السبت 10 شوال 1439 - 23 يونيو 2018

رأس السنة الميلادية والمنهجية الخاطئة في الحوار

الخميس 16 ربيع الثاني 1439 - 4 يناير 2018 114 د. محمد عياش الكبيسي
رأس السنة الميلادية والمنهجية الخاطئة في الحوار

لا أريد أن أدخل في الجدل المعاد في كل سنة حول حكم التهنئة برأس السنة الميلادية، ولكنها فرصة في خضمّ هذا الجدل للتنبيه على الأخطاء المنهجية التي تحول دون التوصّل إلى الحل أو الاقتناع بالرأي المخالف. 

سألني أحدهم عن حكم الإعجاب بلاعب كرة أجنبي (غير مسلم)، فقلت له: هل أنت معجب بكفره أو بلعبه؟ قال: طبعاً بلعبه. قلت: فما الضير في ذلك؟ قال: ألا يدخل هذا في باب الولاء والبراء؟ قلت: ولماذا لا يدخل في باب الإنصاف؟ قال: لأن الإعجاب مقدمة للحب، والحب من أوثق معاني الولاء. قلت: فكّر معي قليلاً، هل أباح لك الله أن تتزوج بكتابية؛ يهودية أو نصرانية؟ قال: نعم. قلت: فهل تعتقد أن الله تعالى يبيح لك الزواج منها ثم يأمرك ببغضها؟ وهل اخترتها إلا وأنت معجب ولو ببعض صفاتها؟ 

هذا النموذج يكشف عما نريد أن ننبه إليه؛ فمسألة إعجاب الشاب المسلم بلاعب كرة أجنبي ليس فيها نص، وإنما يحملها المفتي على بعض لوازمها، وهنا يختلف المفتون في تقدير هذه اللوازم. ولنعد الآن إلى موضوعنا؛ التهنئة برأس السنة الميلادية. والحديث هنا ليس عن الاحتفالات بأعياد الميلاد؛ لأنه -نحن المسلمين- ليس لنا إلا عيد الفطر وعيد الأضحى، وتقليد الأمم الأخرى في أعيادها لا شك أنه يعبّر عن اضطراب في الهوية وتمييع لخصوصية هذه الأمة، لكن الحديث -عادة- يكون عن العلاقات الاجتماعية. فلو كان جاري أو شريكي في العمل يهنئني بالفطر وبالأضحى، فهل يحرّم الإسلام عليّ أن أبادله التهنئة في أعياده؟ 

تتبعت آراء المانعين، فوجدتها تحيل المسألة دائماً إلى «عقيدة الولاء والبراء»، وهي إحالة باللازم، فتراه يقول مثلاً: هذه التهنئة فيها إقرار بصحة معتقد النصارى وأن عيسى ابن الله -تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً. والسؤال هنا: هل فعلاً تقتضي هذه التهنئة مثل هذا الإقرار؟ في رأيي أن الذي يتزوج بنصرانية -وهي تصلّي في بيته، وتمارس شعائرها المتضمنة لأنواع الشرك والتثليث، وهو ساكت لا ينكر عليها- هذا ألزم للإقرار من الحالة الأولى بما لا يُقاس. ومع هذا، أباح الإسلام الزواج منها، ولم يأمر الزوج باعتزالها أو الإنكار عليها، بمعنى أن الإسلام لم يلتفت إلى هذه اللوازم. 

في الحقيقة أننا لو استسلمنا لمنطق اللوازم هذا، فإننا سنقع في تناقضات شديدة؛ فالرسول -عليه الصلاة والسلام- وافق على صلح الحديبية مع قريش عشر سنوات، ولازم هذا الصلح الموافقة على بقاء الكعبة تحت هيمنة الأصنام والسلطة الوثنية عشر سنين، وقد كان هناك مئات المهاجرين والأنصار القادرين على خوض معركة مفتوحة مع قريش، ولكنه -عليه الصلاة والسلام- اختار طريق الصلح، ولم يلتفت لهذه اللوازم. ونحو هذا قول موسى عليه السلام: {قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ}، وهو يوم عيد الفراعنة، ولم يلتفت إلى لوازمه، مثل الإقرار بمشروعية التجمع في هذا اليوم. 

إن تحرير محل النزاع شرط للحوار المثمر، والقول باللوازم التي لا يقول بها المخالف يعقّد المسائل، ويجعلها تدور في فلك الاتهام والاتهام المتبادل، وهذا نمط سائد اليوم -مع الأسف- في حواراتنا الإسلامية.

شاركنا بتعليق



    لا يوجد تعليقات

اقرأ ايضا