بيان الحكم الشرعي في عقد زواج يُبنى على إظهار الإسلام تحايلاً
الاثنين، ٩ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ - ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦

نص الاستشارة:

أصحاب الفضيلة العلماء الأجلاء،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

شقيقتي تعيش وتعمل بمفردها في الخارج، وللأسف قد تركت ممارسة شعائر الدين الإسلامي، وتعرفت هناك على شاب أجنبي ملحد. وقد التقيت بهذا الشاب بنفسي، وناقشته نقاشاً مطولاً ومباشراً، وتأكدت يقيناً من إلحاده التام وعدم إيمانه بالخالق سبحانه أو بالرسالة.
مؤخراً، أبلغتنا شقيقتي برغبتهما في الزواج منه، وادعت أنه قد أسلم. وعندما تحدثت معه مجدداً محاولاً استبيان الأمر، حاول التظاهر بالإسلام، إلا أن كلامه كان متناقضاً بشكل واضح ، وتبين لي كذبه وعدم قناعته بالاسلام ومع ذلك، قام الشاب باستخراج "شهادة إشهار إسلام" رسمية من إحدى الجهات هناك بغرض إتمام الأوراق الرسمية، وهم بصدد إقامة عقد زواج مدني وآخر شرعي (بناءً على هذه الشهادة).
لقد قمت بإبلاغ والدتي بحقيقة الأمر وما تأكدت منه من إلحاده وكذبه، فمانعت الزواج في البداية، ولكن تحت ضغط وإصرار شقيقتي استسلمت للأمر الواقع، قائلة: "ما دام يملك شهادة رسمية بإسلامه فالإثبات الورقي يكفينا، وإذا كان كاذباً فإثمه على نفسه وليست مسؤوليتنا".


بناءً على ما تقدم، أرجو من فضيلتكم إفادتي بالآتي:
1. ما حكم عقد الزواج الشرعي في هذه الحالة، إذا كان لدينا يقين وقرائن قاطعة بأن الزوج ملحد في الباطن وأن إشهار إسلامه مجرد تحايل ورقي لإتمام الزواج؟
2. هل تجوز قاعدة "نحن نحكم بالظاهر" في حالتنا هذه، بالرغم من علمنا ومعرفتنا المباشرة بكذبه وإلحاده؟
3. ما هو الواجب الشرعي الملقى على عاتقي وعلى عاتق والدتي (كأولياء أمر) لإبراء الذمة أمام الله تعالى؟ هل يجوز لنا الحضور أو الشهادة أو الموافقة على هذا العقد؟


وجزاكم الله خيراً، ونفع بجهودكم وعلومكم العباد والبلاد

الإجابة:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.


أسأل الله أن يربط على قلبك، ويعينك على ما ابتُليت به، ويجزيك خيرًا على غيرتك على أختك وخوفك على دينها، وأسأله سبحانه أن يشرح صدرها للحق ويجعل نصحك سببًا في هدايتها وحفظها.


1. الإقامة في ديار غير المسلمين ومآلاتها:

إن الحاجة التي قد تدفع المسلم إلى السفر والغربة -كالدراسة أو العمل أو الاضطرار بسبب الحروب- لا تجعل البقاء سائغًا في كل حال، لا سيما مع زوال الضرورة وظهور الفتنة في الدين؛ وقد صح عن النبي ﷺ قوله: (أنا بريءٌ من كلِّ مسلمٍ يقيمُ بينَ أظهرِ المشركين) [أخرجه أبو داوود والترمذي]. وقد قرر أهل العلم وجوب الهجرة والانتقال على من عجز عن إظهار دينه أو خشي الفتنة على نفسه وهو قادر على التحول إلى مأمن.


وإذا كان هذا في حق الرجل، فهو في حق المرأة بمفردها أشد خطرًا؛ لاجتماع الغربة والوحدة وضغوط الواقع مع انقطاع الناصح والمعين. وما ذكرتَه من ترك أختك للشعائر وتعلقها بملحد دليلٌ بيّن على أن الخطر قد وقع بالفعل، فضلاً عما يجرّه ذلك من ضياع محقق لدين الذرية مستقبلاً.


وعليه، فالواجب دعوتها بجدية وحزم إلى العودة إلى وطنها إن أمنت فيه على دينها ونفسها، أو الانتقال إلى بلد مسلم آخر، مع بذل الوسع في إعانتها على تأمين السكن والعمل؛ إذ لا تُقدَّم مصلحة الوظيفة والإقامة بحالٍ على حفظ الدين.



2. إسلام الخاطب وحكم نكاحه:

الأصل في الأحكام الدنيوية إجراء الناس على ما أظهروه؛ فمن نطق بالشهادتين مريدًا الدخول في الإسلام حُكم بإسلامه، وعُصم دمه، وأُلزم بشرائع الدين وأعظمها الصلاة. ولا يُحكم ببقائه على الكفر لمجرد الشك في نيته، أو لمعرفة ماضيه الإلحادي، أو لضعف علمه واضطراب تعبيره عن عقيدته.


غير أن هذا الإسلام الصوري لا يُعتدّ به إذا قامت القرينة القاطعة على أنه تلفظ بالشهادتين تحايلاً لأجل عقد النكاح فقط، أو صرّح بلسانه بأنه لا يزال مستمسكًا بالإلحاد؛ فشهادة إشهار الإسلام ورقة رسمية لا تُثبت إسلامًا حقيقيًا مع إصرار صاحبها على الكفر. فإن ثبت بقاؤه على الإلحاد لم يحل له الزواج بمسلمة إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10]، وحرم حينئذ الرضا بالعقد أو الشهادة عليه أو حضوره؛ ولا يبرأ المعين على ذلك بقوله: "إثمه على نفسه".



3. الواجب العملي عليك تجاه أختك:


• المبادرة إلى النصح والبيان: تحدّث معها أنت ووالدتك برفق وشفقة مشوبة بالحزم؛ ذكّراها بالله ومآل أمرها، وحذّراها من الانجراف وراء العاطفة، وبيّنا لها أن اختيار الزوج يتعلق بمصير دينها ومستقبل أولادها؛ والمودة لا تبرر الإقدام على نكاح باطل، كما أن وعود الصلاح بعد الزواج غالبًا ما تنقضها التجربة.


• التمسك بمقام الولاية الشرعية: أعلِمها بوضوح أن النكاح لا يصح دون إذن وليها ومباشرته للعقد عند جمهور الفقهاء، وألّا تُقدم على خطوة كهذه منفردة.


• التثبت المباشر: سافر إليها إن أمكنك ذلك لتقف على حقيقة حالها، وتلتقي بالرجل مستعينًا بمترجم موثوق عارف بالشرع، لاستيضاح صدق إسلامه والتزامه بالصلاة وأركان الدين. فإن تعذر السفر، فوكل مركزًا إسلاميًا رسميًا موثوقًا في بلدها لمقابلته واستبرائه، ولا تأذن بإتمام العقد حتى تتيقن من سلامة دينه.


• تيسير أسباب العودة والاستقرار: اقرن نصيحتها بإظهار الدعم التام لها، ومساعدتها عمليًا على ترتيب سكنها وعملها بين أهلها إن رجعت؛ فإن استشعارها وجود الأمان الأسري يخفف من وطأة الغربة التي قد تكون هي الدافع الأكبر لتعلقها بهذا الزواج.


أسأل الله تعالى أن يوفقك لحسن رعاية أختك بالحكمة والصبر، وأن يصرف عنها الفتن، ويهدي قلبها ويردها إلى دينه ردًا جميلاً، وأن يهدي هذا الرجل للإسلام هداية صادقة يُصلح بها حاله.



والله أعلم.