الثلاثاء 4 ربيع الثاني 1440 - 11 ديسمبر 2018

كلمات في القرآن (2) البشرى

الخميس 23 ربيع الثاني 1439 - 11 يناير 2018 542 الدكتور عثمان قدري مكانسي
كلمات في القرآن (2) البشرى

في لسان العرب : " من أحب القرآنَ فـَلْيـَبْشَر: أي فليفرحْ ولـْيـُسَرّ . أراد أن محبة القرآن دليل على محْض الإيمان " " وبشّرَه : فرّحه " . وفي معجم الصحاح " البشارة المطلقة لا تكون إلا بالخير ، وإنما تكون بالشر إذا كانت مقيدة كقوله تعالى : فبشرهم بعذاب أليم ." وفي القاموس المحيط " البُشرى ما يناله المُبَشـِّر " .

- لا يُذكر البشير – عادة – إلا ويذكر في المقابل النذير كما في قوله تعالى في سورة الفرقان الآية السادسة والخمسين مخاطباً نبيه الكريم عليه الصلاة والسلام " وما أرسلناك إلا مبشراً ونذيراً " وفي سورة الإسراء الآية الخامسة بعد المئة نجدها باللفظ نفسه.

- بشر الله تعالى المؤمنين في القرآن الكريم بإيمانهم وتقواهم ، وجعل رضاه سبحانه ، والجنة جزاءهم ، وصرح بوجود الأنهار والرزق الوافر المتعدد والزوجات الطاهرات مع الخلود في هذه الجنان ، فقال – سبحانه - في الآية الخامسة والعشرين من سورة البقرة " وبشّر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل ، وأُتوا به متشابهاً ، ولهم فيها أزواج مطهرة ، وهم فيها خالدون. " ، وهذه البشرى تكررت في القرآن الكريم عشرات المرات .

- ونجد من أنواع المؤمنين الذين نالتهم البشرى في القرآن الكريم :

أ- الصابرين على السراء والضراء ،منحهم الرحمة والبركات وختم لهم بالهداية ، فقال في الآية الخامسة والخمسين بعد المئة وما بعدها " .... وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا : إنا لله وإنا إليه راجعون ، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ، وأولئك هم المهتدون " . 

ب- المخبتين : وهم المطمئمون إلى الله المتواضعون له فوصفهم بأنهم يهابونه ويحبونه ، ويصبرون على ما ابتلاهم به ، ويقيمون الصلاة ويكثرون الإنفاق من مال الله الذي في أيديهم . فقال في سورة الحج الآيتين الرابعة والثلاثين والخامسة والثلاثين " وبشر المخبتين الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبُهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ، ومما رزقناهم ينفقون " . 

ج- المحسنين : وهم أهل التقوى الذين يعبدون الله كأنهم يرونه فقال في سورة الحج ، الآية السادسة والثلاثين :" ... وبشر المحسنين " وقال في الأحقاف الآية الثانية عشرة " ... وبشرى للمحسنين " كما صرح المولى تعالى في آيات كثيرة أنه مع المحسنين ، وأنه يجزي المحسنين ، وأن رحمته للمحسنين . 

د- عبادَ الله وهم الواعون لما يُتلى عليهم ، يفهمونه ويعملون به ، فكانوا مهتدين لأنهم أصحاب العقول والأفهام ، يقول تعالى في سورة الزمر الآية السابعة عشرة : " فبشر عبادِ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هو أولو الألباب " . ويقول الله تعالى في أول سورة " يس " مادحاً عباده الذين يخشونه بالغيب فيعملون بما أمر مبشراً إياهم بالغفران الواسع والأجر العظيم " إنما تنذر من التبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ، فبشره بمغفرة وأجر كريم " . 

هـ- المجاهدين : وهم الذين باعوا أنفسهم لله تعلى فجاهدوا في سبيله ، وباعوا الدنيا بالآخرة ففازوا بالجنة ورضاء الله تعالى . يقول الله سبحانه في الآية الحادية عشرة والمئة من سورة التوبة : " إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل الله فيَقتُلون ، ويُقتَلون . وعداً عليه في التوراة والإنجيل والقرآن ، ومن أوفى بعهده من الله ؟! فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ، وذلك هو الفوز العظيم " . 

و- الدعاة إلى الله : " وهم الذين جهروا بالدعوة ، وأعلنوها ، وأعلنوا العبودية لله وحده ، وكانوا قدوة في قولهم وعملهم ، هؤلاء لا يخافون حين يخاف الناس ، ولا يحزنون حين يحزن الناس ، فالجنة جزاؤهم ، والله تعالى وليـّهم ، والملائكة تبشرهم . كل هذا لأنهم آمنوا بالله رباً واحداً وأعلنوا دعوتهم على الملأ ، واستقاموا في حياتهم ، ودعوا إلى الله فكانوا نبراساً ونوراً ، يقول الله تعالى في الآية الثلاثين من سورة فصلت وما بعدها " إن الذين قالوا : ربـُنا الله ، ثم استقاموا تتنزّل عليهم الملائكة ألاّ تخافوا ولا تحزنوا ، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون . نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ، ولكم فيها ما تدّعون ، نزلاُ من غفور رحيم ، ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً ، وقال : إنني من المسلمين .." .

- أما الذين غضب الله تعالى عليهم لكفرهم وفسادهم ، فهؤلاء ينذرهم بالويل والثبور والعذاب الشديد ، ويستعمل القرآن كلمة البشرى مكان الإنذار لما فيها – حين تخرج عن معناها الأصلي – من تهكم وسخرية وتوبيخ . وهؤلاء الذين بشرهم القرآن بالعذاب أنواع ، منهم :

أ‌- الكفار : يقول تعالى في الآية الثالثة من سورة التوبة " وبشر الذين كفروا بعذاب أليم " ويقول في سورة الانشقاق في الآية الثانية والعشرين وما بعدها " بل الذين كفروا يـُكَذّبون ، والله أعلم بما يُوعون ، فبشرهم بعذاب أليم " وتصور معي البشرى بما يكره الإنسان ويخاف . إنها لسخرية ما بعدها سخرية ، واحتقار ما وراءه احتقار . ويندرج تحت هذا المسمّى أهل الكتاب ممن كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته ، ومن الذين أشركوا مع الله آلهاً غيره ، ومن الذين كفروا به وعبدوا آلهة أخرى ، أو أنكروا وجود الخالق ، أو ادّعَوُا الألوهية .

ب‌- المنافقون : هؤلاء دخل الإيمان قلوبهم ثم خرج " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا " فطبع الله على قلوبهم . وهؤلاء في الدرك الأسفل من النار لغضب الله الشديد عليهم ، اقرأ معي قوله تعالى في الآية السابعة والثلاثين بعد المئة من سورة النساء يصور حالهم وتذبذبهم بين الإيمان والكفر ، ثم خلودهم إلى الكفر والبعد عن الهداية " إن الذين آمنوا ، ثم كفروا ، ثم آمنوا ، ثم كفروا ، ثم ازدادوا كفراً لم يكن الله ليغفر لهم ، ولا ليهديَهم سبيلاً " ثم يقرر في الآية التالية أنهم أصحاب النار وسيذوقون فيها العذاب الأليم " بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً " لماذا ؟ وما سبب ذلك؟! إنهم انحازوا إلى الكفار أمثالهم ، ورغبوا عن الله والمؤمنين ظانّين أن العزة عند أولئك الكفار ، فخابوا وخسروا ، يقول سبحانه وتعالى " الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، أيبتغون عندهم العزة؟! فإن العزة لله جميعاً " 

ت‌- المستكبر : قد تتوقع خيراً من كثير من المجرمين والمفسدين أما المستكبر فلا خير فيه لأنه يرى نفسه فوق الآخرين ، بل يجد الآخرين خدماً وخَولاً ، وجودهم لوجوده فقط وحياتهم مسخرة لخدمته . هذا الصنف لا يرى إلا نفسه ، ولا يسمع سوى ما يهواه . أما كلمة الحق فبعيدة عنه ، بل الحق في نظره ما يريده ويهواه ... فهل تراه بعد هذا يستجيب للدعوة أو يعطيها ظهره ويسد أذنيه ؟! اقرأ معي سمات المستكبر في الآية السابعة من سورة لقمان تصوره صورة واضحة تبين عجرفته وصدوده " وإذا تُتْلى عليه آياتنا ولّى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً ، فبشّره بعذاب أليم " ألا يستحق هذا المستكبر هذه الصفعة القوية والتهديد القوي ؟ كما نجد مثاله أيضاً في الآية الثامنة من سورة الجاثية وقد زاد لؤمه في الصفتين الجديدتين فهو أفاك وأثيم " ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تـُتـْلى عليه ، ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشَره بعذاب أليم " فهو يسمع كلمة الحق ويتجاهلها سخرية وترفعاً وكبرياء، فكانت العقوبة سخرية به واستهزاء بما يناسب جرمه .

ث‌- أما الذين يأكلون الدنيا بالدين : فهؤلاء لصوص يدّعون الإيمان بالله ويجمعون باسمه المال ويكنزونه ،ويحاربون الدين في الوقت نفسه فلا يصرفون المال في وجوهه الصحيحة بل يسلبونه بكل طرق الباطل والدجل " يا أيها الذين آمنوا ؛ إن كثيراً من الأحبار والرهبان لَيأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله ....." هؤلاء يعذبهم الله بالمال نفسه ، يحسبونه نعمة فإذا هو عليهم نقمة حيث يصبح ناراً تكوى بها أجسادهم وجباههم التي رفعوها تفاخراً على العباد بالغنى ، وجنوبهم التي مالوا بها عن الفقير حين سألهم فتغافلوا عنه ، ثم أدارو للفقير ظهورهم التي تًكوى يوم القيامة بالكنز نفسه والعياذ بالله " ... والذين يكنزون الذهب والفضة ، ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ، يوم يُحمى عليها في نار جهنم ، فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم ، هذا ما كنزتم لأنفسكم ، فذوقوا ما كنتم تكنزون " الآية الرابعة عشرة من سورة التوبة . فالعقوبة من جنس العمل . ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون .

ج‌- والنوع الآخير مما نذكر قتـَلة الأنبياء والدعاة : وهؤلاء المجرمون يريدون بقتل الأنبياء والدعاة تجفيف منابع الخير والدعوة ، ليغرق الناس في جاهلية جهلاء ويسعون لوأد النور والضياء ونشر الظلم والفساد .. " إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ، ويقتلون الذين يأمرون باقسط من الناس فبشرهم بعذاب اليم " . آل عمران ، الآية الحادية والعشرون ... إنهم موجودون في كل زمان ومكان ، وتراهم منبثين في الشوارع والنوادي ويدخلون البيوت والمخادع ويبثون سمومهم بكل أطياف الفكر المنحرف والثقافة المنحطة والأهواء البهيمية ، ويدسون السم في الدسم والردّة في العلم المادّي " إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون ، والذين كفروا إلى جهنم يُحشرون " سورة الأنفال ، الآية ست وثلاثون . وهذا من فضل الله علينا معشر المسلمين أن الأعداء يمكرون ، ولكن الله تعالى يبطل مكرهم " .

- ومن الجدير بالذكر أن الملائكة الكرام بشرى للمسلمين :

أ‌- إنهم يبشرون زكريا بولده يحيى " يا زكريا ؛ إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً " .

ب‌- ويبشرون إبراهيم بولده الحليم إسماعيل " ربّ هب لي من الصالحين ، فبشرناه بغلام حليم " الآيتان الأولى والثانية بعد المئة من سورة الصافات ، ويبشرونه بولده العليم إسحاق من السورة نفسها الآية الثانية عشرة بعد المئة " وبشرناه بإسحاق نبياً من الصالحين " ونجد وصف العلم في سورة الذاريات " قالوا لا تخف ، وبشروه بغلام عليم " 

ت‌- ويبشرون سارة بابنها إسحاق وحفيدها يعقوب في الآية الواحدة والسبعين من سورة هود " وامرأته قائمة ، فبشرناها بإسحاق ، ومن وراء إسحاق يعقوب " .

ث‌- كما نجد أثر الملائكة الإيجابي في معركة بدر حين قاتلت مع المسلمين أعداءهم بأمر الله ، وقتالهم بشرى بالنصر عظيمة " إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم ، فثبتوا الذين آمنوا ، سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ، فاضربوا فوق الأعناق ، واضربوا منهم كل بنان .." .

والملائكة نفسها شؤم على الكافرين : 

أ‌- فالكفار يزعمون أنهم لا يؤمنون إلا إذا رأوا ربهم أو رأوا الملائكة ، فيخيب الله تعالى زعمهم حين يخبرهم أنهم لن يروا الملائكة إلا حين ينتهي الأمر ويكونون من أصحاب النار " وقال الذين لا يرجون لقاءنا : لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ؛ يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجراً محجوراُ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ، فجعلناه هباء منثوراً " 

- وكانت العرب تكره البنت وترغب بالصبي ، فقد كانوا يجدونها عبئاً ، ويرون نصرها بكاء وعويلاً وصراخاً ، أما الفتى فيحمل السلاح ويقاتل ، لقد كان المجتمع ذكورياً أدى بهم إلى وأد البنت في كثير من الأحيان ، وقد وثـّق القرآن وأدهم بقوله تعالى :" وإذا الموءودة سُئلتْ : بأي ذنب قتلت ؟ " كما نعى على هؤلاء أنهم يجعلون لله - سبحانه - البنات ( الملائكة ) على زعمهم ويرتضون لأنفسهم الذكور " ويجعلون لله البنات – سبحانه- ولهم ما يشتهون ، وإذا بُشّر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودّاً وهو كظيم ، يتوارى من القوم من سوء ما بُشّر به ، أيمسكه على هُون أم يدسّه في التراب ، ألا ساء ما يحكمون " فكيف يرتضون لربهم البنات ، ويطلبون لأنفسهم الذكور ؟! " وإذا بُشّر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظل وجهه مسوداً وهو كظيم !! " .

بشرى الإله على التقوى منازل لا =يرقى إليها سوى المحفوف بالنعَم 

من بات يسعى إلى مرضاة خالقه =بـبـذل معــروفـه بالـفعـل والـكـَلـِم

يُـقـال أبـشِــرْ بجـنــات ومغـفـــرة =أعظِم بعفو مليـك الكـون من غـُنـُم

يا رب إني ضعيـف فاحْبـُني مدداً =وسدد الخطوَ في الناجيـن بالكـرم

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا