناجر إلا من شدة الخوف . 

9- وقد تعني كلمة ( بلغ ) الأمنَ في قوله تعالى في سورة التوبة يعلـّم المسلمين أن يبذلوا الجوار لمن يدعونه ، ثم يبلغوه مكاناً آمناً " وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه " . 

10 – وقد تأتي بمعنى الشورى غير الملزمة ، فقد أمر الله تعالى إبراهيم في المنام أن يذبح ابنه ، فإبراهيم يخبرولده بذلك ولا يستأمره ، وإن سأله " فانظر ماذا ترى " فهو يعتقد أن الولد شديد الإيمان ، وسوف يريح أباه حين يذعن لذلك . يقول له في سورة الصافات بعد أن بلغ معه السعيَ " يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك ..." والحقيقة أن هذا الموقف صعب لا يرقى إليه إلا الخُلّصُ من الكرام ، وعلى هذا استحق إبراهيم عليه السلام أن يكون خليل الله . 

11- وقد تأتي كلمة (بلغ )بمعنى النقص والإخلاف ، نجد مثال ذلك في قوله تعالى في سورة المائدة حين يأمر الله تعالى نبيه الكريم أن يبلغ رسالته إلى البشرية " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك ، وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته ، والله يعصمك من الناس " وقد بلّغ الحبيب المصطفى هذه الرسالة السماوية على أتم وجه وأكمل صورة فاستحق إكرام الله تعالى له صلى الله عليه وسلم وحشرنا في زمرته . ونرى النقص في قوله تعالى في سورة غافر " إنْ في صدورهم إلا كبر ماهم ببالغيه " فلم يصلوا هدفهم ، وخاب مسعاهم .

ولا شك أن في هذه الكلمة ومشتقاتها العديدَ مما قصر الفهم عن إدراكه ، نسأل الله تعالى أن يعلمنا ما يزيدنا علماً لنكون من أهل القرآن وحافظيه .

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا