من أساليب التربية النبوية أدوات الاستفتاح والتنبيه والتوكيد

الدكتور عثمان قدري مكانسي


    
هذه الأدوات تطرق سمع المخاطب ، فتنبهه إلى ما سيكون بعد ذلك فلا يضيع عليه من كلام القائل شيء وقد عرف العرب كثيراً منها ، فهناك على سبيل المثال  :

     1 ـ ( همزة الاستفهام ) : وقد وردت في أحاديث المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوفرة ، ومن هذه الأحاديث ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : 

     (( . . . . . ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ، ويرفع الدرجات ؟ . . . )) ( إلى آخر الحديث )(1) فأوردها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لتلفت انتباه المسلمين ، ثم أتبعها ب ( لا ) النافية (( ألا أدلكم )) فلما أصبح استعدادهم كاملاً أجابوه بالإيجاب .

     2 ـ ( النداء بـ أيها الناس ) : وهذا يستدعي تحويل الرؤوس إليه ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، وتصويب نظراتهم نحوه ، وفتح آذانهم ، والإصاغة باهتمام لما يقول ، ويوردها رسول الله        ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين يكون الجمع حاشداً ، كما حدث في خطبة (( حجة الوداع )) إذ :
     أ ـ أوردها عدة مرات للتأكيد على وجوب الانتباه ، لما للأمر من أهمية .
     ب ـ ذكرها في بداية كل فقرة ، للإشعار بأنه يقول شيئاً جديداً(2) .

3 ـ ( أداة النداء : يا ) :
     أ ـ لنداء الخاص أحياناً ، كالحديث الذي رواه أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : يا أبا ذر ، إذ طبخت مرقة ، فأكثر ماء المرقة ، وتعاهد جيرانك ، أو اقسم في جيرانك(3) .

     ب ـ لنداء العام أحياناً : كالحديث الذي رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : يا نساء المسلمات ، يا نساء المسلمات ، لا تحقرنَّ جارة لجاراتها ، ولو فرسَنَ شاةٍ(4) .

     ومن الملاحظ أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ندائه أبا ذر ـ وكان وحده ـ ناداه مرة واحدة ، وحين نادى عامة النساء كرر وذلك لبعد الزمان والمكان .

     4 ـ ( إن وأمثالها ) : فهي للتوكيد والتثبت ، ومثالها : ما رواه أبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : إن أعظم الناس أجراً في الصلاة ، أبعدهم إليها ممشى ، فأبعدهم(5) .
     فأكد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن البعيد عن المسجد ، الملتزم بالصلاة فيه أكثرُ أجراً من القريب منه .

     5 ـ ( أدوات الشرط بأنواعها ) : ففيها معنى الحثُّ والترغيب و . . ومثالها ما رواه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : 

     من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره ،
     ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ،
     ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت(
 
6) .
     6 ـ ( ما النافية مع إلا أداة الحصر ) : وهذا يسمى في عرف البلاغيين : أسلوب القصر ، ومثاله : ما رواه أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ  : ما أكرم شابٌ شيخاً لسنه إلا قيَّض الله له من يكرمه عند سنه(7) .

     7 ـ ( إنِّما الكافة المكفوفة ) : وهي من أساليب القصر أيضاً ، ومثالها : ما رواه أبو موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : إنَّما مثل الجليس الصالح وجليس السوء ، كحامل المسك ونافخ الكير . . . إلى آخره(8) .

     فنبَّه بأسلوب القصر إلى مكانة الجليس الصالح ، ومهانة الجليس السوء .
     وأمثال هذه الأدوات عديدة يتنبه إليه النبيه .
     وبعد . . . فهذا غيض من فيض من طرائق رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التربية والتعليم ، سلوكاً وأسلوباً ، عملاً وقولاً . أرجو أن يكون عملي هذا لبنة في صرح التربية الإسلامية ، راجياً ثواب الله تعالى .

فما كان من خير وصواب فمن الله تعالى وفضله ، وما كان من هَنَة وتقصير وضعف فمنّي .

أسأل الله تعالى القبول فإنه أكرم مسؤول .
اللهم : اغفر ذنبي ، واستر عيبي  ، واختم بالصالحات أعمالي .

أخوكم عثمان قدري مكانسي